شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ساهم/ ي في صياغة المستقبل!
فلسطينيون يعيشون في الكهوف...

فلسطينيون يعيشون في الكهوف... "حتى لا تكون لنا بيوت تُهدم"

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!
Read in English:

Palestinians living in caves: "So we won’t have homes for them to demolish"

في كهف مساحته 40 متراً مربعاً في خربة مغاير العبيد بمنطقة مسافر يطا جنوب محافظة الخليل، تعيش الثمانينية نزهة جبريل النجار هي وأولادها وزوجاتهم وأطفالهم وبناتها الأربع عشرة.

في هذا الكهف، أنجبت نزهة جميع أولادها، بين زواياه التي وضعت فيها مطبخها ومكان نومها وحمامها. بالإضافة إلى فرن مصنوع من الطين المجبول بالقش، تخرج منه أرغفة الطابون يومياً.

ولعلّ الأمر الوحيد الذي قد يدفع بالمرء إلى العيش في شروط معيشية بدائية هو الاحتلال.

فمنطقة مسافر يطّا، التي تضم 12 قرية يسكنها 2800 فلسطيني، تعيش أعمال هدم بيوت وتهجير يومية، سيما بعد أن تلقى جيش الاحتلال الضوء الأخضر، بهدم القرى، من المحكمة الإسرائيلية في أيار/ مايو 2022.

"نعيش في الكهوف لأن أي شيء نبنيه سيهدمه اليهود"، تقول نزهة النجار لرصيف22.

وتضيف أن الاحتلال كان قد هدم في السابق غرفاً للمعيشة بناها أولادها. "حتى زريبة الأغنام لم تسلم من الهدم"، تقول.

"عمر هذه الكهوف 3 آلاف سنة. يمتد تاريخها حتى الفترة الكنعانية والرومانية، فالبيزنطية والعثمانية، إلى وقتنا الحاضر"، يؤكد الناشط أسامة مخامرة من واد الجوايا في مسافر يطّا.

ويبدو أن هذا التاريخ البدائي والغائر في القدم صار ملاذ الفلسطينيين الوحيد أمام سياسات التهجير والتطهير العرقي. لكن بالرغم من حياتهم في هذه الكهوف، لا تتوقف السلطات الإسرائيلية عن ملاحقتهم. 

طفل في أحد كهوف مسافر يطّا

التهجير يلاحقهم حتى إلى الكهوف

"صحيح أن فلسطين غنية بالكهوف، إلا أن ما يميز منطقة جنوب الخليل هو أن كهوفها مسكونة"، يقول لرصيف22 نضال يونس، رئيس مجلس مسافر يطا.

ويوضح أن عدد الكهوف المستخدمة للسكن تقدر بـ120 كهفاً. تسكنها عائلات كبيرة مكونة من أب وأم وسبعة أو ثمانية أطفال".

ويبدو أن هذه العائلات وجدت طريقة لحماية نفسها من عمليات الهدم التي ترتكبها قوات الاحتلال بحقها، وعلى نحو شبه يومي.

يقول لرصيف22 عيسى أبو عرام (50 عاماً) من خربة جِنبة، الذي يعيش مع أسرته التي تتكون من 12 فرداً في أحد كهوف الخربة، إن سلطات الاحتلال هدمت كل شيء بناه خارج مغارته. "ولذلك، نحن مضطرون للعيش والنوم في الكهف. إن لم نفعل ذلك، فسوف ننام في العراء. وعلى الرغم من تزايد وتيرة الاعتداء علينا، فلا بديل لدينا إلا الصبر"، يضيف. 

أطفال في أحد الكهوف في مسافر يطّا

لا يقتصر أمر الاعتداءات على عمليات الهدم، فقد تطال الكهوف عمليات مداهمة وتخريب واعتقال.

يعيش شحادة سلامة مخامرة (60 عاماً)، في كهف مع 20 فرداً من أسرته ويعتاش على الزراعة وتربية الماشية. يقول: "هذا العام اقتحم الجنود كهفنا أكثر من أربع مرات. كان آخرها ليلة عيد الأضحى. استيقظنا على أصواتهم بعد الثانية فجراً. وقاموا بالتفتيش والتكسير والتخريب. لقد أرهبوا النساء وأبكوا الأطفال".

