شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اترك/ ي بصمَتك!
الناشط الكويري حمزة الزهران: كيف يمكن لشخص متعلم أن يرفض معالجة امرأة عابرة؟

الناشط الكويري حمزة الزهران: كيف يمكن لشخص متعلم أن يرفض معالجة امرأة عابرة؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

حياة نحن والميم-عين

الخميس 11 يوليو 202402:00 م


دخلت امرأة عابرة تعاني من مشكلة صحية حساسة إلى مستشفى في بيروت، لكن الطبيبة المشرفة رفضت فحصها بحجة عدم معرفة التعامل معها. هذا المشهد حصل أمام الأخصائي في الصحة العامة والناشط الكويري حمزة الزهران، الذي تساءل حينها: "كيف يمكن لشخص متعلم أن يرفض معالجة امرأة عابرة مختلفة عنه؟ هل يعود ذلك إلى قلة الخبرة ونقص في التدريب أو إلى أمور دينية وعادات وتقاليد؟"، على الفور تدارك حمزة الأمر وساعد المريضة، كما يروي لرصيف22.

هذه إحدى الصعوبات التي واجهها حمزة في عمله كممرض وأخصائي في الصحة العامة والصحة المجتمعية، وكونه أيضاً شخصاً كويرياً، لكنه لم يتوقف يوماً عن الدفاع عن أفراد مجتمع الميم-عين، والمطالبة بحقوقهم/ نّ على جميع الأصعدة.

الإعلان عن الميول برفع الصوت

لا توجد مناسبة معينة أعلن فيها حمزة عن تفضيلاته الجنسية. لا يرى أنه مضطر إلى حمل علم قوس القزح كي ينتمي إلى مجتمع الميم-عين أو يتضامن معهم. وظّف اختلافه عبر رفع صوته ضد أي انتهاك أو ظلم تتعرض له فئة مهمشة، سواء أكانت فئة أفراد الميم-عين أو أي فئة أخرى ضعيفة: "نحن لسنا دائماً مضطرين إلى الإعلان عن توجهاتنا الجنسية، بل الأهم من ذلك أن ندعوا للانضمام إلى هذا المجتمع ومناصرته"، يقول لرصيف22، كاشفاً الانتهاكات التي تحدث في حق الفئات المهمشة، وكيف يتم تطبيق الغسيل الوردي: "في الوقت التي تسعى فيه إسرائيل إلى استخدام حقوق المثليين/ ات، دبلوماسيّاً ودوليّاً، للدعاية لنفسها لتظهر كأنها ‘الجنّة’ الوحيدة في المنطقة للأشخاص الكويريين، بعض دولنا في المقابل، تعمل على ‘شيطنة’ أفراد الميم-عين، وجعلهم/ نّ كبش فداء للتغطية على نقاط سياسية كبيرة في المنطقة العربية، خصوصاً في لبنان. نحن موجودون منذ الأزل في الدول العربية ولكن القوانين الاستعمارية هي التي خرّبتنا، ونحن لدينا إنجازات لكن السياسيين لا يساهمون في أي شيء سوى تجريم المثلية الجنسية".

 "في الوقت التي تسعى فيه إسرائيل إلى استخدام حقوق المثليين/ ات، دبلوماسيّاً ودوليّاً، للدعاية لنفسها لتظهر كأنها ‘الجنّة’ الوحيدة في المنطقة للأشخاص الكويريين، بعض دولنا في المقابل، تعمل على ‘شيطنة’ أفراد الميم-عين، وجعلهم/ نّ كبش فداء للتغطية على نقاط سياسية كبيرة في المنطقة العربية"

وُلد حمزة في ألمانيا، وعندما بلغ السابعة من عمره عاد مع أهله إلى لبنان، وأكمل تعليمه ودرس التمريض، ثم بدأ يعمل في مستشفيات بيروت: "خلال عملي اكتسبت الخبرة حول النظام الصحي في لبنان الخاص بأفراد الميم-عين، خصوصاً العابرين والعابرات حيث عانى هؤلاء الأفراد من صعوبة في الوصول إلى الرعاية الصحية".

ويضيف لرصيف22: "الرعاية الصحية كانت سيئةً، وكنت أراها بعيني وما زالت محفورةً في ذاكرتي، ببساطة لأنني يمكن أن أكون يوماً ما في هذا الظرف أو أي شخص عزيز على قلبي".

