بعد انضمام دمشق إلى

بعد انضمام دمشق إلى "التحالف الدولي" ضد "داعش"... هل تنقلب معادلتها مع "قسد"؟

سياسة نحن والحرية

السبت 29 نوفمبر 20259 دقائق للقراءة

لم يكن إعلان التحالف الدولي عن انضمام سوريا إلى "التحالف ضد داعش"، خبراً عادياً، بل جاء في لحظة سياسية مشحونة، تتداخل فيها خريطة النفوذ، وارتباك التحالفات، وتقلبات العلاقة بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية "قسد".

وبرغم أنّ الخطوة لم تترافق -حتّى الآن- على الأقل، مع إشارات عملية واضحة، أو توضيح لخريطة انتشار القوات السورية، خصوصاً إذا ما كانت ضمن مناطق سيطرة "قسد" أو لا، فإنّ الانضمام أثار أسئلةً جوهريةً: هل نحن أمام بداية تحوّل سياسي حقيقي؟ أم إنّ دمشق تحاول فقط إعادة تموضع رمزي في لحظة إقليمية مضطربة؟

مدخل الحدث… إعلان صغير بأسئلة كبيرة

ليس من السهل التعامل مع الإعلان السوري بوصفه "تصريحاً سياسياً بلا وزن"؛ فالأثر الرمزي للخطوة لا يقل أهميةً عن مضمونها. والتحالف ضد داعش لم يكن يوماً ساحة تفوّق ونفوذ ووزن للنظام السوري السابق. طوال السنوات الماضية، ظلّ الخطاب الرسمي السوري يصوّر التحالف باعتباره "قوةً محتلة". في الوقت الذي كان الحضور الأمريكي فيه هو الضامن الأعمق لسيطرة "قسد" واستقرار مناطق الإدارة الذاتية.

العلاقة بين قسد ودمشق ليست تحالفاً ولا قطيعة، بل معادلة براغماتية تتحرك وفق لحظات الخطر، وتحتمل أحياناً وجوة تعاونٌ أمني وخدمي محدود، مقابل بقاء الإدارة الذاتية مستقلة نسبياً، فيما تستخدم دمشق هذه التفاهمات لتعويض ضعفها الاقتصادي والسياسي

لهذا فإنّ حديث العاصمة السورية عن أنها جزء من التحالف الدولي، يفتح السؤال على أوسع أبوابه حول: هل تغير شيء في حسابات السلطة الجديدة؟ أو أنّ الظروف دفعت إلى انتهاز لحظة رمزية قد تُستثمر لاحقاً في مفاوضات أكبر؟

ولعل ذلك ما يفسره ما نشرته وكالة الأنباء السورية الرسمية "سانا"، حول تأكيد مديرية الإعلام في رئاسة الجمهورية السورية عدم صحة المعلومات التي وردت في بعض التقارير الصحافية عن وجود تعاون بين رئيس الجمهورية أحمد الشرع والتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيمي "داعش" و"القاعدة" منذ عام 2016، وأوضحت أنّ ما سبق لا يعدو عن كونه ادعاءات لا تمتّ إلى الحقيقة بصلة.

وأشارت المديرية إلى أنّ الرئيس الشرع لم ينسّق أو يتعاون مع أي جهة أجنبية في هذا الإطار، ولم تصدر عنه توجيهات تتعلق بذلك، مؤكدةً أن جميع القرارات والإجراءات المتخذة آنذاك جاءت بقرار داخلي مستقل دون أي تنسيق أو طلب من أي طرف خارجي.

ومنذ عام 2011، تبادل الجانبان -الإدارة الذاتية والنظام السوري- أدواراً معقّدةً؛ تعاون محدود في بعض المناطق مع بقاء إدارة محلية مستقلة نسبياً، ومنذ نشوء قسد عام 2014 لم تكن العلاقة بينها وبين دمشق ذات خط مستقيم بل علاقة مفتوحة ومحكومة بلحظاتها، أكثر من كونها مبنيةً على رؤية سياسية أو عقد اجتماعي مشترك تُداخله احتكاكات عسكرية وسياسية، خصوصاً الموارد والحواجز، تفاهمات ظرفية في لحظات الخطر. مع ذلك لم تنجح أيّ جولة تفاوض في إنتاج "تسوية"، بين مشروعين مختلفين جذرياً.

فدمشق كانت تريد استعادة السيطرة المركزية، و"قسد" كانت تسعى إلى حماية نموذج حكمها المحلي القائم على اللامركزية.