كذلك، قامت قوات الاحتلال باعتقال ستة من عائلة محمود أبو عرام (54 عاماً) من خربة المجاز، أثناء قيامهم برعي الأغنام. "يمنعوننا من الاقتراب من جدار الفصل العنصري القريب من خربتنا، ويمنعوننا من الاقتراب من آبار المياه"، يقول محمود. 

كهف عائلة عيسى في مسافر يطّا

لا فكاك من المستوطنين

يصف مخامرة كيف أن الخربة مطوقة بالمستوطنات من كل الجهات. إذ ينتشر المستوطنون، رعاة الأغنام، على رؤوس الجبال، التي لا تبعد عن خرب الفلسطينيين أكثر من 200 متر هوائي.

هناك يقيم المستوطنون خيامهم وبؤرهم الاستيطانية، حتى قبل أن يتم الإعلان عن السماح ببنائها من قبل الحكومة الإسرائيلية.

"يتعمد المستوطنون مهاجمتنا ومهاجمة رعاتنا وسرقة الماشية أو قتلها"، يقول مخامرة.

ويردف: "لقد قتلوا أكثر من 100 رأس غنم خلال عقدين. كما باتت الأمراض تفتك بماشيتنا، بعد أن لاحظنا أن المستوطنين جلبوا إلى المنطقة أغناماً مريضة".

يرى مخامرة أن استهداف الفلسطينيين في مسافر يطّا واستهداف أرزاقهم من قبل المستوطنين يكبدهم ما بين 7 و10 آلاف دولار سنوياً". 

إحدى العائلات تفترش أرض أحد الكهوف في مسافر يطّا

لا يختلف حال محمود أبو عرام، الذي يسكن كهفاً مع 10 من أفراد أسرته. وكان سكن جده هذا الكهف منذ أربعينيات القرن الماضي.

"داهمت قوات الاحتلال والمستوطنين الخربة قبل رمضان. وبعد أن أجروا التفتيش وغادروا، عاد المستوطنون لسرقة ما في الخربة. ولم تسلم منهم حتى الملابس"، يقول أبو عرام.

ويتابع: "لقد كسروا باب المسجد واقتحموه. وثقبوا براميل المياه فيه قبل أن يستخدموا السماعة للاستهزاء بالنبي محمد. ثم ضربونا وبقيت طريح الفراش لأسبوعين".

تهجير بالقانون

ازدادت وتيرة تضييق الخناق على المواطنين، عبر منعهم من البناء وهدم منشآتهم، بعد القرار الإسرائيلي الذي صدر عام 2022 وقضى بإعلان المنطقة منطقة إطلاق نار 918)، حسبما يقول الناشط أسامة مخامرة.

وهو إعلان مهد لطرد نحو ألف من سكان مسافر يطا. فيما يُسمح للمستوطنين ببناء بؤر استيطانية في المنطقة دون وازع.

"ورغم أن ثقافة العيش في الكهوف موجودة في حياة الناس قديماً، إلا أن سياية منع بناء البيوت الجديدة، لا سيما بعد قرار المحكمة في أيار 2022، أجبر الناس على أن يعيشوا في الكهوف"، يؤكد نضال يونس رئيس مجلس مسافر يطّا.

نحن مضطرون للعيش والنوم في الكهف. إن لم نفعل ذلك، فسوف ننام في العراء

اقتحام كهف عائلة شحادة في مسافر يطّا

ويتابع: "لكن استهداف المنطقة من قبل الاحتلال لم يبدأ عند قرار المحكمة، بل منذ احتلال الضفة الغربية عام 1967. بدأ التخطيط الإسرائيلي فيها من خلال ما يسمى خطة آلون الهادفة إلى تهجير الفلسطنيين من هذه المنطقة".

ويشير إلى أن هجوم الاحتلال الأول في قرى مسافر يطا بدأ عام 1966، ضمن معركة السموع. فهُدمت بيوت المنطقة، واستمرت عمليات الهدم حتى عام 1985 حين أجهزوا على كل البيوت في مسافر يطّا".

ويقدر يونس أن أكثر من 500 منشأة بسيطة (مثل بيوت مساحتها 40 متراً مربعاً، او بركس غنم أو خلايا شمسية أو مدرسة أو عيادة) تم اخطارها خلال السنوات الماضية.

وقد هدم منها حوالي 120 منشأة حتى الآن. فيما ظلت غيرها معرضة لهدم في أي لحظة. من جانبها، رفضت المحاكم الإسرائيلية أي التماس أو أوامر احترازية لمنع الهدم، بحسب يونس. 

