ازدحام أعياد وجوقات وحفلات وأسواق ميلاد لا ينتهي. يكفي أن تلقي نظرةً على لبنان في هذا الشهر لتلاحظ اندفاعاً جماعيّاً لا يهدأ: البحث عن عشاء العيد، شراء الهدايا وتبادلها، ومحاولة إنهاء العام بنكهة سعيدة مهما كان طعم السنة مرّاً. يبدو المشهد، للوهلة الأولى، عاديّاً ومكرراً وربما أشبه بمقاومة ثقافية لأزمات لم تُحلّ بعد. أهو طقس شعبي متجذر أو لعبة من ألاعيب الظاهر والباطن؟
اشتروا عيوناً للعيد
أضيئت شوارع البلد، من أصغر شارعٍ في قرية نائية إلى قلب العاصمة الذي عاد مقصداً لأسواق العيد وزينته. غُمرت الطرقات بزينة لا تحتملها شوارع لبنان أصلاً، ولا بنيته، ولا واقعه. اشتروا عيوناً للعيد، واشتروا عيوناً بين كل مبنى ومبنى، وفوق كل شارع يمدّ فوقه شريط ضوء. ليست هذه الزينة جديدةً؛ هي ظاهرة مألوفة في نهاية كل عام. لكن الجديد هذا العام هو الإفراط. إفراط يحتل النظر قبل أن يفسّره العقل، حين يُخدش البصر بشدّة البريق. ومع ذلك، ماذا يملك النظر سوى أن يرى ما يُعرَض عليه؟ لم تأتِ الزينة لتجمّل فحسب، بل لتُخفي، وتلهي، وتفرض إيقاع انتظارٍ قسريّ: انتظار العام الجديد، انتظار التعافي، وانتظار راحة مؤجَّلة. لم تُعالَج الأزمة اللبنانية، لكن ما يُعرض علينا هو احتفال بتعافٍ شكلي، فرح ينتزع لحظته من تحت الركام. أُسكتت الأزمات لا لأنّها اختفت، بل لأنّ صوت الفرح أعلى.
يطوي لبنان عاماً إضافيّاً من الانكسارات والتغيّرات الإقليمية التي تجاوزته. ومع ذلك، لدى شريحة من الرأي العام حان وقت "التعافي". لكن أيّ تعافٍ هذا؟ تعافٍ على حساب ماذا؟ بل على حساب من؟
أهي دكتاتورية السعادة الإيجابية أو محاولة يائسة لإضاءة صمت ثقيل؟ هل هي انعكاس لواقع اللبناني أو علامة إضافية لتحويل كل شيء بِدءاً من مجال رؤيتنا إلى استهلاكٍ لا ينضب؟ أو جزءٌ من حملات ترويجٍ للمتمولين الراغبين في منصب في الانتخابات القادمة؟ على قول أحدهم، أهذا ما لدينا لنساهم به وسط عالمنا العربي؛ أكبر زينة وأبرق ضوء؟
أناروا العيد بالغضب
نُدعى إلى الفرح لأنّ المآسي أثقل من أن نحتملها. ولكي نستمرّ، نقبل جميعاً بفرحة العيد، برغم أنّ هذا الفرح نفسه يأتي محمّلاً بإفراط خانق: إفراط في الأكل، في الزينة، في النشاطات، وفي الاستهلاك. إفراطٌ يفرض على اللبنانيين ضغطاً يوميّاً لا يُحتمل، أبرز تجلياته زحمة السير الخانقة التي لم يعرف البلد مثلها. نرفض النقل العام باسم "الفعالية"، لا باسم الاحتكار، أو باسم تخلّي الدولة عن مسؤولياتها وانتزاعها للمجال العام. لكن هذه الزحمة ليست تفصيلاً؛ فهي تقتحم دواخلنا، يومياتنا، وأعصابنا. آخر شهر من السنة هو شهر كل الزحمات: إنهاء الأعمال، الامتحانات، مشاريع الجامعات، حفلات المدارس، المعاملات الماليّة، وسباق الهدايا. تتراكم الضغوط وتتحول الزحمة إلى تربة للغضب. غضب لا يجد منفساً له إلا إلى الأقران. صراخ في الشارع، ارتفاع لوتيرة الزمامير، والحوادث. إفراط يعزّز فردانيةً متوحّشةً تُعيد إنتاج نفسها. غضب يمتدّ إلى صاحب السيّارة التي تمرّ قريباً. هذا هو غضب الذكورة المبتورة، تلك التي لا تتحمّل تعقيدات تركيبتنا اللبنانية، فتختزلها في الآخر القريب.