بعدها تابع دراسة الماجستير في الصحة العامة، وتخصص في تعزيز الصحة العامة والصحة المجتمعية. انتقل إلى العمل مع منظمات دولية تعنى بالرعاية الصحية الأولية، ولم يعد عمله يقتصر على علاج أشخاص معينين فحسب، بل خاض في مجالات إنسانية عدة في لبنان مع منظمات دولية، منها المشاريع الصحية المتعلقة بالمصابين/ ات جرّاء انفجار مرفأ بيروت عام 2020، ثم أزمة كورونا، وفي مشاريع تعنى بالصحة العامة مع اللاجئين/ ات السوريين/ ات: "كنت دائماً استغلّ موقع عملي كي أقدّم الرعاية لجميع الفئات الضعيفة، وليس فقط أن أكون ناشطاً، كنت أشارك في رسم خطط حول مشاريع الرعاية الصحية الأولية، وأطالب من موقعي بضم جميع أفراد الميم-عين إلى هذه الرعاية، وبعدها عملت في الإسعاف النفسي الأولي، وأشرفت على تدريبات حول هذا الموضوع مع العديد من المنظمات الدولية".

يرى حمزة أن هذه الرعاية الصحية يُحرم منها العديد من أفراد مجتمع الميم-عين بسبب "القوانين الرجعية والتمييز المؤسسي" في لبنان، والتي تساهم في تعزيز التمييز على المستوى الصحي على نطاق الخدمات وغيرها: "لا يوجد قانون يحمي هؤلاء الأشخاص للوصول إلى هذه الخدمات، وللأسف فإن المنظومة في لبنان لا تتم محاسبتها على هذه الانتهاكات، وتالياً يُحرم الأشخاص الكويريون من أبسط الخدمات وهذا ما يسبب الدخول في دوامة تؤدي الى المزيد من الضعف أو التهميش".

خلال عمله، تعرّض حمزة للكثير من الانتقادات والتنمر اللفظي والعنف الجسدي، لكنه أصرّ على الاستمرار، كاشفاً أن التجربة السيئة للعابرين والعابرات مع الخدمات الطبية لا تبدأ وتنتهي عند مقدمي الرعاية الصحية بل من لحظة دخولهم/ نّ المستشفى وقسم القبول حتى قسم المحاسبة.

فقدان الأمل والعودة إلى البرلمان الألماني

مع اندلاع ثورة 17 تشرين الأول/ أكتوبر 2019 في بيروت، كان حمزة من أبرز الثوار الذين خرجوا إلى الشارع وتظاهروا، وكان متحمساً لوجود أشخاص كويريين مشاركين في الثورة، لكنه سرعان ما فقد الأمل كباقي الشباب في لبنان عام 2021، مع بدء الأزمة الاقتصادية.

وعن لحظات الإحباط وقرار العودة إلى ألمانيا، يقول: "بعد العديد من الصفعات التي تلقيناها، اليوم أقولها بكل فخر: استسلمت ورحلت، لكن هناك العديد من الأشخاص الذين ينتمون إلى مجتمع الميم-عين لا يزالون في لبنان ومنهم من بقي عن قناعة وآخرون يرغبون في الهجرة".

برغم كل هذه الصعوبات، لم يفقد حمزة الأمل بعد عودته إلى ألمانيا، بل تحول عمله من ممرض وأخصائي إلى مناصر على أرض الواقع: "بدأت الرحلة هنا في ألمانيا بمشروع حماية اللاجئين واللاجئات من أفراد مجتمع الميم-عين القادمين/ ات إلى ألمانيا، لأن نظام اللجوء في ألمانيا ليس نظاماً متكاملاً ينصف حقوق اللاجئين واللاجئات من الميم-عين، بل هو نظام بيروقراطي يأخذ الكثير من الوقت".

"نحن موجودون منذ الأزل في الدول العربية ولكن القوانين الاستعمارية هي التي خرّبتنا، ونحن لدينا إنجازات لكن السياسيين لا يساهمون في أي شيء سوى تجريم المثلية الجنسية"

لم يقتصر دفاع حمزة على حقوق اللاجئين واللاجئات العرب من أفراد الميم-عين فحسب، بل اعتلى منابر حقوقية عدة في ألمانيا معنية بحقوق اللاجئين/ ات، ليحدثهم عن بيروت التي لطالما كانوا يعتقدون أنها العاصمة العربية الوحيدة الآمنة لأفراد الميم-عين: "كان وما زال القانون الألماني يعامل اللاجئ القادم من لبنان من مجتمع الميم-عين بطريقة قانونية مختلفة، على أساس أنه قادم من بلد آمن. نعم بيروت نسبياً آمنة ولبنان يُعدّ ملجأ لأفراد الميم-عين، وهنا بدأت رسالتي بالعمل على أن تكون بيروت آمنةً للمثليين/ ات".