أحد سكّان كهوف مسافر يطّا

تأقلم في القرن الواحد والعشرين

اضطرار المواطنين للعيش في الكهوف نتيجة سياسات التهجير، دفع بهم إلى تأهيل 90 كهفاً لإيواء 90 أسرة، أضيفت إلى نحو 40 كهفاً تم تأهيلها في وقت سابق.

رُصفت الأرضيات والجدران بالإسمنت. وأضيفت القواطع الداخلية للحفاظ على خصوصية العائلة. كما أغلقت الثقوب التي قد تتساقط منها الحجارة أو تدخلها الزواحف.

ووضع ما يشبه القبة البسيطة فوق الفتحات في أسقف بعض الكهوف، كي لا تتسرب منها المياه وكي تضمن التهوئة وخروج الدخان.

هكذا جعل الفلسطينيون كهوفهم مناسبة لحياتهم الحديثة بعض الشيء. لكن تظل الحصول على الكهرباء والماء ليست بهذه السهولة.

فالحاجة نزهة تبدأ يومها بالإفطار وشرب الشاي، ومن ثم تعدّ خبز الطابون على الحطب، وتحضر الطعام عليه.

في هذا الوقت، تطعم بناتها الأغنام، ويرعاها الأولاد لاحقاً.

أما عائلة عيسى أبو عرام فباتت تستخدم الغاز لطهو الطعام. "نحصل على الكهرباء عبر ألواح الطاقة الشمسية. أما المياه الصالحة للشرب، فكنا نجلبها من الآبار ونخزنها في أوان كبيرة لوقت الحاجة. بينما اليوم، تصلنا عبر قناة من قرية التوانة المجاورة".

لكن محمود أبو عرام يؤكد أن الكهرباء التي يتم توليدها عبر الألواح ضعيفة ولا تفي بالاحتياجات.

كذلك، تعاني عائلة شحادة مخامرة من خربة مغارة العبيد" من انقطاع الكهرباء، علماً أن العائلة تدفع مقابلها مبلغاً من المال بشكل شهري.

"ازدادت حالتنا صعوبة بعد أن استولت قوات الاحتلال على مركباتنا القانونية. نحن مضطرون لدفع قرابة 200 شيقل (ما يعادل 50 دولاراً)، كل بضعة أيام، من أجل جلب أعلاف الغنم وطعام العائلة".

كهف عائلة عيسى في مسافر يطّا

من يدعم سكان الكهوف؟

"تعتمد معظم العائلات على السولار أو الخلايا الشمسية من مؤسسات المجتمع المدني، من أجل تشغيل مولدات الكهرباء. غير أن الكثير منها صادرها الاحتلال"، يؤكد يونس. مضيفاً: "أما المياه فإن اعتداءات قوات الاحتلال والمستوطنين على العديد من الآبار المخصصة لجمع المياه، زاد في صعوبة الوصول إليها".

وعلى الرغم من ذلك، يشير يونس إلى أن السكان تمكنوا من الوصول إليها وتخزينها واستخدامها في فترات الانقطاع.

"لا يملك الناس ما يواجهون فيه واقعهم المر، سوى الصبر والجلد"، يقول يونس.

وأمام هذا الواقع، تبادر بعض الجهات، كالمانحين الأوروبيين أو السلطة أو هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، إلى إقامة بعض المشاريع الخدماتية، منها تأهيل بعض الطرق أو توفير معدات للبنى التحتية.

"إلا أن كل تلك المشاريع خجولة جداً، إذا ما قارناها بما تحتاجه المنطقة كي تمارس حياة طبيعية"، يعلق يونس.

يوافقه على الأمر محمود أبو عرام، حين يقول: نحن لا نطلب المستحيل. ادعمونا فقط. ادعمونا بعلف الأغنام بالحد الأدنى".

ويختم بمرارة: "نموت ولا نترك أرضنا. من هالمراح ما في رواح". 

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

ألم يحن الوقت لتأديب الخدائع الكبرى؟

لا مكان للكلل أو الملل في رصيف22، إذ لا نتوانى البتّة في إسقاط القناع عن الأقاويل التّي يروّج لها أهل السّلطة وأنصارهم. معاً، يمكننا دحض الأكاذيب من دون خشية وخلق مجتمعٍ يتطلّع إلى الشفافيّة والوضوح كركيزةٍ لمبادئه وأفكاره. 

Website by WhiteBeard