شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ادعم/ ي الصحافة الحرّة!

"من أسرار السعادة الزوجية"... عن أهمية الشروط المسبقة في عقد الزواج

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

"طلقيني، طلقيني"... كلمات تكررت في العديد من الأفلام المصرية القديمة، لتعبر عن زوج تمتلك زوجته حق العصمة "التطليق"، بينما هو عاجز عن إيقاع الطلاق.

على الرغم من أن المشهد السابق كوميدي بالأساس، لأن الزوجة التي لها حق العصمة، يستطيع زوجها طلاقها حضورياً وغيابياً كذلك، لكن الواقع أن هذه المعالجة الهزلية في هذا المشهد وغيره تركت انطباعًا لدى شريحة واسعة من الناس، مفاده أن الرجل الذي يوافق على إعطاء زوجته حق التطليق، أو غيره من الحقوق، وكتابتها في عقد الزواج، ليس رجلًا، بل مجرد تابع لزوجته.

المفاجأة هنا هي أن إضافة شروط في عقد الزواج، هو تقليد متعارف عليه منذ بدايات الإسلام حتى العصور الحديثة، وكانت السلطات تعترف بالشروط وتطبقها. ولقد أضافت سكينة بنت الحسين، حفيدة الرسول عليه الصلاة والسلام، وحفيدة علي ابن أبي طالب وفاطمة بنت الرسول، شروطًا في عقد زواجها، منها ألا يقوم الزوج بالزواج من أخرى، طوال فترة زواجهما.

شرط شائع قبل الزواج... عدم الزواج بأخرى

إن مناقشة بعض الشروط الإضافية، والتفاهم حولها، ومن ثم إضافتها لعقد الزواج، يعد شيئًا إيجابيًا، ومؤشرًا لزوجين واعيين بضرورة التوافق، لتفادي الخلافات في المستقبل. 

المشاهد الكوميدية في الأفلام المصرية التي يطلب بها الرجل من زوجته أن تطلقه، تركت انطباعًا مفاده أن الرجل الذي يوافق على إعطاء زوجته حق التطليق في عقد الزواج ليس رجلًا، بل مجرد تابع لزوجته، مع العلم أن منح المرأة حق تطليق نفسها لا يلغي حق الرجل 

وبالرغم من الفوائد الواضحة، فإن إضافة الشروط ليست ممارسة شائعة، إما لقلة الوعي بالفوائد المترتبة عليها، أو للاعتقاد بأن ذلك يتعارض مع الإسلام، بالإضافة إلى وجود اعتبارات ثقافية واجتماعية تمنع من مجرد التفكير في الموضوع.

تقول د. بثينة محمود عباس، مديرة مؤسسة حوا بالعراق لرصيف22، "إن وضع الشروط في عقد الزواج في العراق، ينحصر بشكل كبير في زواج المرأة المطلقة أو الأرملة التي لديها أطفال فيكون الزوج الجديد ملزمًا بالتعهد برعاية أطفال المرأة التي يعقد عليها، ويثبت التعهد على ظهر ورقة العقد كهامش يكتبه القاضي".

وتضيف: "ندرة كتابة الشروط ترجع إلى الأعراف التي يسير عليها المجتمع العراقي، إذ يعتمد على ذكر الشروط بصورة شفوية يتعهد الزوج وأهله بإتمام ما يرغب فيه أهل الزوجة أمام الحاضرين في الخطبة، من باب التزام الرجل بتنفيذ كلامه وهذا جزء من رجولته وأصله الجيد".

أما منى فتتحدث عن الأسباب التي دفعتها لوضع شروط في عقد الزواج، تقول لرصيف22: "كانت لدي مخاوف من المستقبل لا يضمن لي الحماية منها إلا اتفاق مكتوب، ولقد اقتنع زوجي (خطيبي آنذاك) بأن الأمر مهم لأماني النفسي".

أضافت منى شرط عدم اقتران الزوج بأخرى إلا بموافقة كتابية منها، واتفقت مع زوجها على ذلك، ولم يأخذ الأمر على محمل سيىء آنذاك. 

تختلف المذاهب السنية والشيعية في موضوع كتابة الشروط، لكن جميعها تتفق على السماح بوجود شروط بصورة ما، ما لم تناف أغراض الزواج الأساسية. 