كرّس حمزة هذه الرسالة وبدأ يتوجه بخطابه إلى المسؤولين عن حقوق الإنسان في البيت الأبيض، وممثلين حقوقين ألمان وجمعيات أخرى: "كنت أحدّثهم عن بيروت وعن الانتهاكات الحاصلة من قبل بعض الأجهزة الأمنية بحق المثليين/ ات والعابرين والعابرات، وللأسف لم يكونوا على علم بهذه الانتهاكات، وهنا صرت المتحدث عن لبنان والشرق الأوسط، ودُعيت إلى مؤتمر لحقوق الإنسان أقامه أكبر حزب في البرلمان الألماني وتحدثت في مجلس النواب عن نقطتين: الأولى عن حقوق المثليين/ ات في الشرق الأوسط، والثانية عن حقوقهم/ نّ في لبنان".

ويضيف: "ما كنت أحاول إيصاله في البرلمان أننا لا نطلب منكم استقبال لاجئين/ ات عرب أو لبنانيين/ ات بل ساعدوهم/ نّ على العيش بكرامة في بلدهم/ نّ وشجعوا شبكات الدعم غير المسجلة والمنظمات الموجودة في لبنان كي يصل أفراد مجتمع الميم-عين إلى حقوقهم الطبيعية في جميع الخدمات والعيش بكرامة".

لم يقتصر الأمر على ذلك، بل عمل حمزة على إيصال صوت أفراد مجتمع الميم-عين وما يتعرضون له من انتهاكات في لبنان داخل البرلمان الألماني، أبرزها مطالبة نواب برلمانيين لبنانيين بتجريم المثليين في لبنان عام 2023، رداً على اقتراح قانون لإلغاء "المادة 534" من قانون العقوبات التي تنص على أن "كل مجامعة على خلاف الطبيعة يعاقب عليها بالحبس سنةً واحدةً"، بالإضافة إلى توثيق ما حصل من انتهاكات في مسيرة الحريات في بيروت، حيث رفع حمزة لائحة النواب اللبنانيين الذين حرّضوا على تجريم المثليين/ ات، لاتخاذ خطوات جدية بحقهم، وساهم في إيصال تقارير عن تلك الانتهاكات.

ونتيجةً لهذه المناصرة التي عمل عليها في محافل عدة في ألمانيا، خصوصاً داخل البرلمان، استجابت الجهات الحكومية الألمانية بالتعاون وتسهيل موضوع لجوء بعض المثليين/ ات من لبنان الذين يتعرضون للخطر، وتمت مساعدتهم.

في هذا السياق يقول حمزة: "هناك شبكات الدعم والأمان الموجودة في لبنان، وهي معنية بحقوق المثليين/ ات، والإعلام البديل له أهمية كبيرة في مناصرة قضايا الميم-عين، وهذا ما يبقينا على قيد الحياة في لبنان، ومن المتوقع هذه السنة أن يكون هناك مؤتمر آخر حول حقوق الميم-عين، لكن للأسف تعاني أوروبا اليوم من صعود اليمين المتطرف، وبذلك لم تعد قضية المثليين/ ات على سلم الأولويات، ما يؤثر على الأفراد الكويريين في ألمانيا، خصوصاً الأشخاص الكويريين من أصول مهاجرة".

مشروع "الكوير العرب" وربطه بالتاريخ

من البرلمان الألماني إلى ناشط فعلي على الأرض، أكمل حمزة مناصرته لقضايا مجتمع الميم-عين، حيث عمل مع مجموعة أشخاص من أصول عربية على إنشاء مشروع "الكوير العرب": "هو تجمع للاحتفال بتقاطع الهويتين العربية والكويرية بين أشخاص من أصول عربية مهاجرة في ألمانيا، وهو مشروع يربطنا بهويتنا وانتمائنا لكي نشعر بأننا نعيش بالطريقة التي نريد ونعبّر عن أنفسنا بالشكل الطبيعي بعيداً عن مبدأ المخلص الأبيض الذي يعتمد على أن الأشخاص البيض أو الغربيين هم أكثر تحضراً بسبب تقبلهم الاختلاف بينما بلادنا تعمل على تجريم الاختلاف.

