شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

لنبدأ من هنا!
إيزيس والعذراء مريم والسيدة زينب… كيف أصبحن رموزاً راسخة في الروح المصرية؟

إيزيس والعذراء مريم والسيدة زينب… كيف أصبحن رموزاً راسخة في الروح المصرية؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

ثقافة نحن والحقيقة

الأحد 7 يوليو 202412:26 م

 يُعدّ المجتمع المصري اليوم مجتمعاً أبوياً، يقدّس مفهوم "الأب" ويتمسك بتحيّز جندري للذكور، ولكن التعمق في ثقافة الشعب المصري، تظهره أمومياً في المقام الأول.

تتجلى الأمومة في تقديس المصريين منذ زمن الحضارة المصرية القديمة حتى الآن، لصورة المرأة الأم، التي نجدها في عبادة إيزيس، وفي تقديس العذراء، ثم في تقديس السيدة زينب حفيدة النبي محمد.

المرأة الأمّ... صورة قبلتها الثقافة المصرية

قصص أولئك النسوة الثلاث لم تكرّس لفكرة الأم بشكل عام، بل أثّرت على صورة معيّنة في الثقافة المصرية، امتازت بالتضحية، والتفاني من أجل الزوج والأبناء.

وبشيوع قصصهن، تماهت صورة المرأة مع فكرة الأمومة ومتطلباتها، وتلاشت خلفها فكرة الأنوثة واحتياجاتها واستقلاليتها وخصوصيتها مع كل امرأة.

تتجلى الأمومة في تقديس المصريين منذ زمن الحضارة المصرية القديمة حتى الآن، لصورة المرأة الأم، التي نجدها في عبادة إيزيس، وفي تقديس العذراء، ثم في تقديس السيدة زينب حفيدة النبي محمد

ما الذي جعل هؤلاء النسوة الثلاث على وجه التحديد الأشهر والأقوى تأثيراً في روح المصريين؟ وكيف شكّلن صورة الأم في الوجدان المصري؟

قبل الإجابة، لا بد من التعريف بهنّ، وارتباطهنّ الوثيق بفكرة التضحية، وكيف أنّ الصبغة الأسطورية لشخصية مريم وشخصية زينب وضعتاهما في صف الميثولوجيا، ومن هنا يمكن شمل شخصية إيزيس معهما.

إيزيس... قاست الأمرّين لتصبح أمّاً

إيزيس هي ربة القمر في الحضارة المصرية القديمة وسيدة السحر، وهي من أعضاء تاسوع "عين شمس".

يرمز إليها بامرأة على حاجب جبين قرص القمر، هي ابنة "جب" رب الأرض، و"نوت" ربة السماء. شاركت أخاها وزوجها أوزوريس في حكم مصر، وعبدها المصريون.

ترتبط إيزيس بالأمومة، فيشير مانفرد لوركر، في كتابه "معجم المعبودات والرموز في مصر القديمة"، إلى أن إيزيس تُعدّ حاميةً للأطفال، وأن معنى اسمها هو العرش، لذلك كانت الأم الرمزية للملك، وهو -في الفكر المصري القديم- التجسيد للإله حورس.


غير أن العنصر الذي ألقى الضوء على إيزيس، هو أسطورة صراع "حورس" و"ست"، التي بدأت بقتل "ست" لـ"أوزوريس" وتقطيع جثته، وتوزيع أجزائها على مناطق مصر (حتى وصل بعضها إلى ساحل المتوسط الشرقي).

تبدأ من هنا أسطورة المرأة القوية التي تجوب العالم بحثاً عن أشلاء زوجها المتناثرة، وتجمعها وتعيد تركيبها، وعندما تصطدم باستحالة العثور على عضوه الذكري، لأن سمك البحر قد التهمه بحسب الأسطورة، تصمّم له عضواً جديداً وتحطّ عليه بهيئة طير في معاشرة كان ابنها بذرتها.

تستمر الأسطورة بدور إيزيس في رعاية ابنها الذي أصبح بعونها مشاركاً أساسياً في حكم مصر.

ما الذي جعل هؤلاء النسوة الثلاث على وجه التحديد الأشهر والأقوى تأثيراً في روح المصريين؟ وكيف شكّلن صورة الأم في الوجدان المصري؟
مع أنّ القصة تُذكر كمثال على دور إيزيس كزوجة متفانية، إلا أنها في الحقيقة عن قوتها وقرارها استعادة السلطة من "ست"، وهو ما تحققه بالفعل عن طريق ابنها.

لم تصل قصة إيزيس كامرأة قوية صاحبة قرار، بل تمّ التركيز في قصتها على نقطتين اثنتين: الأولى هي ما فُسّر على أنه تفانٍ لزوجها المقتول، والثانية هي تفانيها وتضحيتها في سبيل ابنها، وهذه الصورة ثنائية المغزى هي ما تمسكت به الثقافة المصرية.

