محاولة لإقناع السماء بالمطر

محاولة لإقناع السماء بالمطر

مدونة نحن والتنوّع

الخميس 22 يناير 20267 دقائق للقراءة

وصل الثلج إلى مترين على ظهر جبل العرب في السويداء في شتاء عام 2013، وعشرين سنتمتراً في قريتنا أسفل الجبل. وبينما كنا ننحشر تحت أكوام الملابس، جاء أبي وأعطاني كفَّين ممازحاً، وقال: "دفّيلنا إيديكِ بدّك تكوني قوية للحصيدة السنة".

تململت من جملته، وأجّلت التفكير في الحصاد إلى ما بعد اللعب بالثلج.

ثم ذاب الثلج وبان المرج واصفرّ. حان موعد الحصاد. ارتدينا كفوفاً بلاستيكيةً وتوجّهنا جميعاً إلى الكرم. لم أكن أستطيع أن أفتح عيوني من النعس، ففي ليالي الصيف يكون النوم أصعب والسهر أجمل، والحصيدة تبدأ قبل الشروق وجفاف "الندى"، وتبدو كأنّها لن تنتهي.

من سيقطف هذا البحر من القمح يا أبي؟

"قولي ما شاء الله، واسمه حصاد رح نحصده كلنا سوا"، أجاب.

حصدت قليلاً، ولعبت فوق الأحجار كثيراً. تسابقنا أنا وأخي؛ من يستطيع نزع أكبر عدد من عروق القمح في قبضة واحدة؟ وربحت. صنع ابن عمي "نقّيفة" من خشبة صغيرة، وكاد أن يقلع عيني بها. وبّخني أبي لأنني ابتعدت كثيراً، وعدنا إلى البيت وأبي يحمل باقةً من القمح ستبقى معلّقةً في مضافة جدّي حتى تُحرَق مع البيت والمضافة في صيف 2025.

في السنة نفسها، كانت أشجار الزيتون تحمل "من عيونها"، غير أنّ قطاف الزيتون يأتي بعد الشتوة الأولى، أي في بدايات الشتاء، واختبارات المدرسة والبرد الخفيف. وهكذا كنا نعود من المدرسة لنجد أبي في انتظارنا. نبدّل ملابسنا ونأخذ كتبنا ثم ننطلق إلى الزيتون. أحببت قطاف الزيتون أكثر من الحصاد بكثير، فهناك تحبّنا الشمس ولكلّ شجرة حكاية، كما نستطيع أخذ جدّتي معنا، إذ يقلّم أبي لها الأغصان فتقطفها وهي جالسة، ثم تقول لنا: "هالشجرة حظك يا فؤاد"، فننتهي منها خلال دقائق. تعيد الكرّة: "هالشجرة حظك يا جلنار"... فيخلص النهار ولا ننتهي منها. أعاتبها على حظّي، فتؤكد أنّ حظّي شجرة مثمرة وهذا أفضل.

مع مرور السنوات، صار الثلج على ظهر الجبل عشرين سنتمتراً ولم نعد نراه. كبر أخي وهو يقول عن القرية: "بقعة إبليس"، وأبي يخترع طرقاً لتحسين الإنتاج، بين السماد العضوي والسقي والدعاء والبكاء. صارت تمضي السنوات بلا حصاد وقطاف؛ "مش محرز" ذهابنا كلنا.

ذكرياتي عن الأرض والشجر وأهمية الموسم وقدسية القمح دفعتني لأقدّم كل ما أستطيعه لإقناع السماء بالمطر من جديد. وبعد أن فشل الدعاء والبكاء، قررت أنّ أِشمّر عن ساعدي وأبدأ العمل. وهكذا تعرّفت إلى مفهوم التغيّر المناخي وبدأت أنخرط بكل نشاطٍ يساعدني على الحدّ منه.

عن جدّتي والأكل "ببلاش" و"قطاش الجاج"

عندما يضرب البرق الأرض، تتشكّل الكمأة، أغنى الفطور وأغلاها. وبينما يتفاخر البعض بأنّه تذوّقها أو عرفها، رحت أرقص وأنا أخبرهم بأنني أعرف كيف نجدها وكيف نحصدها. يسألونني كيف؟ فيكرج من ذاكرتي شريط مصوّر لا يراه غيري:

أنا على أعلى أغصان شجرة الزيتون، أبي يمشّط الغصن صارخاً فيّ أن أنزل قبل أن "يفكّ رقبتي"، وأمي تضحك على إنجازاتها وتسأل محتارةً: متى غيّر الله رأيه وقلبني بنتاً؟ وفي زاوية الصورة جدّتي، تلملم الحبّات المتطايرة حول الشجرة وتناديني: "يالله يا ستي تعي نروح 'نسلّق' كرّاث وضُبح"، فأردّ من تحت السماء بقليل: "وإذا لاقيت كمأة؟".

سأبقى أحاول لإنقاذ ما تبقّى، ولو اعتقدتم بأنني مجنونة فهذا لأنكم لم تتذوّقوا تفّاح ظهر الجبل ولم تنعموا بنعيم عنبه وقمحه. ولو فعلتم لضحّيتم بكلّ شيء ليحصل أبناؤكم على فرصة تذوّقه، وهذا ما أفعله

"إلك عشرين ليرة"، تجيب، فأنطّ متجاهلةً شهقة أمي وأركض.

