شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ادعم/ ي الصحافة الحرّة!
ماذا أيقظ كتاب

ماذا أيقظ كتاب "يوميات غوانتانامو" في داخلي؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مدونة نحن والحقوق الأساسية

الاثنين 10 فبراير 202504:37 م

الكتابةُ عن مأساةٍ حقيقيّةٍ، قديمةٌ حديثةٌ وتَتَجدَّدُ كلَّ أوان، ألمٌ جحيميٌّ مَعيشٌ بكلِّ تفصيلٍ مِن تفاصيلِ حياتِنا!

ألُفُّ أسمالي حولِ ذاتي العاريةِ، وأذهبُ أتسوَّل لغةً مُنصفةً لهذه التراجيديا مِن أسواقِ الأبجديّةِ ومَخازن اللّغةِ. إذ أنّ ما أنا بصدَدِ الكتابةِ عنه، يتوجَّبُ لضرورةٍ حتميّةٍ أن يكونَ كاتبُ الكلمات "إنسانًا" حقيقيًّا قبل أن يكونَ كاتبًا وشاعرًا، وأنا، لستُ بكاتبٍ ولا شاعرٍ، وأفقرُ الخلقِ لنقاء السّريرةِ؛ حتى أكتبَ عن هذه المأساةِ: الشرِّ!

لكن، يدفعني ألمٌ داخليٌّ تحوَّلَ إلى عُضويٍّ إزاءَ التفكير الدؤوبِ به، ومِن مُنطلقِ إيمانٍ يقينيٍّ بأنّ السلاحَ الأزليَّ، القلبُ البشريّ؛ حجرُ قابيل، سأكتبُ.

يوميات غوانتانامو... يومياتي

كتابٌ أقرؤه هذه الأيام أعادني إلى ما كنتُ أنقِّبُ عنه، الشرُّ الكامنُ في الكائنِ البشري. كتابُ "يوميات غوانتانامو" الذي يجعلُ الضميرَ البشريَّ في الميزان. هذا الكتابُ، أعادني إلى كواليسِ حياتِنا المَطليّة بألوانِ قوس قزح، النظرُ بعينٍ مِجهريّة تحتَ اللِّحاء الإنسانيّ.

أقرأ على دفعاتٍ مُتقطعة، وهذا حتى أتركَ لعقلي وقلبي حَيِّزَ الهضمِ والتأملِ بالفحوى، بعدها، أحشدُ ذواتي، أحوِّلها إلى عيونٍ ميكروسوبيّة، وأجعلها تهدمُ كلَّ الحُجبِ الحائلةِ دونَ الرؤيةِ الحاذقةِ للسلوكِ البشري.

أرى، تنزُّ عيونُ ذواتي قيحًا، كلُّ ما بداخلي يتحولُ إلى مراسمَ جنائزيّةٍ، مقابرَ جماعيّةٍ، وأسأل بصوتٍ إنسانيٍّ أخيرٍ: لماذا؟!

كتابٌ أقرؤه هذه الأيام أعادني إلى ما كنتُ أنقِّبُ عنه، الشرُّ الكامنُ في الكائنِ البشري. كتابُ "يوميات غوانتانامو" الذي يجعلُ الضميرَ البشريَّ في الميزان. هذا الكتابُ، أعادني إلى كواليسِ حياتِنا المَطليّة بألوانِ قوس قزح

هذا الكتاب جعل الذاكرةَ تجتَرُّ القراءاتِ السابقةَ، التي سَعَتْ ودأبتْ بإنسانيّةٍ خالصةٍ، أن تكتبَ وتصرخَ من خلال حروفِها عن حجمِ وكَمِّ الخطر.

أتساءلُ: أين ذهبتْ قراءاتُها؟ كيف هُضِمتْ وتُرجِمتْ؟ أين ذهبتْ؟

وما زال الشرُّ بمرأى العينِ بديمومتِه!

أقرأ بضعُ صفحات وأغلق الكتاب، وتَتَفجر داخلَ رأسي وقلبي ألوفٌ مؤلَّفةٌ من الأسئلة!

من أين يأتي البشر بكل هذا الشر؟

ترمي لي ذاكرتي المُشوَّهةُ الكتبَ التي قرأتُها بذاتِ السياقِ، والتي تنتظرُ مني الغورَ في دفّاتها، وتبقى أمُّ الأسئلة تَزوم داخلي وتحرثُ كلَّ ما يمرُّ به، السؤالُ الجوهري: أين التغييرُ؟ التغييرُ على مُختلِفِ الأصعِدة!

من أين كلُّ هذا الشرِّ الطافحِ داخلَ الكائنِ البشريِّ؟!

ماذا يُرجى منه غيرُ خرابٍ يُضاف إلى يبابِ واقعِنا!

عالمُنا اليومَ يُهرولُ نحو الهاويةِ مُخدَّراً بالوَهم، بالفرحِ الزائفِ!

