خلال محاولة الوصول إلى الحسابات الرسمية لحركة الشباب الأصولية الصومالية لتحليل المحتوى والخطابات والمواد المنشورة، تفاجأت بتحذير أمني مفاده أن "الدخول إلى هذه الروابط، أو البحث المكثّف عنها، قد يضع جهازك أو بريدك الإلكتروني تحت مراقبة الخوارزميات الأمنية. كما أن كثيراً من هذه الروابط قد يحتوي على برمجيات خبيثة أو يستخدم لجمع بيانات المتصفحين". بدا لي الأمر وكأنه إعلان.
وجعلني هذا "التحذير" أستحضر الجملة الأشهر في عالم التسويق: "سنصلك أينما كنت"، حيث تكفي نيّة أي شخص البحث عنها لتصل هي إليه، بغض النظر عما هي أهدافه، فإن كانت الانضمام إليها، سوف تتتبّع اهتماماته ومهاراته حتى تستطيع جذبه وتجنيده، وإن كان يهتم بالرياضة وجسده قوي البنية، فهو مقاتل محتمل في صفوفها، ولو كان يعمل في التصميم والتسويق، فلن يحتاج إلى مغادرة منزله، ينوي التبرّع مثلاً؟ فلن يلزمه أكثر من كبسة زر. أما إذا كان يريد محاربتها، فكل بياناته ستكون غنيمة لها…
هكذا تطوّرت إستراتيجية حركة الشباب الصومالية من حركة محلية تنشر فكرها عبر طرق الأبواب، وعبر خطب مسجَّلة على أشرطة كاسيت وبث إذاعي محلي، وتجمع الزكاة والجباية نقداً، إلى عصر ما يمكن أن نطلق عليه "الخلافة الإلكترونية". وعلى الرغم من أن الحركة سلفية العقيدة إلا أنها أصبحت أكثر براغماتية في عصر الذكاء الاصطناعي. فهي لم تلبث أن تفتح أبواباً جديدة لـ"الجهاد"، مستغلّةً الطفرات الكبيرة للذكاء الصناعي في بناء منبر يخاطب حشوداً أكبر في بقع جغرافيّة أوسع، وإيجاد مصادر تمويل جديدة في فضاء بعيداً من كل تعقيدات الرقابة الدولية وقيودها.
"الخلافة الرقمية"... كيف حوّلت حركة الشباب الصومالية الذكاء الاصطناعي إلى سلاح آخر في ترسانتها؟ تقرير يرصد كيف بنت الحركة ترسانتها التقنية المرعبة ولماذا حذّر منها مجلس الأمن الدولي
وتشير تقديرات مبادرة "Tech Against Terrorism"، المدعومة من الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب عبر الإنترنت، إلى أن الحركة الأصولية الصومالية أصبحت أكبر منتج منفرد للمواد الإرهابية على الإنترنت إذ إنها مسؤولة عن ما يتراوح بين 20 إلى 25% من المحتوى الإرهابي الذي ترصده المبادرة.
وتعد "الشباب" من أوائل الجماعات الجهادية في استخدام الإنترنت، حيث أسّست موقعاً إلكترونياً في عام 2007 لاستخدامه في إنتاج المواد الإعلامية الخاصة بها ونشرها. كما أنها تُولي اهتماماً بالغاً لاستخدام مختلف المنصّات الإلكترونية للتواصل مع فئة الشباب وتجنيدهم خارج نطاقها المباشر. لذا، أنشأت أول حساب رسمي على تويتر(إكس حالياً) عام 2011، بعد أن أدركت أن الحرب لم تعد قاصرة على عملياتها البرية، فإلى جانب هجماتها الميدانية، تسعى الحركة إلى تعزيز وجودها على الإنترنت، من خلال عمليات متكاملة، وكانت حادثة "ويست غيت" عام 2013 - وهي أول هجوم تعلن حركة إرهابية مسؤوليتها عنه باستخدام منصّة تويتر، وتنشر التغطية لحظة بلحظة طوال فترة الهجوم - من العلامات الفارقة في وجود الحركة الصومالية على مواقع التواصل الاجتماعي.
استخدمت الحركة آنذاك تويتر (إكس حالياً) لاستهداف جمهور عالمي، وصياغة روايات على شكل تحديثات إخبارية ومعلومات، وإنشاء ونشر الدعاية، حيث كان اهتمام الحركة منصبّاً بالدرجة الأولى على السيطرة على رواية الهجوم والحفاظ على جمهورها.