هل يغيّر التحالف الدولي مسار اللعبة؟

بالنسبة إلى النظام السابق، فإنّ وجود قوات التحالف كان دائماً أحد أسباب التوتر، حيث مثّل وجوده مظلةً لمشروع الإدارة الذاتية، ومانعاً أمام تمدد الدولة المركزية. وبالنسبة إلى "قسد"، كان التحالف شبكة الأمان الوحيدة، ليس فقط في الحرب ضد "داعش"، بل في تثبيت بنية الحكم والخدمات.

جوهر الخلاف سياسي لا أمني: دمشق تريد استعادة الدولة المركزية، فيما تسعى قسد لتثبيت نموذج الحكم المحلي. ما يحوّل كل جولات التفاوض إلى تفاهمات ظرفية غير مستقرة.

لهذا، فإن انضمام سوريا إلى التحالف -ولو نظرياً- يخلط قسماً كبيراً من الأوراق، ويدفع نحو السؤال التالي: هل يمثل ذلك اعترافاً غير مباشر بشرعية الدور الأمريكي في سوريا؟ أو هي محاولة من السلطة الحالية في دمشق للقول إنها ليست خارج اللعبة، وإنها قادرة على اقتراح شراكة جديدة؟

غالباً، تربك هذه الخطوة الكثير من الحسابات الإقليمية والدولية، ولا يمكن فصلها عن التغيرات الأوسع في الإقليم: فتور العلاقات التركية-الأمريكية، وإعادة توزيع مناطق النفوذ، ضغوط اقتصادية خانقة على دمشق، ورغبة الأخيرة في تقليل مساحات الصدام مع القوى الكبرى.

في حديثه إلى رصيف22، يُقلّل الباحث في مركز فرات للدراسات، وليد جولي، من أهمية ضمّ سوريا إلى التحالف الدولي والذي يرى أنها "تشكلت بقرار دولي، وضمت 89 دولة، كأعضاء في التحالف ضد داعش، لكن هل كل الدول كانت فاعلةً في محاربة تنظيم الدولة؟ أعتقد لا"، مضيفاً: "لكل دولة إمكانيات وقدرات، تخدم التحالف في مقارعة داعش، لكن ما حال دمشق لو ضمت".

ويرى جولي أنّ الوضع العام في دمشق "لن يكون كما يراه أنصار الحكومة أنها ستحارب "داعش" إعلامياً واقتصادياً وعسكرياً… إلخ. أعتقد أن مهام دمشق والمطلوب منها هو التزامها بمنح الشرعية للتحالف الدولي وخصوصاً أمريكا للتحرك بشكل شرعي في سوريا".

ووفقاً للباحث، يترتب على دمشق التزامات قانونية مثل "محاكمة عناصر داعش المسجونين لدى قسد. فالمجتمع الدولي يسعى إلى حل المشكلة، ومخيمات عوائل داعش تحتاج إلى حل قانوني، وكلها مرتبطة بدمشق، التي عليها الالتزام بميثاق التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة، وإرضاء أعضاء التحالف كافة، لإتمام عملهم، بما فيها محاربة دمشق لاحتواء خلايا داعش ومساعدة التحالف لمحاربتها، لكن لن يكون على مستوى عسكري، بل يُمكن أمنياً أكثر منه عسكرياً".

الناس قبل السياسة... ماذا سيتغيّر في حياة السكان؟

تتجاوز القضية مجرد العلاقة بين قوتين، ليصل أثرها إلى حياة ملايين يعيشون في شمال شرق سوريا. فثمّة ثلاثة ملفات بارزة يمكن أن تتأثر بشكل مباشر وهي:

الصحة والخدمات

قد يفتح أي تخفيف للتوتر بين "قسد" والإدارة السورية الجديدة، أبواباً لتفاهمات لوجستية مثل: تسهيل نقل المواد والأدوية، تشغيل مشترك لبعض المنشآت، فتح المعابر الداخلية التي تتحكم بها دمشق. وهي تفاصيل صغيرة، لكنها تغيّر حياة الناس أكثر من أيّ بيان سياسي.

التعليم والمناهج

من غير المتوقع أن يشمل التقارب بين الطرفين، توحيداً سريعاً للمناهج، أو إعادة مشتركة لهيكلة وزارة التربية. لكن يمكن الحديث عن مساحة جديدة للتنسيق الإداري، خصوصاً في كليات السنة الأولى لجامعة الفرات فرع الحسكة التي أغلقتها الإدارة الذاتية، إضافة إلى قرار وزارة التعليم العالي السورية بإيقاف كافة كليات الجامعة المذكورة، وإعادة السماح بافتتاح المدارس الحكومية.