أما دعاء، فأضافت شروطًا لأنها لم تكن مقتنعة (هي وزوجها) بأن صيغة العقد الموجودة حاليًا، كافية لضمان الحقوق، فكتبا في عقد الزواج بأن لها حق التطليق، وأن الزوج لا يستطيع الزواج بأخرى إلا بإذن كتابي منها.

المفاجأة أن منى ودعاء لم تواجها اعتراضاً من أي من العائلتين، وكذلك لم تطالهما أية محاضرات من المأذون عن ضرورة الثقة في شريك الحياة، وعدم الشك من البداية.

رأي الإسلام في شروط قبل الزواج 

تختلف المذاهب السنية والشيعية في موضوع كتابة الشروط، لكن جميع المذاهب تتفق على السماح بوجود شروط بصورة ما، ما لم تناف أغراض الزواج الأساسية.

وقد قسم مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية، الشروط في عقود الزواج إلى ثلاثة أنواع:

النوع الأول هو الشروط الصحيحة ويجب الالتزام بها، وهي التي لا تتعارض مع أساسيات عقد الزواج، كاشتراط الزوجة ألا يُخرجها الزوج من بيتها، فمثل هذه الشروط صحيحة ويجب الالتزام بها، وسندها الآية: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ" (المائدة: 5)، وأيضاً "وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا" (الإسراء: 34).

أما النوع الثاني فهو الشروط الباطلة، وهي التي تتعارض مع أساسيات الزواج، أو تُسقِط الحقوق، كاشتراط الزوج عدم دفع المهر أو عدم الإنفاق، أو أن تشترط المرأة ألَّا يطأها الزوج، وفي هذه الحالة، لا يجب الوفاء بتلك الشروط، ولكن يبقى الزواج صحيحًا.

وأخيرًا النوع الثالث، وهو الشروط الباطلة والتي يبطل بسببها الزواج، مثل اشتراط مدة معينة للزواج.

ولقد ورد في أحد عقود الزواج الواردة والموثّقة في وثائق الحرم القدسي الشريف الشرط التالي:

أن "يتعهد الزوج بالإنفاق على ابن زوجته من زيجتها السابقة، ويبدو هنا أن التعهد جاء بناء على طلبها، وبلا شك كان هذا أحد شروطها لإتمام عقد الزواج، وطبقًا لرأي الفقهاء على جميع المذاهب، فإن للمرأة الحق في أن تضع شروطًا لها في عقد الزواج طالما لا يحل هذا الشرط حرامًا ولا يحرم حلالًا، وذلك مصداقًا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أحق ما أوفيتم من الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج)".

ورأي القوانين العربية 

تختلف قوانين الأحوال الشخصية من دولة لأخرى، وكذلك صيغة عقد الزواج، فنجد العقد مكتوبًا في بعض الأحيان، وأحيانًا أخرى يكون شفاهيًا. نرى أيضًا بعض العقود تقتصر على الأساسيات، وأخرى أكثر تفصيلًا.

لكن بشكل عام، فالقوانين المعاصرة تسمح للزوجين بإضافة شروط لعقد الزواج، كما تعترف المحاكم بالشروط سواء كانت شفاهية أو مكتوبة، فنجد أن الجزائر، والمغرب، وتونس، تسمح بإضافة شروط في عقد الزواج، بحيث لا تتعارض مع ما هو جوهري في طبيعة الزواج، كما أن شهادة المرأة معتبرة في عقد الزواج في المغرب، ويحق للزوجين، الاتفاق على استثمار وتوزيع الأموال التي يكتسبونها أثناء قيام العلاقة الزوجية، ويكون هذا الاتفاق في وثيقة مستقلة عن عقد الزواج. فإذا لم يكن هناك اتفاق، يتم مراعاة عمل كل من الزوجين، وما تحملاه لتنمية أموال الأُسَرة. 

تُعد إضافة الشروط لعقد الزواج من التقاليد منذ بدايات الإسلام، لكن مع الوقت أصبحت أقل شيوعًا، بسبب قلة الوعي بالموضوع، والالتباس حول مشروعيته، وعدم وجود خطوات واضحة للنقاش حول الشروط؛ إما بسبب عدم وجود عقود مكتوبة، أو عدم دعم الأسرة والمجتمع للفكرة

أما القوانين في البحرين، والعراق، ولبنان، وفلسطين، وقطر، وسوريا، والإمارات العربية المتحدة، واليمن، فتسمح بطلاق التفويض/العصمة، كما يسمح للزوجين بوضع شروط أخرى، تكون مبررًا للطلاق في حال خرق أي منها، مثل: تقييد التعدد، والحق في العمل، أو التعليم، أو التنقل، أو حسن المعاملة.