هذا الإفراط وقود يسعّر المسافات بين اللبنانيين، خاصّةً أنّهم يُقصون التسميات الواضحة مثل: طبقة، فئة اجتماعية، وموقع اقتصادي. استطاع السوق في لبنان قولبة خياراتنا الشخصية للمفردات، وعبّر عن انقطاعنا عن بعضنا بعضاً. ازدادت القطيعة بازدياد الغضب، حتى وصلت الروابط المبتورة بيننا إلى حيّز التسميات، مثل استبدال تسمية الفئة الاجتماعية التي تعكس ترابطاً ما، إلى تسمية مثل الجمهور المستهدف التي تعكس نمطاً من التلقّي والاستهلاك، بدل الترابط والتضامن.
أداروا التعافي بالزينة
تغذّي الزينة الأسواق، كل أنواع السوق، من سوق الرؤية إلى سوق الألبسة وصولاً إلى الانتخابات وغيرها. يُستنزف عبرها الناس تحت عنوان العيد. تجلّى ذلك غضباً على طرقاتنا، وتخفيفاً لأيّ عمقٍ في بحث اللبناني عن الأمل، حين لا يبقى في الأفق سوى المغيب.
نُدعى إلى الفرح لأنّ المآسي أثقل من أن نحتملها. ولكي نستمرّ، نقبل جميعاً بفرحة العيد، برغم أنّ هذا الفرح نفسه يأتي محمّلاً بإفراط خانق في الأكل والزينة والنشاطات والاستهلاك، ويفرض على اللبنانيين ضغطاً يوميّاً لا يُحتمل
يطوي لبنان عاماً إضافيّاً من الانكسارات والتغيّرات الإقليمية التي تجاوزته. ومع ذلك، لدى شريحة من الرأي العام حان وقت "التعافي". لكن أيّ تعافٍ هذا؟ تعافٍ على حساب ماذا؟ بل على حساب من؟ حين تغيب التسميات الاجتماعية، يتكشّف الواقع أكثر قسوةً: غلاء معيشة يوحّد الألم، لكنه لا يصنع تضامناً. بلد ينهي عامه ويُكمل في الوقت نفسه تفكيك علاقاته الداخلية. الكرامة لمن يواكب التسارع المفرِط لغلاء المعيشة. أما البقيّة، فحصّتهم نهاية رومانسية هامشية تحت أضواء الأسواق الضخمة، فيما يُنهش ما تبقّى من حياتهم اليومية وهم يتفرّجون على الزينة. يكافح هؤلاء، بين الهرج والمجون، في سبيل قوت يومهم، وفرحة ليلتهم، وكأسٍ، ونَفَسٍ قصير.
احتمال لا يُصادَر
من اختلال مجال الرؤية إلى تسعير الغضب قصير المدى وصولاً إلى ازدياد تفكّك العلاقات الاجتماعية، يأتي العام الجديد. بالرغم من كلّ ما ذُكِر، يبقى البدء الجديد احتمالاً لا يمكن مصادرته. هو غير متوقّع، غير قابل للاستبدال، وغير خاضع لتحليل ثقافي حاسم. الاستسلام لاستمرار الشيء كما هو، خيانة للتاريخ، ويأس من الناس.
لعلّ السنة القادمة تخفّف من يأسنا من التعاطف، وتعيد تذكيرنا بأنّ الخير، برغم كلّ شيء، لم يندثر بعد بين أضواء الزينة.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



