قرى لبنانية تتنفس سموماً… كيف تحوّلت بعض مناطق

قرى لبنانية تتنفس سموماً… كيف تحوّلت بعض مناطق "سويسرا الشرق" إلى مكبّات مفتوحة؟

بيئة ومناخ نحن والبيئة

الثلاثاء 13 يناير 202610 دقائق للقراءة

تعاني بعض القرى اللبنانية من رائحة نفايات وأمراض ناجمة عنها حتى أصبحت هذه المناطق تشتهر بذلك وتُلصق بأسمائها. هذه القرى لم تنتج كل هذه النفايات، لكنها تُحمَّل ثمنها يومياً، بينما تُدار الأزمة من بعيد، بعيداً من أجسادهم وحياتهم اليومية المتضررة.

قصص الأهالي تتقاطع مع شهادات من طبيبة تتابع أثر التلوث على الرئة، ومحامي يوضح حقوق وواجبات السكان إزاء بيئتهم، ورئيس بلدية سابق يروي غياب الحلول الفعلية وإصرار الناس على عدم إعادة المطامر إلى قراهم.

في خلدة (جنوبي بيروت)، تعيش مريم (اسم مستعار بناءً على طلب المصدر) مع أطفالها تحت ظل مطمر الكوستا برافا، الهواء المثقل بالدخان، والروائح الكريهة والحشرات صارت جزءاً من يومها. أمها تعاني من الربو، وأباها مريض سرطان. حاول الأسرة التواصل مع البلدية ومؤسسات الدولة على الأقل لتأمين العلاج، لكن من دون نتيجة، لتبقى مريم وعائلتها مجبرين على العيش وسط الأزمة بلا حماية ولا حلول واضحة. مطمر الكوستا برافا أصبح واقعاً مفروضاً، وحياة مريم وسكان خلدة اليومية صارت مواجهة مستمرة مع التلوث والسموم، تعكس هشاشة القرارات على المستوى الوطني.

"عنف صحي صامت" يفتك بسكان المناطق المحيطة بمكبات النفايات المفتوحة في لبنان، ارتفاع مخيف في الإصابة بالأمراض التنفسية، والأطفال هم الأكثر تضرراً… غياب كامل للحلول الجذرية الرسمية فيما السموم تتراكم في الأجساد والهواء

أما ريما التي تعيش في بلدة الجديدة (شمال لبنان)، فقرّرت أن تغرد خارج سرب الواقع المفروض، فتركت ثمرة تعبها - بيتها الملك - في البلدة، لتعيش تحت رحمة الإيجارات في عاليه. "كان لازم أختار: جيبتي أو صحتي. دخيلك كلو رايح محكوم علينا بهالبلد نضل ندفع"، تقول لرصيف22.

تؤثر المكبات والمطامر ليس فقط على المناطق التي توجد بها، بل تمتد أضرارها لتشمل بقعاً جغرافية أوسع بكثير، فتؤثر سلباً في الصحة، وعلى الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي على سكان تلك المناطق، وعلى البيئة المحيطة بها، بفعل العصارة الكيميائية لهذه المطامر التي تتسرّب إلى مياه البحر وتسبب كوارث صحية وبيئية.

في دراسة أعدتها الجامعة اللبنانية - الأمريكية عام 2018 حول المخاطر الصحية لعصارة النفايات البلدية (نفايات المطامر) المسرّبة إلى البحر دون معالجة، أُشير إلى العثور على بقايا العديد من المركبات العضوية الضارة تقريباً في جميع العينات المأخوذة من البحر المتوسط قرب منطقة الناعمة في جبل لبنان، بما قد يشكّل خطراً صحياً محتملاً على الإنسان والكائنات المائية.

افتتح مطمر الناعمة عام 1998، كحل مؤقت لمشكلة النفايات، ولكن لسخرية القدر هذا الحل المؤقت استمر في العمل 18 عاماً وأُقفل بضغط من الأهالي بعدها. تواصل رصيف22 مع رئيس بلدية الناعمة السابق، المحامي شربل مطر، الذي يقول إن "المنطقة اليوم بلا بلدية وبلا حلول واضحة لمشكلة النفايات. بعد إقفال المطمر، لم يظهر أي بديل فعلي... حاولنا الاعتماد على الفرز المنزلي، لكن هذه الطريقة تتطلب وقتاً طويلاً ولم تنجح حتى الآن".

بحسب مطر، الخيار الوحيد المطروح حالياً هو مطمر الكوستا برافا، ما يزيد من قلق السكان، خصوصاً أن آثار المطمر القديم لا تزال قائمة. مشيراً إلى أن الأثر السلبي للمطمر القديم مستمر حتى اليوم، مع انتشار أمراض خطيرة، بينها حالات سرطان يقول إنها "هائلة ومخيفة".

ويؤكد مطر موقفه الرافض لأي خطة لإعادة فتح المطمر، محذراً "هالموضوع مرفوض نهائياً، وما فينا نرجع نحمّل الناس نفس العبء من جديد"، معتبراً أن الحل الأفضل اليوم يكمن في العودة الجدية إلى الفرز من المصدر، رغم الصعوبات والتعب الكبير الذي يتطلّبه هذا المسار.