ثمةَ سلوكياتٌ صغيرةٌ نراها كلَّ يومٍ وكلَّ لحظة، ونعيشُها في حياتنا اليوميّةِ، تتمثَّل بالأنانيّةِ المُفرِطة، الغيرةِ، الحسدِ، البُغضِ، الاستعلاءِ، الازدراءِ ...إلخ!

هذه كلُّها تدفعُ كائنَ الحضارة المترهِّلة إلى الشرِّ الخالصِ.  

هذه السلوكياتُ موجودةٌ في مساربِ حياتِنا المَعيشةِ، في العملِ، المؤسساتِ الأكاديميّةِ، الوسطِ الثقافيِّ، حتى في البيتِ، وهذا ما يغيّبُ حضورَ القلبِ، ويُقصي العقلَ، يدفعُه دفعًا لتسليمِ روحِه للشيطان!

الكتابةُ بهذا الصددِ، برأيي الفقير؛ تحتاجُ إلى لغةٍ بِكرٍ.

أنعزل... أنعزل

عن نفسي، حينما أشعرُ أنّي قاربتُ على التلوُّثِ أو تلوَّثتُ بالفعلِ، أفرُّ نكوصاً لداخلي، بعيداً، لمسافةٍ آمنةٍ عن الانغماسِ في روتين الحياة. أراجعُ سلوكي، أعلنُ النفيرَ داخلَ ذواتي، وأنعزلُ لأبدأَ مرحلةَ العلاج وترميمَ ما تهدَّمَ.

أحاول أن أتقرَّب من الذين آذوني حقًا، أطوي مسافةً خلقها فعلُهم اللّا إنسانيَّ، أطمئنهم بخطوتي التي تخبرهم أنّ القلبَ سليمٌ والوُدَّ لهم مُقيمٌ، وبخطوتي هاتِهِ أتركُ لهم فضاءَ خاصًّا للتفكر بما أقدَمتُ وأقدموا هم عليه!

ثمةَ سلوكياتٌ صغيرةٌ نراها كلَّ يومٍ وكلَّ لحظة، ونعيشُها في حياتنا اليوميّةِ، تتمثَّل بالأنانيّةِ المُفرِطة، الغيرةِ، الحسدِ، البُغضِ، الاستعلاءِ، الازدراءِ ...إلخ! هذه كلُّها تدفعُ كائنَ الحضارة المترهِّلة إلى الشرِّ الخالصِ.  وهي موجودةٌ في مساربِ حياتِنا المَعيشةِ، في العملِ، المؤسساتِ الأكاديميّةِ، الوسطِ الثقافيِّ، حتى في البيتِ

أزيدُ أوقاتَ المَشي مُشرِعًا أبوابَ القلب والعقل على الوجود، أقرأ القرآنَ، وأستمع له بأصواتِ قرّاءٍ مُحدَّدين، أقرأ العهدَ القديمَ، وأُكثرَ من المزامير، أكثِّفُ قراءاتي لكتب الحكمةِ، أقرأ للمتصوفةِ الصادقين، أقرأ للكتّاب المنافحين الصادقين الذين يبذرون الحُبَّ بكلِّ المَواسمِ. أتأمل الأشجارَ والأزهارَ وهِباتِ أُمِّنا الطبيعةِ بعينٍ جديدةٍ، وأحادثها بلسانُ الصّمت، أتقرب أكثر من الذين لم يُكتب لهم نصيبٌ من الجمالِ وأخلُق لأجلهم عاطفةً جديدةً، أنغمِسُ مع الأطفال أكثرَ، وأترجم سلوكيّاتِهم النقيّةَ، أتعلَّم من دهشتِهم، كما أتعلَّمُ من حكمةِ الأجدادِ وأتزوَّدُ.

يحدث، أيضًا، أن أرميَ بسؤالٍ صغير لمَن هم في دائرة مَعارِفي ومِمَّن أتوسَّم بهم خيرًا، سؤالٍ يعيدُهم لذاتهم مِن خلال التفكُّر به إذا ما شارفوا على المشاركةِ في الشرِّ أيّاً كان صغرُه، وفي هذا تحايُلٌ مني، لكنْ لصالح وجودِنا أجمَعَ!

أقرَأ، أتأمَّلُ، أسألُ، أُشرِّحُ وأَشْرَحُ، هكذا أضمنُ وُجودي ورسالتَهُ.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

بالوصول إلى الذين لا يتفقون/ ن معنا، تكمن قوّتنا الفعليّة

مبدأ التحرر من الأفكار التقليدية، يرتكز على إشراك الجميع في عملية صنع التغيير. وما من طريقةٍ أفضل لنشر هذه القيم غير أن نُظهر للناس كيف بإمكان الاحترام والتسامح والحرية والانفتاح، تحسين حياتهم/ نّ.

من هنا ينبثق رصيف22، من منبع المهمّات الصعبة وعدم المساومة على قيمنا.

Website by WhiteBeard
Popup Image