شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ساهم/ ي في صياغة المستقبل!
امرأة تقع في الحبّ دون رجل في الجوار

امرأة تقع في الحبّ دون رجل في الجوار

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مدونة نحن والنساء

الجمعة 14 يونيو 202410:45 ص

قال لي طفلي الصغير: "ماما، بحب حِبِّك".

ذكرتني الجملة بما كتبه أنسي الحاج لغادة السمان، حسب ما ذكرَتْ: "أحبّ أن أحبك". هو قرار بالحب إذن، جملة تضع خطاً عريضاً لحياتي بعد أن تخطيت الخمسين، وحين خلا قلبي من رجل، أنا التي ظننت أن الحب ملحق بالرجل، الرجل الذي نحبّه، فمن أنا الآن حتى تبرق وترعد جملة طفلي في داخلي، لتمطر بي أسئلة: خلوت من الرجال فهل خلوت من الحب؟

حين قال طفلي بوعيه البسيط: "ماما، بحبّ حبّك"، أي أنه يحب أن يستمرّ بما عليه من حبّ، ببساطة وفطرة المحب قالها، لأنه وجد في استمراره بالحب سعادة واطمئناناً.

هذا ما كان عليه طفلي. ماذا عني أنا المترعة بالكبر والعقلانية؟ هل "بحبّ حبّك"؟ هل أحب أن أكون في الحبّ دوماً، ولماذا؟ رحتُ أترقب نفسي، أنا الخالية من رجل، ما أنا عليه مع الحب، وأستمع لأحاديث النساء والرجال عن الحب، أولئك الواقعون به مع حبيب حقيقي، ومن في الحب دون حبيب يسكن القلب، فأسأل عن ماهيته. أيأتي الحب لوحده أم لا بد أن يأتي حاملاً بيده أحداً ما، ولماذا يأتي؟

قرأت عن الحب العذري والصوفي، الحب المتبادل والحب الأبدي والحب من طرف واحد، وفي كل ما قرأت هناك آخر نقع في حبه، آخر ندركه أو نشعر به، لا بل نحسّه ونلمسه، حتى لو كان متخيلاً على هيئة الرب عند الصوفيين. ماذا لو كنا في الحب دون آخر، ما الذي يجري لنا؟ أنحفل بعوارض الحب ذاتها؟ ما يجري لنا، فيزيولوجياً، حين نقع في حبّ شخص، أيكون ذاته دونه؟ إذن ما الحالة العضوية التي نكون عليها حينها؟

ماذا لو كنا في الحب دون آخر، ما الذي يجري لنا؟ أنحفل بعوارض الحب ذاتها؟ ما يجري لنا، فيزيولوجياً، حين نقع في حبّ شخص، أيكون ذاته دونه؟ إذن ما الحالة العضوية التي نكون عليها حينها؟

علمياً، وحسب ما يقوله الطّب، يعتبر الحب (حتى العلم حين يتحدّث عن الحب يصبح شاعرياً): "الحب مسكّن طبيعي، ففي العناق يفرز الدماغ مادة الأوكسيتوسين (هرمون الحب) وهي مادة كيميائية تخلق شعوراً بالهدوء وتقاوم الألم، وأنّ النظر في صورة الحبيب هو إلهاء لطيف يجعله كمسكّن للألم".

إذن "يعتني الحب بالقلب"، فالأوكسيتوسين يقلّل التوتر والقلق، ويخفض ضغط الدم ويكافح الاكتئاب ويعزّز احترام الذات، و"الحب يساعد جسمك على محاربة المرض"، فالإمساك بيد من تحب يزيد من إنتاج الإندروفين الذي يعزّز نظام المناعة، كما يتم إفراز الدوبامين المسؤول عن الاندفاع المفاجئ للسرور.

كل ذلك يحدث لنا حين نحب، ونتائجه أن يخفق القلب ويحمرّ الوجه وتتعرّق اليدان وتبرق العينان ويزداد النشاط، فهل حاجتنا من تستدعي الحب أم يأتي دون أن يستشيرنا، مدركاً حاجتنا إليه؟ ولكن ما هو الحب على وجه التحديد؟

بالرغم من ادعائي الأمانة بالكتابة عنه، وتأليفي النثر والقصص والرسائل، لكني أعتقد أنه من الصعب، ما لم يكن من شبه المستحيل، تأطير الحب في قصة أو صورة أو نمط أو فكرة أو تعريف، فإن قلنا إنه "شعور بالانجذاب القوي والتعلّق"، تبدو الجملة فقيرة حقاً أمام الحب، وإن قلنا إنه خليط من المشاعر الإيجابية العاطفية والعقلية شديدة التأثير، أيضاً يبدو التعريف ناقصاً ما لم يكن خليطاً من كل المشاعر التي نشعر بها، ولو ادعينا، لنرتاح من السؤال، أنه "كيمياء متبادلة بين اثنين"، لكان لزاماً علينا أن نستحضر اثنين على الدوام، فماذا حين نكون في الحب دون حبيب؟ حين نكون في الحب لا شريك لنا، وأن نمر بكل عوارضه؟ ألم يقل ابن عربي: "لا تستطيع أن تجد الحب إلا من خلال نتائجه"؟ أليست نتائجه بادية علينا؟

