"فستان زفافي بثمن علبتي سجائر"…كيف نجوت من فخ التوتر الاستهلاكي؟

مدونة نحن والنساء

الثلاثاء 6 يناير 20268 دقائق للقراءة

بعد انتهاء جلسة التصوير، وما يطلق عليه "Photo session" للعرسان، ذلك الضغط الذي أرهقني رغم توضيحي أنني لم أخضع لأي ادعاءات خاصة بما يطلقون عليها اليوم "First Look"، وذلك لأننا شاهدنا معاً مراحل تجهيزنا كعروسين خطوة بخطوة بعكس المشاهد الإخراجية المُحكمة التي غالباً ما أظهرها لي فيسبوك بمجرد علمه الخفي بأنني أستعد لإقامة حفل زفافي، جاء الإرهاق من عدد الصور التي لم يتسنَّ لي أن أرفضها أمام ضغط المصورين.

ضغط الصور المثالية
في مقابل رغبتي في صورتين فقط، واحدة للإعلان على مواقع تواصلنا والأخرى تزين مدخل بيتنا الصغير، كان هناك إصرار من نوع آخر على إيجاد ألبوم كامل ومعه فيديو يشبه إعلانات الأفلام وكأنه إعلان تشويقي لمن يرغب في مشاهدة بعض من اللقطات المفتعلة في كثير من الأفراح، والتي رغم كل شيء لم أنفذ منها ولا لقطة واحدة، ثم بسؤال المصور لي: فستان زفافك من أي مكان؟ ما هي الصفحة الرسمية للـ "Makeup artist" الخاصة بك؟ كي يُكمل عمله الذي يعتمد على إضافة إشارة "Mention" لهذه الصفحات صاحبة آلاف المتابعين، حتى ترتبط الأسماء بعضها ببعض ويجلب كل منهما للآخر عملاً،.

لم أعلّق على تلك الحيل التسويقية، فكلنا نريد استمراريتنا في العمل وفقاً لمتطلبات كل مجال، ولكن إجابتي جاءت على الشكل التالي: "الفستان من أي مكان والبنت بتاعة "الميك آب" واحدة قالت لي أنا بعمل "ميك آب" حلو قولتلها تعالي، ولسه معندهاش صفحة".

اندهش المصور حسباً في إلقائي فكاهة بعد كثير من العصبية بسبب كثرة تصويره لي، لكنني قلت الحقيقة بالفعل.

عروسة مصنوعة من الشمع

في مواقع التواصل الاجتماعي، انهالت عليّ صفحات محال وبيوت أزياء فساتين الزفاف، ومقاطع المصورين المخرجين للحظات مُدعية، وتعليقات وسيل من آراء السيدات في من يضعون مساحيق التجميل يوم الزفاف "ميكب أرتست" أو بالأحرى "Reviews" وأسئلة لا حصر لها حول ترشيحات أفضلهن، مع الأسئلة عن أفضل وسائل إزالة الشعر من الجسد، وتنظيف البشرة، والروائح المخصصة للأماكن الحساسة لتعطيرها وتنعيمها وتوريدها، والكثير من التفاصيل التي تضع جميع السيدات تحت ضغط حتى يقدمن أنفسهنّ كعروسة مصنوعة من الشمع، لا يمكن لجسدها أن يحمل شعرة هنا أو هناك، أو لوجهها أن تزوره حبوب، أو حتى لو علمت بعض البنات أن تنظيف البشرة في الليلة السابقة للزفاف مباشرة يسبب التهابات البشرة واجهادها بشدة، فلم تتخلّ عنه لأنه روتين واجب على كل عروسة، وصولاً لضغوطات اختيار الفستان، الذي جعلته قصص الانستغرام اليوم، فستانين، أو ثلاثة إذا استطعت، في محاولة غير مفهومة لتفكيك ذلك التقليد الذي لم أجرؤ حتى على تصنيفه بأنه تقليد غربي وارد، مع كل المصطلحات الإنجليزية الوارد ذكرها، وكلما زاد الإنجليزي زاد السعر.

