شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

لنبدأ من هنا!

"من أنت، إلى أين تنتمي؟"... أسئلة الهوية الملحة عند المهاجرين

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

رأي نحن والمهاجرون العرب

الأحد 9 يونيو 202401:08 م

مَنْ أنت؟ أين تنتمي؟ ولمن ولاؤك؟

هذه أسئلة الهُوية التي يتحتم على الإنسان الإجابة عنها عند تعريفه لذاته وتحديده لموقعه في الفضاء الاجتماعي. بيد أن أجوبة الهُوية لا تقتصر على نظرة المرء لنفسه، بل تشمل نظرة الآخرين إليه وإلى مجموعته التي ينتمي إليها، والطريقة التي يتصرفون بها تجاهه والتوترات أو الصراعات التي قد تنشأ عن هذه العلاقة.

إن افتراضاً كلاسيكياً للهُوية كجوهر ثابت ونهائي لم يعد صالحاً اليوم، إذ تثبت الأبحاث النفسية أن الهُويات تتميز بطبيعتها المرنة والديناميكية، وهي في عملية تفاعل مستمر مع السياقات المختلفة والمتغيرة التي يجد الفرد نفسه فيها، أي أنها في طور تشكُّل دائم، وهذا ينطبق حتى على فئات الهوية التي يُعتقد أنها ثابتة بشكل راسخ كالهُويات العرقية والإثنية.

إن افتراضاً كلاسيكياً للهُوية كجوهر ثابت ونهائي لم يعد صالحاً اليوم، إذ تثبت الأبحاث النفسية أن الهُويات تتميز بطبيعتها المرنة، وهي في عملية تفاعل مستمر مع السياقات المتغيرة التي يجد الفرد نفسه فيها

وفي تجربة الهجرة تحديداً يصبح سؤال الهوية مُلحاً، فيواجه المهاجرون سؤال تحديد هويتهم في بيئة جديدة.

هذا السؤال الصعب الذي قد يتحول إلى أزمة أو صراع هُوياتي لدى الفرد المهاجر. إذ إن نتاج هوية المهاجر محكوم بعلاقة تفاعلية بين الذات والآخر تتجلى في الجدلية بين الصورة الذاتية التي يخلقها الفرد عن نفسه من ناحية، والصورة التي يُشكلها عنه شركاؤه الاجتماعيون وتفاعله معها سواءً بالتمسك بتلك الصورة أو رفضها من ناحية أخرى.

في حوارات متعددة أجريتها مع مهاجرين سوريين في تقرير صحافي أجريته سابقاً، عبّر كثر عن شعورهم بنوع من التمزق بين الثقافتين: "ثقافة البلد الأصلي وثقافة البلد الجديد"، وكأنهم يعيشون بين الثقافتين لا داخلهما.

وهذا بالضبط ما أسماه عالم الاجتماع الجزائري عبد المالك صياد بـ "الغياب المزدوج"، وهو شعور الفرد المهاجر بأنه "ليس هنا" ولا "هناك" لا حاضراً في بلده الأصلي ولا حاضراً في البلد المضيف.

وعلى الرغم من أن الهجرة تؤثر على روابط الانتماء لدى الفرد إذ من المحتمل أن تضعف روابطه مع البلد الأم بمرور الوقت من ناحية، وتضعه أمام ضرورة تنمية روابط مع البلد الجديد من ناحية أخرى، ومع ذلك لا تُعتبر عملية اقتلاع اجتماعي، بل تتيح للمهاجرين تطوير علاقات ديناميكية ومتعددة مع كل من بلاد الهجرة والأصل.

يتخذ الأفراد في سياق الهجرة إستراتيجيات متعددة في تحديد هويتهم تختلف بحسب خلفياتهم الدينية والاجتماعية أو مستواهم التعليمي أو حتى فئتهم العمرية بما في ذلك "الاستيعاب" التام للثقافة المضيفة، أو "الانفصال" عنها للحفاظ على الثقافة الأصلية، أو "التهميش" الذي ينعكس في فقدان الروابط مع كلتا الثقافتين، أو "الاندماج" الذي يجمع بين الحفاظ على الجذور الثقافية وتبني الثقافة الجديدة في الوقت نفسه.

عبّر كثر عن شعورهم بالتمزق بين ثقافتين: "ثقافة البلد الأصلي وثقافة البلد الجديد"، وهذا ما أسماه عالم الاجتماع الجزائري عبد المالك صياد بـ: "الغياب المزدوج"، وهو شعور الفرد المهاجر بأنه "ليس هنا ولا هناك".

أهتمُ في هذا المقال بالنمط الأخير الذي يُطوّر هوية مزدوجة الثقافة أو متعددة الثقافة. المصطلح الذي يُشير إلى قيام الأشخاص الذين استوعبوا أكثر من ثقافة في دمجها في مفاهيمهم الذاتية الفردية من أجل تحقيق ذاتٍ متماسكة إلى حد ما، وتتجلى في شعور المهاجرين بالانتماء لثقافتين/ لبلدين أو أكثر.