أما في الأردن، فيجيز القانون الاشتراط في عقد الزواج، مع تخصيص خانة للشروط في عقد الزواج.

لماذا أصبحت الشروط ضرورة؟

لطالما كانت إضافة الشروط لعقد الزواج، تقليدًا معروفًا منذ بدايات الإسلام، وظلت كذلك إلى وقتنا الحالي، لكن مع الوقت أصبح الموضوع أقل شيوعًا، بسبب قلة الوعي بالموضوع، والالتباس حول مشروعيته، وعدم وجود خطوات واضحة للنقاش حول الشروط؛ إما بسبب عدم وجود عقود مكتوبة، أو عدم دعم الأسرة والمجتمع للفكرة. 

تساعد شروط  قبل الزواج في معادلة موازين القوى، حيث يصبح الزوجان متعادلين في القدرة على الحصول على الطلاق مثلًا، ومن ثم، تتغير علاقات القوة، ويعيشان كشريكين متساويين.

لكن تبقى مناقشة الشروط والاتفاق عليها، خطوة هامة من شأنها تقليل الخلافات في المستقبل، سواء حال قيام الزواج أو وقت وقوع الطلاق، لأنها تضع الأساس لتوقعات الطرفين وتساهم في الوصول لأرضية مشتركة في وقت مبكر من الحياة الزوجية.

كما تساعد الشروط في معادلة موازين القوى، حيث يصبح الزوجان متعادلين في القدرة على الحصول على الطلاق مثلًا، ومن ثم، تتغير علاقات القوة، ويعيشان كشريكين متساويين.

تشرح عباس أنه في الفترة الأخيرة وبسبب ازدياد حالات الطلاق وعدم تنفيذ الشروط المتفق عليها لجأت عدد من المنظمات إلى القيام بحملات توعية حول أهمية توثيق الشروط، لكن ظهرت هناك تحديات كثيرة أهمها (القاضي) الذي يعقد القران، والذي يجب عليه تدوين الشروط، فكان هناك قاض رفض كتابة أي شرط، بل استهزأ بالأمر كله. لذلك ما يزال كتابة الشروط في عقود الزواج محددة جدًا في العراق.

وتضيف: "تتباين ردود الأفعال ما بين متقبل للفكرة ورافض لها بسبب العادات والتقاليد، وتختلف حسب المنطقة الجغرافية وثقافة العائلتين، فمنهم من يرى أنها ضامنة للحقوق، وآخرون يتشاءمون منها باعتبارها نذيراً بالطلاق، أما الزوج فيرفض في الأغلب، إما لأنه يراها تقليلًا من كرامته أو قلة ثقة به أو لأنه لا يريد الالتزام بالشروط".

ازدادت حالات الطلاق في العالم عموماً وليس في البلاد العربية حصراً في العقود الأخيرة، ويعرف الذين خاضوا التجربة أن الخلافات التي تحدث وقت الطلاق لا يُستهان بها، ومن ثم يجب أن تكون تلك الخلافات دومًا في بؤرة اهتمام المشرعين، ومحل نظرهم.

هنا، ليس علينا اختراع العجلة من جديد، وقد قدم لنا التراث الحل على طبق من فضة، فهل يمكننا فقط الموافقة وإحياء تقليد إضافة الشروط، من أجل الوصول لزواج أو طلاق أكثر توافقًا بين الزوجين، وأكثر عدالة لكليهما؟

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

ما زلنا في عين العاصفة، والمعركة في أوجها

كيف تقاس العدالة في المجتمعات؟ أبقدرة الأفراد على التعبير عن أنفسهم/ نّ، وعيش حياتهم/ نّ بحريّةٍ مطلقة، والتماس السلامة والأمن من طيف الأذى والعقاب المجحف؟

للأسف، أوضاع حقوق الإنسان اليوم لا تزال متردّيةً في منطقتنا، إذ تُكرّس على مزاج من يعتلي سدّة الحكم. إلّا أنّ الأمر متروك لنا لإحداث فارق، ومراكمة وعينا لحقوقنا.

Website by WhiteBeard