في الغرب والشرق ترتدي العروس فستان زفافها ذات الطرحة الطويلة وفقط، فمن أين جاء "First Look و Second Look"؟

يكفيني التوترات الأخرى المتعلقة بالعمل والحياة وارتفاع أسعار الإيجارات والتحرش وقتل النساء، يكفيني أنني أنثى أصلاً ولدت والتوتر صديقي يسكن ويصادقني مع كل خطوة لي في الشارع ومع كل رأي لي في إطار العمل

لم أحاول مطلقاً المزايدة على أساليب فرحة النساء بأنفسهنّ في ليلة يروج إليها بأنها ليلة العمر، ولكن من حقي أن أتساءل وأحاول أن أنجو بأكبر قدر ممكن من هذا الضغط وهذه القوالب التي جعلت كل ماكيرة أحاول الاتفاق معها أن تقدم لي نصائح بألا أقدم على خطوة تنظيف البشرة متأخرة وأن أزيل شعر وجهي بطريقة معينة والأهم ألا أستسلم للتوتر، وتتعهد لي بأنها ستجعلني جميلة في ليلة عمري.

لم يخدمني عقلي أبداً بأن يتجاهل هذه الجمل، فأنا لم أتوتر على الإطلاق، من أي شيء أتوتر ولماذا؟ يكفيني التوترات الأخرى المتعلقة بالعمل والحياة وارتفاع أسعار الإيجارات والتحرش وقتل النساء، يكفيني أنني أنثى أصلاً ولدت والتوتر صديقي يسكن ويصادقني مع كل خطوة لي في الشارع ومع كل رأي لي في إطار العمل.

ولكن في يوم زفافي لا بد من التحرر، لأنني لست مستعدة لعبء أكبر، فبيتي أسسته بما كنت أملك من أجهزة سابقة وبعض من الأثاث استبدلته بآخر من باب التجديد، دولاب مفروشاتي ربما عدد المناشف فيه لم يتجاوز الـ20، ومعه 2 من البطاطين، وعدد بسيط من الملاءات، احتفظت بغرفتي القديمة، وزوجي على قدر ما كان معنا اشترى غرفة النوم والمطبخ والتلفزيون، فانتهينا من تصميم منزل يوفر لنا احتياجاتنا دون أن نسعى لشراء ملابس جديدة لنا على سبيل إبهار بعضنا البعض، إذاً لماذا التوتر يا عزيزتي "الميك اب" ارتست؟

فستان زفاف بثمن علبتي سجائر
كيف لي أن أتوتر في صياغتي كعروسة وأنا من صنعت فستاني بنفسي تقريباً؟ اعتدت على التأقلم مع أي شكل وتطويعه حتى يصبح شبهي تماماً، ربما ضيق الحال سابقاً هو من أكسبني تلك المهارة التي ألهمتني أن أجد قطعة الملابس وسط عشرات من الملابس المستعملة ثم أطوعها لتصميماتي التي لم أعرف لرسمها على ورق يوماً طريقاً، ولكن طرقها كافة داخل عقلي، لنتمكن معاً أن نستخرج قطعة تشبهني تماماً.

حتى بعد أن تحسن وضعي المادي وكبرت في العمر لم تفوتني تلك الموهبة التي أصبحت في دمي بين كل حين وآخر، والتي استدعتها فور جلب أمي لي فستان زفاف من أحد الأسواق الشعبية، بـ150 جنيهاً مصرياً فقط لا غير.

فستان الزفاف الذي يأخذ أكبر من حجمه دائماً على الرغم من أن ظهوره لا يتجاوز الثلاث ساعات، وهو فستان مثلما ارتديت قبله الكثير والكثير، وكذلك "المكياج" وضعت قبله الكثير، فلم أنتظر يوم العمر كي أزرقش وجهي، وعليها أخذت الفستان في جلسة خاصة ووجدت له التصميم الذي كلفني مع تنظيفه والمكواة بالبخار 300 جنيه مصري وغطاء للفستان 80 جنيهاً، وشراء القطعة المُضافة "اكستنشن" بـ250 جنيهاً ليصبح ثمن فستان زفافي الخاص بي 780 جنيهاً مصرياً.

بالنسبة إلى المكياج، وجدت إحداهنّ في أحد الغروبات تعرض صوراً بسيطة لتسويق عملها، تبادلنا أطراف الحديث وطلبت مني 1500 جنيه نظير وضع المساحيق ومساعدتي في تركيب طرحة الزفاف، ونحو 200 تنقلات لها، وافقت.