تدرس الأبحاث النفسية وأبحاث علم النفس الاجتماعي هذا النوع من الهُويات بشكل خاص ساعيةً إلى تبيان الآثار المترتبة على الشعور بهذا النوع من الانتماء على المستويين النفسي والاجتماعي.

إذ تشير دراسات عديدة أُجريت في هولندا على مجموعات من المهاجرين من خلفيات تركية ومغربية إلى أن التطوير الناجح للهويات المزدوجة/ المتعددة الثقافة يُعتبر مؤشراً على التكيف النفسي.

الأمر الذي له مزايا نفسية عديدة تعود بالفائدة على المهاجرين مقارنة بالتماهي مع هُوية واحدة فقط. إذ تزيد روابط الانتماء المزدوجة من مشاعر الرضا عن الحياة واحترام الذات والسعادة وتجعل أصحاب هذه الهوية أقل عرضة للحالات السلبية كالاكتئاب والتوتر ومشاعر الوحدة مقارنة بالمهاجرين ذوي الهوية الواحدة.

بالإضافة إلى ذلك، يُعتبر التكيف الاجتماعي والثقافي من مزايا الهويات المزدوجة/ المتعددة الثقافة، فمحاولات أصحابها المتكررة لحل التناقضات الثقافية وقبول ودمج وجهات النظر المتضاربة حول نفس القضية تعمل على تحسين قدرتهم الإدراكية.

يُمكّن التماهي مع مجموعتين والاندماج في ثقافتين والعيش فيهما ـوليس بينهماـ الأفرادَ في تبني رؤية نقدية ومبتكرة لمجتمعاتهم وثقافاتهم.

ويُمكن أن يمنح هذا الموقف المزدوج نظرة أكثر عمقاً للعلاقات الاجتماعية، والقدرة على لعب دور الوسيط لحسر الفجوة بين المجموعات العرقية والثقافية المختلفة.

بيد أن تطوير هوية مزدوجة الثقافة والحفاظ عليها يمكن أن تكون مهمة صعبة ومرهقة. ويمكن أن تؤدي هذه العملية التي تنطوي على التوفيق بين قيم ثقافية متناقضة إلى نتائج عكسية تفضي إلى شعور الفرد بالتوتر واختبار صراع الهُوية أو عدم تفعيل المرء لهويته.

تشير الأبحاث العصبية إلى أن التوتر والصراع النفسي ينتجان عندما يشعر المهاجرون أن هوياتهم العرقية والمضيفة غير متوافقة أو متعارضة بعضها مع بعض.

وما يُزيد احتمال تناقض الهُوية كون المعايير السلوكية لهُويات المجموعتين متناقضة. فعندما يواجه المرء توقعات سلوكية متضاربة يتحول صراع الهوية إلى صراع سلوكي.

ما يمكن فهمه بشكل جيد عند النظر إليه في سياق المهاجر المسلم المنحدر من ثقافة مختلفة إلى حد كبير إذا لم نقل مختلفة كلياً عن ثقافة البلاد الأوروبية المستضيفة من حيث القيم السائدة والدين والحريات الفردية والمعتقدات الأبوية. فقد يواجه المسلم صراعاً بين اتباع معايير دينه واتباع سلوك أقرانه (شرب الكحول مثلاً)، إذ يكون من الصعب إرضاء كلا مجالي الهوية.

عند النظر في سياق المهاجر المسلم، نجد أن المسلمين يواجهون صراعاً بين اتباع معايير دينهم واتباع سلوك أقرانهم (شرب الكحول مثلاً)، إذ يكون من الصعب إرضاء كلا مجالي الهوية

ومع ذلك، يمكن للمهاجرين إيجاد طرق لدمج قيمهم وسلوكياتهم الدينية في سياق مجتمعهم الجديد عبر إعادة صياغة المعاني الثقافية ومعنى الهُوية الوطنية لخلق هويات مشتركة جديدة تسمح لهم بالشعور بالانتماء المجتمعي من خلال خلق مفهومهم الخاص لما قد يعنيه الانتماء إلى ثقافتهم الأصلية في سياق مجتمعهم الجديد. فيمكن للمهاجر، على سبيل المثال، أن يتماهى مع البلد المضيف ومؤسساته وقوانينه (ألمانيا أو هولندا)، ولكن ليس مع مجموعة الأغلبية (الألمان أو الهولنديون).