بداية عصر الاستخبارات الرقمية
تزامن تضييق الخناق من إدارة "تويتر" بعد حادثة "ويست غيت"، مع فرض قيود على السفر في المنطقة خلال عام 2014، والمخاوف من تأثير ذلك على حركة مقاتلي الحركة وتدفّقهم، وهو ما أدّى إلى تغيير إستراتيجية حركة الشباب منذ ذلك العام حيث اعتمدت على "الاستخبارات الرقمية" بدلاً من "الدعاية العامة".
وفي هذا السياق، بدأت الحركة التجنيد الموجّه بالبيانات إذ لم تعد تبحث عن الأشخاص، بل تجعل الخوارزميات التي ترصد اهتماماتهم - سواء كانت دينية أو قومية أو عرقية - تقودهم إليها، ليجدوا أنفسهم محاطين بحسابات ذات تأثير تتداول تحديثات فورية وأخبار وبيانات جميعها متّصلة بالحركة. وذلك قبل أن تضعهم تحت المراقبة للتأكد من ولائهم لها.
وتمر عملية الاستقطاب الرقمية هذه بثلاث مراحل: أولاها مرحلة تتبّع وتحليل النشاط الرقمي للأعضاء المحتملين، بخاصة من خارج الصومال لتوسيع دائرة الاستهداف، واصطياد الكفاءات بدلاً من المقاتلين التقليديين. ويبرز في هذه المرحلة دور جهاز أمنيات، الذراع الاستخباراتي للحركة، الذي يعمل على إجراء عمليات استخبارات مفتوحة المصدر لمراقبة منصّات التواصل الاجتماعي وغيرها من المصادر العامة.
طوّر هذا الجهاز قسماً تقنياً وظيفته تتبّع الحسابات. وتستخدم فيه الحركة أدوات بعضها يعتمد على الذكاء الاصطناعي المتاح تجارياً لمسح مواقع التواصل الاجتماعي وتحديد هوية الأشخاص وتخصيص إستراتيجية لكل فئة من الموالين والمعادين.
أما المرحلة الثانية، في عملية الاستقطاب، فهي مرحلة "تفخيخُ العقولِ" وهي الإستراتيجية الخاصة بالفئة التي تمر من المرحلة الأولى وتكون مرشّحة بقوة لـ"التجنيد". ويعتمد "تفخيخ العقول" على غرس الأفكار الخاصة بها في عقول الشباب ليتبنّوا معتقدات معينةً بطريقة إيحائية غير مباشرة ليصبحوا "جيشاً آلياً". ويتعرّض المجنَّد المحتمل إلى محتوى مكثَّف من حسابات "المؤثرين الرئيسيين" وغالباً ما يكونون المصدر الأول للمعلومات عن عمليات الحركة، وحسابات "التضخيم" التي تُعيد نشر محتوى المؤثرين وترويجه، بهدف توسيع دائرة الوصول وبناء شبكات أوسع تشمل المتعاطفين.
وتعتمد "الشباب" في هذا المحتوى على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي التوليدية. وكما بالنسبة إلى غالبية التنظيمات المتطرّفة حالياً، تستخدم الحركة الصومالية تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي في إنشاء صور ومقاطع فيديو تبدو واقعية، وترجمة أفكار هذه المنظمات إلى محتوى متعدّد اللغات سهل الفهم، وتساعد خوارزميات مواقع التواصل الاجتماعي في توجيه وتخصيص الدعاية فهي قادرة على إنتاج مواد دعائية متطوّرة ومتسقة مع السياق المحلي والدولي، بلغة المستهدفين وثقافتهم.
أما المرحلة الثالثة، فتتمثّل في "المتابعة والمراقبة" لضمان ولاء المجندين الجدّد للحركة. وفي النطاق المحلي، تتضمن هذه المرحلة مراقبة الهواتف المحمولة في المناطق الواقعة تحت سيطرة "الشباب"، وهنا تستخدم برمجيات بسيطة لكن فعالة لتتبّع الحسابات التي تدخل إلى مواقع تعتبرها الحركة "معادية" أو تتواصل مع أرقام تابعة للحكومة الصومالية الفيدرالية. أما على الصعيد الدولي، فتستخدم الحركة المصادر المفتوحة على غرار مواقع التواصل الاجتماعي.