"الرئة أول من يدفع الثمن"

من جهتها، تشرح اختصاصية الأمراض الصدرية والعناية الفائقة، الدكتورة ليال عليوان، أن العيش قرب مكبات النفايات يعني العيش في مواجهة مفتوحة مع الدخان السام، مشدّدةً على أن الأمر لا يتعلق بـ"تعرّض عابر بل عن استنشاق يومي مستمر، لكميات كبيرة من الملوّثات الناتجة من حرق النفايات، وهو ما ينعكس مباشرة على صحة السكان".

وتحذّر عليوان من أن الرئة هي أول من يدفع الثمن إذ إنه "مع كل نفس، تدخل المواد السامة إلى الجهاز التنفسي وتستقر فيه، لتتحوّل مع الوقت إلى أضرار تراكمية قد تصل إلى تلف رئوي دائم". وهي تنبّه في الوقت عينه إلى أن الدخان الناتج من الحرق أخطر بكثير من الغازات التي تنبعث من النفايات نفسها، لأنه يحمل مركّبات سامة تهاجم الرئتين بشكل مباشر، وتفتح الباب أمام أمراض مزمنة لا علاجاً جذرياً لها.

المكبات العشوائية جريمة وفق القانون اللبناني الذي يمنعها بشكل لا لبس فيه. خبراء يؤكدون لرصيف22 أن الأزمة ليست تقنية بل نتيجة غياب الإرادة السياسية، ويقترحون أن الحل الجذري يكمن في الانتقال للاقتصاد الدائري والفرز من المصدر لا الطمر

أما عن الفئات الأكثر تضرراً، فتشير الطبيبة اللبنانية إلى أن الأطفال، ولا سيما المراحل العمرية الصغيرة منهم هم الأكثر عرضة للخطر لأن "رئاتهم لم تكتمل بعد، وأي تعرّض مستمر للدخان يؤذيهم بشكل أسرع وأعمق، وما يحدث اليوم قد يرافقهم صحياً لسنوات طويلة، وربما مدى الحياة".

وتلاحظ عليوان، خلال عملها في عيادتها الخاصة، ارتفاعاً ملحوظاً في عدد الحالات القادمة من المناطق المحيطة بالمكبات، من ربو وحساسية صدرية وتليّف رئوي، وهي أمراض لا يمكن فصلها عن الجغرافيا التي يعيش فيها المرضى، ولا عن سياسات إدارة النفايات التي لا تكترث أحياناً لصحة وأجساد المواطنين.

وتختم عليوان بالقول إن حرق النفايات لا ينبغي أن يعامل كحل مؤقت أو "تفصيل تقني"، بل كـ"ممارسة تحمل عنفاً صحياً صامتاً، يدفع ثمنه سكان المناطق المهمّشة"، حيث يتحوّل الهواء إلى خطر يومي، والتنفّس إلى فعل غير آمن.

علام ينصّ القانون؟

أما عن السياق القانوني، فتقول الخبيرة القانونية المتخصّصة في المجال البيئي، الدكتورة جوزيان يزبك، لرصيف22، إن المكبات العشوائية مخالفة بشكل واضح للقانون اللبناني، فبحسب قانون المحافظة على النظافة العامة، وفق مرسوم رقم 8735 لسنة 1974، تنص المادة الأولى والثانية منه بشكل صريح على منع الرمي العشوائي للنفايات ووجود المكبات المفتوحة. كما تشير إلى قانون الإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة (القانون رقم 80 لسنة 2018) الذي يمنع بموجب المادة السابعة منه منعاً باتاً الرمي العشوائي للنفايات.

فضلاً عما سبق، توضح يزبك أنه بحسب القوانين اللبنانية، كل المشاريع التي تتعلّق بمعالجة النفايات من رميها، مروراً بإدارتها، وطريقة التخلّص منها، يجب أن تخضع إلى دراسة تقييم الأثر البيئي قبل الإقدام على تنفيذ أي منها، وذلك بحسب المرسوم رقم 8633 المكمّل لقانون رقم 444 لسنة 2002، والمتعلّق بأصول تقييم الأثر البيئي للمشاريع، ما يعني أن وجود هذه المكبات هو مخالف بشكل صارخ للقانون اللبناني ومراسيمه.

وبشأن دور البلديات واتحاد البلديات، تقول يزبك إن هناك قوانين تنص على وجوب إدارة متكاملة لموضوع النفايات من قبلها. وتشرح أنه بحسب المادة التاسعة من قانون الإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة يجب أن تكون هناك لا مركزية في إدارة النفايات، معقّبةً "هنا يبرز دور البلديات وأهمية التزامها بالتعاطي مع ملف النفايات، بما يتلاءم مع خصوصية كل منطقة وقدراتها". وتلفت في الوقت نفسه إلى مرسوم تطبيقي رقم 5605 على 2019 للقانون عينه، والخاص بـ"فرز النفايات المنزلية الصلبة من المصدر"، والذي يتناول مسؤولية البلديات عن التزام مبدأ الفرز من المصدر وذلك عملاً بالمواد 7 و8 و9 من هذا المرسوم. كما أن قانون البلديات (وفق مرسوم 118 لسنة 1977 وتعديلاته) يعطي صلاحية للمجلس البلدي بإدارة النفايات بحسب المادة رقم 49 من هذا القانون.