رغم أنني لم أحصل على صور منها توضح تفاصيل مكياجها، ولم تأت إلي بصورة وحيدة، ولكني أعلم بأنني انتقيتها خصيصاً، ولو قدمت نفسي كنسوية تساعد الشابات للتمكين في سوق عملهنّ ربما سأظهر مدعية ولكن هذا ما جاء في بالي فعلياً تقاطعاً مع استمرار عدم الخضوع للضغط المجتمعي الذي يمثل عبئاً مادياً مبالغاً فيه ونفسياً أيضاً.

بذلت المُزيّنة قصارى جهدها حتى تتمكن من أن تقدم مشروعها الأول في عروسة بشكل لائق يفتح لها أبواب رزق جديدة، من دون أن تدفع مبلغاً مالياً لأي موديل. فالعروسة تمثل في هذا المجال ترقية نظراً لأنها الأعلى سعراً مقارنة بالخطوبة ومكياج السواريه، ومثلما حددت سعرها أخذت، ليصبح إلى الآن تكلفتي كعروسة نحو 2450 جنيهاً فقط لا غير.

إضافةً إلى حذائي الذي وجدته في منطقة العتبة الشهيرة بـ75 جنيهاً وأكسسواراتي التي لم تتخطَ 500 جنيه تقريباً ببوكيه الفرح، ومروحة يدي بـ20 جنيهًا من مترو الأنفاق، وقرط أُذني الذي أهدته لي مصففة شعري، تصبح تكلفتي كاملة كعروسة في ليلة زفافي في حدود 5000 جنيه مصري فقط لا غير، وهو مبلغ لم يطابق أسعار مكياج العروسة فقط اليوم، والمفارقة أنني ظهرت مثل كل العرائس، بفستان وطرحة ومكياج وشعر لافت، وأكسسوارات أنيقة.

قلق قادم وسابق

لم يرهقني التوتر أو البحث لشهور عن قطع تليق بي ولم يزرني التوتر كصديق لهذه الترتيبات، بل ترهقني باستمرار أشياء أخرى، مثل ضمان نظافة منزلي ليلة زفافي.

لم يتركني أبداً التوتر لأسباب عدة وكأنه كُتب علينا نحن النساء مهما حاولن كسر الأنماط، بالتأكيد سأجد نفسي أشارك في أحاسيس المخاوف والتوتر من أشياء أبعد مع عروسة تكلفت الآلاف ودفعتها حتى تتخلص من توترها، لتجد نفسها في دائرة لا نهائية من توتر وقلق قادم وسابق.

منتجات تزداد أسعارها فقط وفقاً للونها "الوردي"، فتدخل النساء في دائرة من السباق بأن يصبحن جميعاً صاحبات وجه "سيراميكي"، وجسد ممشوق، وملابس من ماركات معينة، وكل ذلك على حساب أجسادهنّ وأموالهنّ وأعصابهنّ

في الواقع، كل منا تحمل توتراً وقلقاً من نوع خاص لأنها اعتادت على الخضوع له، ومحاولات التخلص منه مثل تجربتي والتي هي محاولة ناجحة وسط كثير من محاولات أخرى غير ناجحة تحت سطوة التسليع والمتاجرة بمنتجات تهلك بشرتنا وشعورنا وأجسادنا لأنها تصر على تنميطنا وضغطنا للظهور بمظهر معيّن.

باختصار، إنها منتجات تزداد أسعارها فقط وفقاً للونها "الوردي"، فتدخل النساء في دائرة من السباق بأن يصبحن جميعاً صاحبات وجه "سيراميكي"، وجسد ممشوق، وملابس من ماركات معينة، وكل ذلك على حساب أجسادهنّ وأموالهنّ وأعصابهنّ، أما أنا فقد نجوت من هذا الفخ.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

وراء كل تحقيق، قصة بحث طويلة، وفريق يراهن على الدقة، لا السرعة.

نحن لا نبيع محتوى... نحن نحكي الواقع بمسؤولية.

ولأنّ الجودة والاستقلال مكلفان، فإنّ الشراكة تعني البقاء.

Website by WhiteBeard
Popup Image