التسليق هو النشاط المفضّل لنساء قريتنا. تذهب الكبيرات منهن في العمر "الجدّات" أو الصبايا في استراحات قطاف الزيتون، ويحملن سكاكين قويةً وأكياساً سوداء بلاستيكيةً ويسلّقن من الأرض ما لذّ وطاب. إذا كان الموسم موسم خير، نأكل لأشهر من الأرض دون الاضطرار إلى شراء شيء من السوق. كرّاث، ضبح، كمأة، فطر، والكثير من السلطات مع "قطاش الجاج"، وهو نبات أخضر اللون أوراقه مثل عرف الديك وفي المنتصف مشحات حمراء. احذروا لو وجدتموه أن تطعموه لدجاجاتكم فإنّه "سيقطش" بيوضها، أي يوقف إنتاج بيضها، ومن هنا جاء اسمه. طعمه حامض وهو المفضّل لدى أمّي.

أمسح دموعي بعد هذه الذكريات التي تُشعرني بأنّها أقدم من عبد الحليم حافظ، وأقول للعالم: لا أريد أن أعيش بشكل جيّد فحسب، أريد أن يعود أبي لقطاف الزيتون وأن أذهب للتسليق مع جدّتي قبل أن تموت وتتركني.

الآن ما زال لديّ أمل في الغد. لن أسامح نفسي لو لم أكلّفها عناء المحاولة.

"يا أمّ علي سيري... إذا رح تثلج السنة بتطيري"

ندُر الثلج في سوريا مع مرور السنوات. بات التغير المناخي واقعاً لا مفرّ منه والضربة القاضية لفلّاحي قريتي أنه تزامن مع سنواتٍ طويلةٍ من الحرب والفقر. ساءت الأحوال الاقتصادية مع تدّني مستويات الهطول، بدلاً من الثلج صار يغطّي الجليد الأرض ويقتل الحبوب قبل إنباتها، أو يضرب البَرَدُ المحصول فيكسر سنابل القمح والشعير وينقر حبّات التفاح، وعلى تعدّد الأسباب، لم نعد نحصد المحاصيل إلا مرةً كل سنتين ونكون محظوظين لو استطعنا تأمين مونة القمح والشعير والزيت وعلف الحيوانات لسنتين متتاليتين.

أمسح دموعي بعد هذه الذكريات التي تُشعرني بأنّها أقدم من عبد الحليم حافظ، وأقول للعالم: لا أريد أن أعيش بشكل جيّد فحسب، أريد أن يعود أبي لقطاف الزيتون وأن أذهب للتسليق مع جدّتي... قبل أن تموت وتتركني

هذا كله جعل القرية تقبع في فقرٍ لم تشهده قبلاً. ففي سنوات الحروب القديمة، لم يأبه الأهالي لما يحدث في العاصمة والمدن الكبيرة. كانت لديهم أرضهم وأبقارهم وصلاتهم مع تجار المدينة الذين سيشترون المحاصيل مهما حصل.

أما بعد التغير المناخي، فلم تعد الأرض تعوّض تكاليف الزراعة على أصحابها في أحيانٍ كثيرة. بات أبي يشتري القمح المعقّم بأسعارٍ مرتفعة، ويجرّب إنبات عيّنة من كل كيس، فيضع في غطاء زجاجي قطعاً من القطن وحبوب القمح ويسقيها لبضعة أيامٍ. إن نبتت يزرع الأرض، لأنّ حتى البذار بدأت تصل ضعيفةً.

في معظم الأيام، كان أهالي القرية يتجولون في الشارع، يقطعون أجزاء الأشجار الرفيعة، ويجمعون البلاستيك، أطر السيارات، الملابس القديمة، وكل ما يمكن حرقه للتدفئة، فغياب المطر والثلج جعل البرد أقسى وأجفّ؛ يخرق العظم ويقطع الأنفاس. ومع انقطاع البترول والغاز من المدينة وأسعاره الجنونية، صار البلاستيك عنوان حياتنا في الشتاء. كانت نساء البيت أكثر من استنشق هواءً أسود. كنا نطبخ على نار حرق البلاستيك والأحذية القديمة والإطارات. نغلي الحليب عليها صباحاً ومساءً. نسخّن مياه الحمام عليها، ونتدفّأ مع البقية. وعندما نستحمّ أو ننظّف أنوفنا بالمحارم البيضاء نقرف من كمية "الشحوار" أو بقايا الدخان الأسود على شعرنا، بين شعيراتنا الأنفية وفي كعوب أرجلنا. تفاقمت أزماتنا التنفسية والنفسية، ومع هذا كنا ننظر كل يوم من شباك البيت ونصلّي للثلج والشتاء.

في البلدة تنتشر حشرة الدعسوقة ونسمّيها "أم علي"، وهي حشرة الحظّ وبصّارة الضيعة. لو وجدتها وأردت جواباً عن أيّ شيء عالقٍ في حياتك، فكل ما عليك فعله هو أن تشترط عليها الطيران. في الحال سيتحقق حلمك. وكنت كلما وجدت واحدةً أقول لها: "يا إمّ علي سيري، إذا رح تثلج السنة بتطيري". وسواء طارت أو لا، لم تثلج منذ زمن ولم يتوقف المناخ عن التغيّر. "بارَت" معظم أراضينا ولم يكترث العالم لإنقاذنا، ولكنني سأبقى أحاول لإنقاذ ما تبقّى، ولو اعتقدتم بأنني مجنونة فهذا لأنكم لم تتذوّقوا تفّاح ظهر الجبل ولم تنعموا بنعيم عنبه وقمحه. ولو فعلتم لضحّيتم بكلّ شيء ليحصل أبناؤكم على فرصة تذوّقه، وهذا ما أفعله.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

Website by WhiteBeard
Popup Image