وفي ما يتعلّق بنقاط الضعف في التشريعات الحالية في ما يخصّ حماية القرى التي توجد فيها المطامر، تقول القانونية اللبنانية إن "ما ينقص هو التطبيق لا بل الإرادة في التطبيق، بالإضافة إلى الرقابة على سير التطبيق وذلك من الدولة على البلديات في موضوع اختيار مكان جمع النفايات ومن البلديات على المواطنين في ما يتعلّق بمسألة الرمي العشوائي للنفايات".

وتختم يزبك بالإشارة إلى أنه يحق للمواطنين المتضررين من المطامر تقديم شكاوى سواء إدارية على السلطة في حال كانت هذه المكبات العشوائية تؤثّر في صحتهم أو مصالحهم، وذلك بالاستناد إلى قانون حماية البيئة رقم 444 لسنة 2002.

المكبات وغياب العدالة البيئية

تشير بعض الأبحاث المتعلّقة بالعدالة البيئية إلى أن مكبات النفايات وغيرها من المرافق الملوِّثة للبيئة تقع بشكل غير متناسب في المجتمعات ذات الدخل المنخفض، والتي غالباً ما تفتقر إلى القوة السياسية والموارد اللازمة لمقاومة قرارات تحديد مواقع هذه المكبات المفتوحة أو الضغط لتغييرها.

من جهة أخرى، كشف مسح برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية الذي أجري في عام 2021 في عدة مدن إفريقية الفجوة كبيرة في الوصول إلى خدمات جمع القمامة بين الأحياء الفقيرة وغير الفقيرة في بلدان نامية، مما يعني انتشار المكبات العشوائية.

من تلوّث البحر بالعصارة السامة إلى تهجير السكان من منازلهم، تواجه القرى اللبنانية إرثاً ساماً متعدد البعد في غضون سنوات قليلة. استمرار سياسة "المكبات والحرق" يعني تدميراً ممنهجاً للموارد الطبيعية والصحة العامة. فهل تتحرك الحكومة لحماية البيئة والمواطنين؟

من جهتها، تقول الاختصاصية في الإدارة البيئية في الجامعة الأمريكية في بيروت، الدكتورة سمر خليل، لرصيف22، إنه "بعد عقدٍ من الزمن، إذا استمرت الإدارة بالشكل السائد (مكبات، وحرق، وطمر غير مطابق للمواصفات البيئية والصحية)، غالباً ما قد تواجه هذه القرى اللبنانية إرثاً ساماً متعدّد البعد، على أربعة مستويات تحديداً، وهي: تدهور الموارد الطبيعية وتلوّث مزمن خصوصاً مع تسرّب عصارة النفايات وما تحمله من ملوِّثات عضوية ومعادن ثقيلة إلى التربة والمياه الجوفية والسطحية، ومخاطر صحية متفاقمة (بخاصة مع الحرق وخلط النفايات)، وخسائر اقتصادية واجتماعية بسبب الهجرة الداخلية، إضافة إلى توسّع اقتصاد غير رسمي مرتبط بالنفايات، وتآكل الثقة بالمؤسسات بسبب تكرار الوعود دون معالجة جذرية. وأخيراً، تلوّث البحار والأنهر القريبة من المطامر بشكل كلي".

ورداً على السؤال عن الحل البديل للمطامر، تؤكد الخبيرة البيئية اللبنانية أن "البديل الواقعي ليس تقنية واحدة تحل مكان المطمر، بل تحوّل بنيوي من الاقتصاد الخطي (نأخذ، نستهلك، نرمي) إلى اقتصاد دائري يبدأ بالفرز من المصدر وينتهي بفصل النفايات التي تحتوي على مواد كيميائية خطرة عن النفايات البلدية". كما تشدّد الخبيرة على أن المطمر يجب أن يكون الخيار الأخير وليس الأول وأن يستخدم حصراً للنفايات المتبقية غير القابلة للتفادي أو إعادة الاستخدام/ التدوير.

*أُنتج هذا التقرير بالتعاون مع فريدريش إيبرت - مكتب لبنان FES.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

ما أحوجنا اليوم إلى الثقافة البيئية

نفخر بكوننا من المؤسّسات العربية القليلة الرائدة في ﻣﻴﺪﺍﻥ ﺇﺫﻛﺎﺀ ﺍﻟﻮﻋﻲ البيئيّ. وبالرغم من البلادة التي قد تُشعرنا فيها القضايا المناخيّة، لكنّنا في رصيف22 مصرّون على التحدث عنها. فنحن ببساطةٍ نطمح إلى غدٍ أفضل. فلا مستقبل لنا ولمنطقتنا العربية إذا اجتاحها كابوس الأرض اليباب، وصارت جدباء لا ماء فيها ولا خضرة.

Website by WhiteBeard
Popup Image