وجود التحالف بقيادة واشنطن كان مظلة حماية لقسد ووضع حدّاً لتمدد دمشق، لكن إعلان سوريا الانضمام للتحالف – ولو رمزياً – يعيد خلط الأوراق، ويفتح سؤالاً حساساً حول اعتراف غير مباشر بالدور الأمريكي، وتأثير ذلك على علاقة الطرفين

الاقتصاد والموارد

وهو الملف الأكثر حساسية، لأنه يختصر الصراع كله حيث النفط والحبوب والمياه. وحصول أي تنسيق بين "قامشلو ودمشق" ولو جزئياً، غالباً ما سيخفّف من الضغط الاقتصادي على الطرفين، ويعيد توزيع الأرباح والضرائب، ويمنح دمشق متنفساً تحتاجه بشدة، وتحتاجه الإدارة الذاتية أيضاً. وهذا التنسيق، سيثير مخاوف السكان من عودة المركزية، وتحول التفاهمات إلى تفكيك تدريجي للسلطة المحلية.

وفي هذا السياق، قال الصحافي سلام حسن لرصيف22: "أعتقد أن ملف الزمن كان الأكثر استخداماً من الأطراف كافة، قبل سقوط النظام وبعده، واللعب على وتر الزمن للوصول إلى نتائج تفاوضية تخدم مصالحها".

وحالياً، ومع اقتراب انتهاء المهلة المحددة لاتفاقية 10 آذار/ مارس يرى سلام "أن عامل الوقت سيعود مجدداً، كنوع من التحريك والتجديد للطرفين، وسيجدان صيغة تأجيل انتهاء المدة المحددة للاتفاقية في نهاية العام، فلهذا لا رغبة لدى "قسد" ببقاء الحكم المركزي ضمن السياقات الإقليمية والدولية، لكنها تراهن على حصان أكبر، أصبحت تراهن على كل سوريا وليس شرق الفرات فقط، وهي نقلة نوعية لمخططات الإدارة الذاتية، لإدراكها صعوبة السيطرة على ثلاث محافظات بعيدة من دمشق، وهي غير مهتمة بالجانب الخدمي من صحة وتعليم والاقتصاد بالدرجة الأولى، بل استمرارية مشروعها ولو تغير الشكل".

السيناريوهات المستقبلية

تعاون محدود بلا أثر سياسي كبير

وهو يعني بقاء التنسيق في الخدمات والمعابر والأمن الداخلي، بشكل بسيط، مع بقاء الوضع السياسي كما هو. وغالباً أن هذا السيناريو مرجح لأنه لا يكلّف الطرفين تنازلات كبيرة، ويترتب عليه، بقاء المواجهات الإعلامية مستعرة وفي أوجها.

تفاهمات موسعة على الملفات الكبرى

وهو سيناريو يتطلب عزماً وضغطاً أمريكياً واسعاً، وقبولاً من دمشق بنظام حكم لا مركزي واسع، واستعداداً كردياً للتنازل عن بعض جوانب الإدارة، والاتفاق على نظام ضريبي وواردات المعابر، وغيرها من الاقتصادات الناشئة.

استمرار الخلافات والاحتماء بالتحالف الدولي

ما يعني استمرار الحملات الإعلامية حول عقد لقاءات وقرب الاتفاق. لكن في المحصلة لا حلول ولا تغيير من واقع الصراع. وفي هذه الحالة، ستستمر قسد في الاعتماد على التحالف لحماية نموذجها، بينما تستثمر دمشق الضغط الاقتصادي والسياسي لمحاولة استعادة نفوذها.

والواضح أن التحوّلات في سوريا لا تقاس بحجم البيانات، بل بقدرتها على إعادة توزيع السلطة والنفوذ. فإعلان دمشق بأنها جزء من التحالف ضد داعش، ربما يبقى عنواناً بلا مضمون، وقد يكون إشارة صغيرة لبداية مسار أكبر. فالطرفان -قسد ودمشق- يعيشان ضائقة سياسية واقتصادية وأمنية تجعل كل خطوة قابلة للاستثمار. فهل تتوافر الإرادة السياسية الحقيقية للطرفين لصياغة علاقة جديدة؟ أم إننا أمام مناورة سياسية جديدة تُبقي الجميع في المنطقة الرمادية نفسها؟
حتى اللحظة الراهنة، فإن الإجابة تميل إلى الاحتمال الثاني، وفي نفس السياق، فإن الكثير من التحولات الكبيرة تبدأ بخطوات صغيرة لا ينتبه إليها أحد في بداياتها.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

سوريا ليست خبراً عابراً.

مسؤوليتنا أن نحكي عنها باستمرار.

بدعمكم، رصيف22 يبقى حاضراً.

Website by WhiteBeard
Popup Image