يتضمن المشروع نشاطات توعويةً تعمل على مفاهيم عدة مرتبطة بأفراد الميم-عين ودمجهم في ألمانيا، كما سيكون هناك مؤتمر عن تاريخ الاختلاف الجنسي عند العرب، والهدف منه توجيه رسالة إلى السياسيين بعدم "شيطنة" الميول الجنسية واستعمال أفراد مجتمع الميم-عين ككبش محرقة لتغطية أي فشل سياسي: "سوف نقول إن لدينا تاريخاً حافلاً في الاحتفال بالاختلاف، والقوانين الرجعية الموجودة في بلادنا حالياً ما هي في أغلب الاحيان إلا قوانين استعمارية أُدخلت خلال الفترات الاستعمارية الأوروبية".

"ما كنت أحاول إيصاله في البرلمان أننا لا نطلب منكم استقبال لاجئين/ ات عرب أو لبنانيين/ ات بل ساعدوهم/ نّ على العيش بكرامة في بلدهم/ نّ وشجعوا شبكات الدعم غير المسجلة والمنظمات الموجودة في لبنان كي يصل أفراد مجتمع الميم-عين إلى حقوقهم الطبيعية في جميع الخدمات والعيش بكرامة"

ونتيجةً لنشاطه السياسي وعمله في دعم الأفراد الأكثر ضعفاً، حصل حمزة على عرض من إحدى الشركات في برلين لإنشاء مشروع "تور برلين بيروت"، وهو عبارة عن جولة على تاريخ الأماكن الآمنة للميم-عين تاريخياً في برلين، من المهاجرين وخصوصاً العرب: "الفكرة هدفها البحث في التاريخ الألماني عن هذه المجتمعات، وكيف حافظت على الأماكن الآمنة بعد سنوات من الاضطهاد، وربط هذا المشروع ببيروت لمعرفة أهمية هذا الاختلاف، خصوصاً في ظل صعود اليمين المتطرف ومقارنته بما يحصل في بيروت وباقي البلدان العربية، وهذا دليل على أننا يجب ألا نسلم بالأمر الواقع وبأننا نعيش في بيئة آمنة دائماً، بل يجب أن نحارب كي نحافظ على هذا الأمر لأن التاريخ يعيد نفسه ونستطيع التعلم من تاريخ ألمانيا خلال الحقبة النازية وما قبلها".

ويختم حمزة متوجهاً برسالة إلى أفراد الميم-عين في لبنان والدول العربية: "كل إنسان يحارب في معركته الخاصة، ويجب ألا نضع ضغوطاً على أنفسنا، ويجب أن نحافظ على سلامتنا حسب موقع كل شخص منّا، لكن الفكرة الأهم هي التعلم من التاريخ عن كيفية تمكّن الفئات المستضعفة من الصمود وانتزاع حقها على مرّ الزمن، وعليه يجب أن نقف مع بعضنا البعض، وأن نحارب لكي نصنع مستقبلاً أفضل للأشخاص الكويريين. أنا متأكد أننا نكتب التاريخ وسوف يتكلم من سيأتي بعدنا عمّا قمنا به، لنعمل على كتابة تاريخ مشرف يؤمّن العدالة الاجتماعية لجميع الأشخاص".

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

قد لا توافق على كل كلمة ننشرها…

لكن رصيف22، هو صوت الشعوب المضطهدة، وصوت الشجعان والمغامرين. لا نخاف من كشف الحقيقة، مهما كانت قبيحةً، أو قاسيةً، أو غير مريحة. ليست لدينا أي أجندات سياسية أو اقتصادية. نحن هنا لنكون صوتكم الحرّ.

قد لا توافق على كل كلمة ننشرها، ولكنك بضمّك صوتك إلينا، ستكون جزءاً من التغيير الذي ترغب في رؤيته في العالم.

في "ناس رصيف"، لن تستمتع بموقعنا من دون إعلانات فحسب، بل سيكون لصوتك ورأيك الأولوية في فعالياتنا، وفي ورش العمل التي ننظمها، وفي النقاشات مع فريق التحرير، وستتمكن من المساهمة في تشكيل رؤيتنا للتغيير ومهمتنا لتحدّي الوضع الحالي.

شاركنا رحلتنا من خلال انضمامك إلى "ناسنا"، لنواجه الرقابة والترهيب السياسي والديني والمجتمعي، ونخوض في القضايا التي لا يجرؤ أحد على الخوض فيها.

Website by WhiteBeard