أجلس وصديقتي، كطقس مسائي، نشرب الشاي ونستمع لأم كلثوم تغني: "آه من الحب وعمايله". صديقتي تهيم برجل، سارحة تسند وجهها على يدها وتتمايل. لا بأس بتمايلها هي العاشقة، لكن ماذا عني؟ لما يخفق قلبي وتبرق عيناي وأميل برأسي وطرف ابتسامة على شفتي، أنا المرأة الـ "سينغل"؟ كيف أكون بذات المشاعر الطافحة وليس ثمة رجل في حياتي؟   يبدو أني أحتاج الحب لأستمرّ على قيد الحياة، ربما أعيشه في المتخيل لأكون على ما يرام، ربما أستحضره أو يستحضرني.

إذن، قد نأتي بالحب المتخيّل، نتائجه كما الواقع في الحب، كأننا في النظرات والآهات والبدايات واللمسات، وتلك الشحنة العالية التي ما إن ترددها أم كلثوم: "في الدنيا ما فيش أبداً  أبداً أحلى من الحب"، حتى نؤكّد فكرتها ونقول: الله.

 أفكّر: ما حاجتي لأكون به؟ فيمرّ الجواب أمامي، كما القراءة في الجهاز الذي يشير إلى سلامة معدل النبضات و الأكسجة وبقية العمليات الحيوية الضرورية، فأعود لأذكّر نفسي أن الحب مسكن للآلام ويعتني بالقلب ويحارب المرض ويطيل العمر. يبدو من الطبيعي أن أخلق آلية دفاعية لأبقي على سلامة المؤشرات الحيوية دون اعتلال، وعليّ أن أخذ المصل، وهو أن "أقع بالحب".

بالرغم من ادعائي الأمانة بالكتابة عنه، وتأليفي النثر والقصص والرسائل، لكني أعتقد أنه من الصعب، ما لم يكن من شبه المستحيل، تأطير الحب في قصة أو صورة أو نمط أو فكرة أو تعريف

هل أنا في حالة اعتلال وجسدي يقاوم مرضه؟ يبدو ذلك، ولا أعتقد أن سبب اعتلالي عدم وجود حبيب في حياتي، بل لأنّ التسارع في قسوة الحياة أضعاف القدرة على الحماية منها، فما بالك وأنت في بقعة جغرافية تسمى سوريا، تستيقظ فيها بخفقان قلب يردّد: ماذا بعد؟

خفقان يكاد يفجّر صدري، يمتد الألم ليدي اليسرى ورقبتي، حتى لساني تثقله جملة "ماذا بعد؟". أخاف في وعيي أن أكرّرها ليأتي لاوعيي الصادق، ليتصدّر حلمي ويرمي السؤال في وجهي، يحنو علي ويقدم الدواء الأقرب لقلبه، دواء نادر لكنه مجاني. تلك مفارقة الحب: عليّ أن أقع في الحب لأنجو.

أجلس على طرف سريري، أناشد ربي أن يخفّف هذا الألم وأن يمنحني الصحة. لا يحق لي أن أمرض أو أنهار، فلدي بيت وأطفال، ووحدي قبة الحماية لهم ليكبروا، فأنا في وطن دون خط الحياة، دون الحياة. أضطر للعمل الإضافي، ومساء حين أعود وأردّ اللحاف على ولديّ، أتأملهم: لقد اشتقت لأصواتهم وعيونهم، فأنا الغائبة التي عليها أن تركض ساعية لتضع في فطورهم خلال يومين بالأسبوع ولو بيضة واحدة. في المساء أخلد لسريري مملوءةً كسطل بدموعي، ويسايرني الأرق باسماً، ويطبطب على عيني.

أفتح عينيي لبدء المعركة والمنافسة الحقيقية مع الوقت. الكهرباء تحضر ساعة صباحاً، فإن لم أسبقها تكهرب يومي كله، وستبقى طبختي، إن وجدت، نصف نيئة على طبّاخ كهربائي كي أوفّر الغاز، والماء كذلك، إن وجد، علي أن أجري في سواقيها، ولو منحني الله أيادي إضافية مطاطية فسأكون شاكرةً ممتنة، فأنهي كل أعمال البيت.

لا ماء، لا كهرباء. آخذ فنجان قهوتي البارد الذي سبق وصنعته في عجقتي، أمضي للكرسي، يقع جسدي ككتلة ثقيلة هامدة. عليّ أن أُشحنه ثانية فآتي بصوت فيروز: "نسيت من يده أن أسترد يدي، طال السلام وطالت رفة الهدب".