الالتفاف على "الحظر الرقمي"
ويلفت باحثون وخبراء إلى اعتماد حركة الشباب على استخدام منصّات مثل واتساب وتلغرام بكثافة، حيث يصعب الإشراف على المحتوى بسبب التشفير. وتجدر الإشارة إلى أن الحكومة الصومالية حظرت في عام 2023 تطبيقي تلغرام و"تيك توك" بداعي استخدامهما في التجنيد وتيسير تنفيذ بعض العمليات الإرهابية، وحصلت على أمر قضائي بإغلاق ومصادرة نطاقات مواقع إلكترونية وحسابات في مواقع التواصل الاجتماعي يُشتبه في ملكيتها أو إدارتها أو ارتباطها بحركة الشباب.
بالذكاء الاصطناعي و"تفخيخ العقول" دشّنت حركة الشباب الصومالية "خلافتها الرقمية" حيث تصطاد الخوارزميات نيابةً عنها المجنَّدين، فيما العملات المشفَّرة تعزّز تمويلها، والمسيّرات تجنّد للمراقبة. هكذا تحوّلت الحركة الأصولية من "طرق الأبواب" إلى تهديد سيبراني متعاظم
كما أعلنت الحكومة الصومالية إغلاق 20 مجموعة على تطبيق واتساب و16 موقعاً إلكترونياً يُزعم ارتباطها بالحركة، ناهيك بتشكيل فرق متخصّصة في وكالة المخابرات والأمن الوطني الصومالية لمراقبة المحتوى المتطرّف وإبلاغ شركات التكنولوجيا لإزالة محتوى الحركة. لكن هذه الإجراءات كانت محدودة التأثير، فلم يُضعف الحظر الشبكات الإلكترونية للحركة بقدر ما عزّز خطابها حول رقابة الحكومة، حيث كثّفت الحركة خطابها آنذاك ضد الحكومة الصومالية.
وفي الوقت عينه، التفّت الحركة على هذا التضييق بإستراتيجيات عدة، منها الولوج إلى التطبيقات المحظورة من خلال الشبكات الخاصة الافتراضية (VPN)، واستخدام برنامجاً آلياً (bot) لإرسال روابط القنوات البديلة للمستخدمين في حال إقفال القنوات الأساسية، والتوسع في استخدام المنصّات الهامشية واللامركزية، وعلى رأسها "OK.ru".
ومن التكتيكات الأخرى التي تعتمد عليها الحركة للالتفاف على التضييق الحكومي إنشاء حسابات جديدة عديدة في فيسبوك بصور وأسماء شخصيات مشهورة لتجنب الكشف عنها وحظرها، واستخدام محتوى وسائط متعدّدة طويل (فيديو وصوت) باللغة الصومالية حيث غالباً ما تواجه أدوات مراقبة المحتوى صعوبة في التعامل مع المحتوى الطويل وخصوصاً بلغات غير رائجة مثل الصومالية نظراً لمحدودية بيانات التدريب عليها.
استفادت الحركة من المحتوى المضاد لها أيضاً، بل وتفاعلت معه، حيث تروّج خوارزميات فيسبوك وغيرها للمحتوى العالي التفاعل بغض النظر عن طبيعته، ما يساهم في رفع المحتوى إلى أعلى صفحات الأخبار وانتشاره على نطاق أوسع. وفي الوقت ذاته، تهاجم حسابات التضخيم المنشورات المعادية بخطاب مؤيد مدعوم أحياناً بـ"أدلة" مصوَّرة من إنتاجها.
الذكاء الاصطناعي يعزّز "ترسانة الشباب"
لم يقتصر استخدام الحركة لتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي على جهازها الإعلامي فقط، فكان لذراعيها العسكري والاستخباراتي نصيب كبير من هذا التطوّر حيث استخدمت "الشباب" حتى الآن الطائرات المسيَّرة، بفضل انخفاض تكلفتها وسهولة الحصول عليها، في أغراض المراقبة والتجسّس حيث تُمكّنها من الحصول على معلومات وإحداثيات دقيقة.
ونجحت السلطات الصومالية بالفعل في رصد واعتراض طائرتين مسيّرتين تابعتين للحركة خلال قيامها بعمليات استطلاع في وسط البلاد في عام 2025. لكن ثمَّة أدلة تشير إلى أن حركة الشباب قد تسعى إلى استخدام الطائرات المسيّرة بشكل أكثر فتكاً حيث يُنذر تعاونها مع جماعة الحوثي اليمنية عن نية للاستفادة من قدرات الجماعة في هذا المجال حيث تميل لاستخدام المسيّرات في هجماتها على السفن التجارية وتستورد المكونات الداخلية ذات الاستخدام المزدوج وتصنع هياكل الطائرات محلياً.