فأصبح لصورة إيزيس صدى واسع في الثقافة المصرية، حتى أن المرأة التي تفقد زوجها بالوفاة أو الطلاق مثلاً، يصبح تفكيرها في الارتباط بعده في حال وجود أطفال، مستهجناً.

وقد تشكّل هذا في وجدان المجتمع المصري عبر آلاف السنين، من تداول قصة إيزيس وأوزوريس. ففكرة المرأة المستقلة القوية، وحاجاتها وخصوصيتها توارت خلف الأمومة المتفانية.

مريم العذراء... أمّ الله

ما أن ينطق المصري بلفظ "العدرا"، حتى تكون المقصودة مريم العذراء، التي يقدسها المسلمون والمسيحيون الأرثوذكس والكاثوليك في جميع أنحاء العالم، إلا أنً لها في مصر شأناً آخر.

فقد كانت مصر ملجأُها وابنها يسوع ومعهما يوسف النجار، حسب الموروث المسيحي، في رحلة استمرت عامين بين قرى وربوع مصر تنقلوا خلالها بين أماكن كثيرة بهدف الاختباء من الإمبراطور الروماني الراغب في قتل يسوع.


بالرغم من بعض الاختلافات، فإن قصة العذراء مريم في الإسلام والمسيحية تتفق على أنها وُهِبَت للهيكل، إلى أن حملت دون أن يمسسها بشر بـ"كلمة الله"، وهو المصطلح الوارد في العهد الجديد، وتقابله "الروح" المرسلة من الله، كما ورد في سورة مريم: "فأرسلنا إِليها رُوحنا فتمثَّل لها بشراً سَوِيّاً".

في مصر، إذا قال أحدهم إنه ذاهب إلى السيدة، فالجميع يعرف أنه ذاهب إلى السيدة زينب دون سواها من السيدات.
هنالك تشابه كبير بين قصتي العذراء وإيزيسس حتى التطابق في بعض المواضع، وهو موضوع أثار اهتمام الباحثين، ويفتح باب دراسة الثقافة الشعبية التي غالباً ما تتماهى فيها الشخصيات التاريخية مع الأسطورية.

فإيزيس حملت بالطفل حورس بعد وفاة أوزوريس، والأمر نفسه في قصة العذراء، التي حملت بالطفل يسوع من دون زواج بل بكلمة من الله.

وكلتاهما قامتا برعاية الطفل وإخفائه عن عيون الأعداء، وقاستا من المتاعب والأهوال من أجل إبعاد الطفل عن عمه في أسطورة أيزيس، أو عن جنود الإمبراطورية الرومانية في قصة السيد المسيح.

يقول ريتشارد هـ. ويلكنسون، في كتابه "قراءة الفن المصري: دليل هيروغليفي للتصوير والنحت المصري القديم"، إن مصطلح "أمّ الإله" الذي يشير إلى العذراء مريم في الديانة المسيحية، كانت تتلقب به سابقاً إيزيس.

هذا التقارب بين القصتين يدخل منه المتشككون في الأديان فيدحضون فكرة وجود المسيح أو العذراء ويعدّونها مجرد أسطورة.

إلا أن للموضوع بُعداً آخر حسب ما يقول الدكتور أيمن عبد التواب، فحينما تمّ التبشير بالمسيحية في مصر، جرت محاولات للتقريب بين الشخصيات المسيحية وبين الشخصيات الأسطورية الفرعونية، بغية تشجيعهم على الدخول في الدين الجديد، لكي يشعر الناس أن هناك تقارباً بين الديانة الجديدة وما هم عليه، وهكذا يصبح من السهل عليهم اعتناق الديانة الوافدة.

وهذا التفسير الثقافي يتوافق مع تواريخ الأديان السماوية في مناطق مختلفة من العالم، إذ حدث الأمر عينه عند التبشير بالمسيحية في بلاد الشام، حيث تبنى المبشرون الثقافة اليونانية التي كانت منتشرةً وقتها.

ولكن ما يجمع الشخصيتين، هو التقارب في تصويرهما، فمحبة المصريين للعذراء، وتقديسهم إياها أبعد من الإيمان والدين، فهي تمثّل فكرة الأم المضحية من أجل طفلها، التي ربّته منفردةً، وتحملت من أجله مصاعب كثيرةً.

وهناك العديد من اللوحات التي تصور السيدة العذراء وهي ترضع المسيح، أو تلاعبه، أو خائفة عليه. جزء من هذه اللوحات موجود في الكنيسة الواقعة في منطقة المقابر في مجمع الأديان في مصر، وتتشابه تلك الرؤية مع الرؤية التي صاغت تماثيل إيزيس، خاصةً التمثال الذي يُظهر إيزيس وهي ترضع حورس.