نصف ابتسامة، عينان نصف مغمضتين، يعلو صدري ويهبط مع الإيقاع، يعود لي تنفسي، ينتعش قلبي ويخفق بشكل صحي، يحاول دمي الصعود لوجهي لربما يحمر قليلاً. أدخل عالم الحب مع الأغنية. أتذكّر المشهد الجميل من فيلم "نسيم الروح" بين لينا حوارنة وبسام كوسا، وتترافق نظراتهما مع الأغنية... سأحب الحب، سأكون في الحب وتعود مؤشراتي الحيوية للسلامة.

 أخرج من بيتي. أقضي ربع نهاري أنتظر وسيلة نقل. أقف مع الجموع، وجوه من الحَرّ تتحوّل لزومبي، فقد سالت عيناي وأنفي وحواجبي وجلدي. وجوه اعتباطية كساعات دالي المائعة، وربما أغضب فأبلع غضبي، وأفرزه ذلاً بعرق يبلّل قميصي، فلا موقف ولا شجرة ترخي ظلّها علي. أطمر أخلاقياتي في صدري، أخلاقي العالية توجعني، و أدفع سيدة مسنّة تحاول الصعود للباص، وألكزها بكوعي حين يمرّ مشهد لسان مرؤوسي بلونه العفن، وقلبي يكيل له الشتائم بصمت. صمت وراء صمت يتكدّس حتى أقول: "قلبي رح يوقف".

تلك مفارقة الحب: عليّ أن أقع في الحب لأنجو 

"انتظري": أقول لنفسي، "فمازال على قلبك أن يتوقّف عدة مرات، فالنهار طويل على الذليل".

أنكمش رويداً وأنحني كالمصاب بآلام. أيضاً هي وسيلة لأخادع الألم. أعبر سوق الخضار، أضرب أخماسي بأسداسي، وأحسب بدقة، كآلة حاسبة شاطرة، تكلفة طبخة بمكونات أقل وكميات صغيرة، ثم من باب الرفاهية، أضع على الميزان تفاحتين (مع أن عددنا أربعة)، أقول: "خلي هالأولاد يدوقوا التفاح".

أعود مرة أخرى زومبي وأركب الحافلة. وجوهنا جميعاً سائلة تماماً. أصل بيتي ويسقط جسدي على الكرسي. أفكّر بسيجارة، لكني أمتنع، ليس لأن التدخين يضرّ بالصحة، بل لأنه يضرّ بجيبي أيضاً. اختناق في مسام جلدي، لكن علي العمل ثانية وإلا ما استطعت أن أرفّه ولدي بالتفاحتين.

أخرج مساء. من الجيد أن العتمة تصبغنا جميعاً بالأسود، لن يرى أحد الكمد الذي صبغ وجهي. في آخر المساء، وأنا عائدة، لا بد أن أعرّج على حديقة سُرقت مقاعدها شتاء للتدفئة، وبقي لوح واحد بعرض خمس سنتمترات، أرخي عليه عظم مؤخرتي. أول جلوسي لا بد من الـ "آخ"، بعدها أعتاد الخمس سنتمترات من الخشب تحتي. ها أنا أسمع أم كلثوم من الكشك على طرف الحديقة: "يا دنيا حبي وحبي وحبي، دا العمر هو الحب وبس".

أحرك مؤخرتي قليلاً لتأخذ وضعية أقل وجعاً، ثم أرجع ظهري للوراء، أسنده بعد أن كان محنياً ويداي تعصران رأسي. سيعلو صدري ويهبط... "يا دنيا حبي" مع إيقاع الحب اللذيذ في الأغنية. لا أحد في بالي، ويشتعل الخيال "وحبي وحبي"... عيناي المتعبتان الناعستان تسرحان في الحب. دمي بدأ يسري جيداً: "الحب يعتني بقلبك " و"الحب مسكن طبيعي للآلام".

 أتنهّد. أدندن مع الأغنية، وتبدأ مؤشراتي الحيوية. قلبي يقفز كغزال صغير، صدري يتنفس رويداً رويداً ودمي يجري بهفهفة لذيذة. أمدّ ساقيّ للأمام، واحدة فوق الأخرى، و أشبك يديّ وراء رأسي وأنزوي في الحب، مستسلمةً لخيالي، هادئةً في الركن الذي قال عنه محمود درويش:

"يا حب

يا حب، لا هدف لنا إلا الهزيمة في

حروبك، فانتصر أنت انتصر، واسمع

مديحك من ضحاياك: انتصر، سلمت

يداك، وعد إلينا خاسرين، وسالماً".

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

بالوصول إلى الذين لا يتفقون/ ن معنا، تكمن قوّتنا الفعليّة

مبدأ التحرر من الأفكار التقليدية، يرتكز على إشراك الجميع في عملية صنع التغيير. وما من طريقةٍ أفضل لنشر هذه القيم غير أن نُظهر للناس كيف بإمكان الاحترام والتسامح والحرية والانفتاح، تحسين حياتهم/ نّ.

من هنا ينبثق رصيف22، من منبع المهمّات الصعبة وعدم المساومة على قيمنا.

0:00 -0:00
Website by WhiteBeard