إضافة إلى ذلك، يُمكن الأفراد التبديل بين هوياتهم وفقاً للظروف أو المواقف ممارسين عملية اختيارية فيما يُسمى أداء الهوية مزدوجة أو متعددة الثقافة „bicultural (or multicultural) identity performance” وتحدث هذه العملية على المستويين المعرفي والسلوكي. على سبيل المثال قد يؤكد شاب من عائلة كردية في ألمانيا على هويته الكردية عند احتفاله بعيد النيروز مع عائلته وأقربائه في حين يؤكد على هويته الألمانية عندما يكون في العمل.

ولا يمكن تجاهل حقيقة أن الأمر كله لا يقع على عاتق الفرد المهاجر وحده، بل تلعب سياسات البلاد المضيفة وتاريخها فيما يتعلق بالهجرة إضافة إلى الرفض الاجتماعي دوراً حاسماً في تحديد الهُوية ومستويات الارتباط بالهوية الوطنية. على سبيل المثال، في بلاد تُعرّف عن نفسها على أنها بلاد هجرة مثل الولايات المتحدة الأمريكية وكندا وأستراليا وجدت الكثير من الدراسات أن الارتباط إيجابي بين الهوية الوطنية والعرقية في حين الارتباط كان سلبياً في دول أوروبا الغربية كألمانيا وفرنسا وهولندا.

ويمكننا فهم ذلك في السياق الألماني على سبيل المثال عندما نعرف أن ألمانيا أعلنت أنها بلد هجرة لأول مرة عام 2001 بعد التقرير الذي أصدرته لجنة "سوسموت" بتكليف من المستشار الألماني آنذاك "غيرهارد شرودر" والتي جاء في بيانها: "الحكم بأن ألمانيا ليست بلد هجرة لا يمكن الدفاع عنه بعد الآن"، ودعت إلى إعادة توجيه سياسات الهجرة والاندماج. حتى ذلك التاريخ لم تكن تنظر ألمانيا إلى المهاجرين إلا كضيوف جاءوا للعمل هنا لفترة من الزمن ثم سيعودون إلى بلادهم في وقت ما. وربما يقدم لنا هذا التاريخ تفسيراً لعدم قدرة المهاجرين على التوفيق بسهولة بين هويتهم العرقية والشعور القوي بالانتماء إلى ألمانيا أو قدرتهم على تطوير هوية مزدوجة الثقافة أو عدم شيوع تحديد الأفراد لهُوياتهم بشكل مزدوج كـ "ألماني تركي" أو "ألماني سوري" وذلك رغم وجود حقل دراسات واسع يهتم الآن بدراسة المجتمع الألماني باعتباره "مجتمع ما بعد الهجرة" إلا أن هذا النمط من التفكير ليس مكرساً اجتماعياً بعد.

 لم تكن ألمانيا تنظر إلى المهاجرين إلا كضيوف جاءوا للعمل هنا لفترة من الزمن ثم سيعودون إلى بلادهم في وقت ما. وربما يقدم لنا هذا تفسيراً لعدم قدرة المهاجرين على التوفيق بسهولة بين هويتهم العرقية والشعور بالانتماء إلى ألمانيا

وبما أن التحديد الناجح للهوية يعتمد على الاعتراف من الآخرين، فإن تشكيك هؤلاء، سواء كانوا من الطائفة العرقية للفرد أو من المجموعة الوطنية/ الأغلبية، في الهوية المزدوجة الثقافة وانكارها أو التشكيك في ولاءات أصحابها واتهامهم بالولاءات المنقسمة قد يؤدي إلى شعور الأفراد بأن خيارات هويتهم مقيدة مما يؤدي إلى انخفاض مستوى الرفاه النفسي.

أخيراً، لا بد من الإشارة إلى أن فشل هذه العملية يؤدي في أغلب الأحيان إلى تطور هوية سلبية أو فقدان الهُوية، ما يقود إلى كراهية الذات والعدوان تجاه العالم الخارجي والتطرف واختراع هويات "جديدة" متخيلة جزئياً، وبعيدة المدى تاريخياً عن الثقافة العرقية أو الأصلية، واللجوء إلى هذه الهُويات وتمجيدها مقارنة بثقافة الأغلبية الألمانية أو الفرنسية أو الهولندية أوغيرها.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

بين دروب المنفى وذكريات الوطن

خلف كلّ مُهاجرٍ ولاجئ، حياة دُمِّرت وطموحاتٌ أصبحت ذكرياتٍ غابرةً، نُشرت في شتات الأرض قسراً. لكن لكلّ مهاجرٍ ولاجئ التمس السلامة في أرضٍ غريبة، الحقّ أيضاً في العيش بكرامةٍ بعد كلّ ما قاساه.

لذلك هنا، في رصيف22، نسعى إلى تسليط الضوء على نضالات المهاجرين/ ات واللاجئين/ ات والتنويه بحقوقهم/ نّ الإنسانية، فالتغاضي عن هذا الحق قد يؤدّي طرديّاً إلى مفاقمة أزمتهم والإمعان في نكبتهم. 

Website by WhiteBeard