السيدة زينب... حفيدة الرسول

من تاريخ الإسلام الأول، تظهر شخصية أُلبست رمز الأمومة، والمقاساة والتفاني، هي السيدة زينب بنت علي بن أبي طالب.

في مصر، إذا قال أحدهم إنه ذاهب إلى السيدة، فالجميع يعرف أنه ذاهب إلى السيدة زينب دون سواها من السيدات.

يكنّ المصريون للسيدة محبةً وتقديساً، وقد تجلّى ذلك في اللقب الذي منحوها إياه وهو "رئيسة الديوان"، أي ديوان المظالم الذي يقيم فيه الأولياء السبعة الكبار وكلهم ذكور، وهي الأنثى الوحيدة بينهم، والرئيسة.


سوف يتم تناول قصة السيدة زينب من وجهة نظر إسلامية سنّية، إذ هناك أيضاً الرواية الشيعية المتواترة. فعلى الرغم من انتشار المذهب الشيعي في مصر لمدة قرنين من الزمان في العصر الفاطمي، إلا أن الأساس المصري لقصتها سنّي، حتى أن هناك مقولةً شهيرةً هي أن الشعب المصري سنّي المذهب شيعي الهوى، وذلك للمحبة الكبيرة التي يكنّها لآل البيت، مع العلم أن الأساس السنّي هو الغالب، على الرغم من عدم اهتمام المواطن العادي بفكرة المذهبية.

التقديس لصورة الأم في المجتمع المصري الأبوي في ظاهره، الأمومي في باطنه، يتجلى في الشارع المصري حينما نشاهد أماً  وأولادها؛ الأولوية في كل شيء لراحتها ومساعدتها

هي زينب بنت علي بن أبي طالب وفاطمة الزهراء ابنة الرسول محمد، نبي الإسلام، وجدّتها خديجة.

وهي ثالث أبناء فاطمة وعلي، وقد أسماها النبي باسم ابنته زينب التي توفيت قبل ميلادها بفترة وجيزة. وشهدت السيدة زينب وفاة الرسول، ثم وفاة أمها وهي طفلة في الخامسة.

كذلك شهدت مقتل والدها علي بن أبي طالب، ومقتل أخيها الحسن، وشهدت مأساة كربلاء أمام عينيها، وكانت تقيم في المدينة، ثم اتجهت مع الحسين إلى الكوفة.

ولأسباب عدة، اختارت الإقامة في مصر إذ كانت بعيدةً عن النزاعات القائمة، فاستقبلها أهل مصر وواليها، وتوفيت بعد ذلك بعام، ودُفنت في منزلها الذي أصبح مسجداً ومزاراً للمسلمين وسُمّيت المنطقة باسمها.

ويعود تقديس المصريين إياها لأكثر من سبب يتماسّ مع أسطورتَي إيزيس والسيدة العذراء، فالسيدة زينب هي الفدائية التي أنقذت أخاها زين العابدين، ابن الحسين، بأن ألقت بنفسها عليه لتحميه من القتل في كربلاء، فبحسب الرواية سيطرت الرغبة في القضاء على كل نسل آل البيت من الذكور، وهي من تولت تربيته والاعتناء به في مصر، وإبعاده عن العيون، كما فعلت كل من إيزيس والعذراء.

ويقدس المصريون سيرة السيدة زينب لأنها تمثل مفهوم الأسرة في المجتمع المصري، والذي يحظى باحترام كبير، حتى إن العائلات الملكية في مصر القديمة تُسمّى "أسرا"، بالإضافة إلى قيامها برعاية الأيتام في محيطها "أم العواجز".

هذا التقديس لصورة الأم في المجتمع المصري الأبوي في ظاهره، الأمومي في باطنه، يتجلى في الشارع المصري حينما نشاهد أماً  وأولادها، فالأولوية في كل شيء لراحتها ومساعدتها، وفي عدّ كلّ سيدة كبيرة في السن أمّاً مجازيةً للجميع، حتى إن هناك جملةً شهيرةً تقال في بعض مواقف الغضب: "عيب ست كبيرة قد أمّك".


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel

بالوصول إلى الذين لا يتفقون/ ن معنا، تكمن قوّتنا الفعليّة

مبدأ التحرر من الأفكار التقليدية، يرتكز على إشراك الجميع في عملية صنع التغيير. وما من طريقةٍ أفضل لنشر هذه القيم غير أن نُظهر للناس كيف بإمكان الاحترام والتسامح والحرية والانفتاح، تحسين حياتهم/ نّ.

من هنا ينبثق رصيف22، من منبع المهمّات الصعبة وعدم المساومة على قيمنا.

0:00 -0:00
Website by WhiteBeard