وفي الوقت نفسه، تستخدم الجماعة طائرات مسيّرة تجارية جاهزة، مما يعني أن حركة الشباب وجماعة الحوثي قد تستفيدان من التعاون في ما بينهما. فتفتح سواحل الصومال لضمان حصول الجماعة على الإمدادات من المعدات اللازمة لتطوير برنامجها للطائرات المسيّرة والصواريخ وتستفيد "الشباب" من التدريب والطائرات المسيّرة الأكثر تطوّراً.
مسارات رقمية بديلة للتمويل
أما على الجانب الاقتصادي، فيمكن القول إن الحركة الأصولية سخّرت التكنولوجيا لزيادة مصادر تمويلها وإخفاء المسار الأصلي للأموال للتهرّب من الرقابة الدولية، فتستغل الحركة المعلومات الديموغرافية للمستخدمين في منصّاتها الإلكترونية لتحديد الأفراد المهتمين بالقضية ثم يتم التواصل معهم لطلب التبرع مباشرة. وعلى الرغم من أن الحركة كانت تعتمد على المبالغ النقدية والحوالات إلا أنها توسّعت في استخدام العملات المشفَّرة لتلقّي التبرعات الدولية وتأمين عمليات التجارة. أما على الصعيد المحلي، فاستخدمت المحافظ الإلكترونية لتوفير سيولة محلية سريعة للرواتب من تحصيل الإتاوات التي تفرضها على الشركات، و"الزكاة" من السكان الخاضعين لسيطرتها.
وتستخدم "الشباب" أيضاً تقنيات خلط العملات من طريق برمجيات تخلط العملات الرقمية بمعاملات أخرى لإخفاء المسار الأصلي للأموال وزيادة صعوبة تتبّعها من أجهزة المراقبة الدولية. وتستخدم الحركة هذه التقنيات في غسل الأموال المكتسبة من تجارة الموارد الطبيعية غير المشروعة، إذ تشير تقارير إلى أن حركة الشباب تحقّق ما يناهز الـ 15 مليون دولار سنوياً من تجارة الفحم غير المشروعة.
فيما تشير تقديرات إلى أنها تُنتج 25% من الإرهاب المرصود عبر الإنترنت، يثير التعاون الذي كُشف عنه حديثاً بين حركة الشباب الصومالية وجماعة الحوثي اليمنية مخاوف عميقة من توظيف الذكاء الاصطناعي في تطوير أسلحة وليس فقط في أغراض الاستخبارات والتجسّس والتجنيد. كيف؟
المخاطر المحتملة
وبالنظر إلى ما قطعته "الشباب" على طريق تطويع أدوات التكنولوجيا والذكاء الصناعي في خدمة أيديولوجيتها، أعرب مجلس الأمن في عام 2023 عن قلقه إزاء استغلال حركة الشباب لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات لأغراض إرهابية. كما حضّ الدول الأعضاء على العمل بقوة مع حكومة الصومال الفيدرالية لمنع حركة الشباب من استخدام منصّات التواصل الاجتماعي لأغراض إجرامية، ولمواجهة ترويج السرديات الإرهابية.
وهناك مخاوف مستقبلية من خطورة تطوّر الحركة وتوسّعها جغرافياً أكثر حيث لم يعد الانضمام إليها يقتصر على حدود الصومال. وبعد وجود "الشباب" على الإنترنت، أصبح نحو 43 من أعضاء مجلسها التنفيذي، البالغ عددهم 85 عضواً، من الأجانب. الاحتمالية الأكبر هي أن يكون هذا التوسّع ضمن فئة المراهقين والشباب باعتبار الحركة من أوائل الجماعات الأصولية في إفريقيا التي استخدمت الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي لنشر الدعاية وتجنيد المقاتلين، ويعد جمهور تلك المنصّات والألعاب من هذه الفئة.
وفيما تعد الحركة مثالاً حيّاً على الجماعات التي قد تحاول استغلال الألعاب الرقمية للتجنيد أو نشر أفكار متطرفة، واستغلال تلك المساحات الرقمية المفتوحة لتوفير بيئات شبيهة بالشبكات الاجتماعية، يمكن استغلالها للتواصل مع الجمهور ونشر الرسائل الدعائية، تتزايد مخاوف أخرى تتعلّق بتطوير الأسلحة، فتعديل الطائرات المسيَّرة للهجوم وإضافة حمولات متفجّرة، ثم الوصول إلى إنتاج أسلحة كيميائية أو بيولوجية باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، جميعها قد تكون نقطة تحوّل في مسارات الصراع وتوازنات القوى في العالم.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
