شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

لنبدأ من هنا!
تساؤل استثنائي عن شخصية استثنائية... لماذا لا نشبه صلاح أبو المجد؟

تساؤل استثنائي عن شخصية استثنائية... لماذا لا نشبه صلاح أبو المجد؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مدونة نحن والفئات المهمشة

الخميس 20 يونيو 202411:13 ص

تتردّد بين الحين والآخر جُمَل على شاكلة: "الناس معندهاش وعي"، إلا أن هذا التعميم الغامض يدفن الطبقات الاجتماعية والمواقع الطبقية والهويات الاقتصادية التي يتشكل وفقها الأفراد تحت النص. كل هذا يختفي وراء كلمة "الناس" التي تجعل مشاهير وناجحين، أمثال صلاح أبو المجد، يتغاضون عن "نوعية" هؤلاء الناس و طبيعة أوضاعهم الاجتماعية، إما عن عَمْد أو جهل، ليخبرك أن المشكلة الحقيقية فقط في العقلية "mindset" التي إما تقرّر لصاحبها النجاح أو الفشل.

ربما لا يعلم أبو المجد مسيرتي الذاتية، من عامل بنزينة يتحصّل على يومية 100 جنيه، إلى مندوب دعاية طبية يفاوض على راتب شهري يتجاوز 10 آلاف جنيه، حتى تمكنت من تقديم استقالتي والتفرّغ لما أجد فيه شغفي. قصة مثالية جداً من الممكن أن يضمّها لعشرات الأشخاص الذين يعرفهم شخصياً ويتباهى بما أنجزوه وحققوه، لذلك يهتم أبو المجد في بناء سرديته بسؤال: كيف نجح فلان؟ بينما في قصتي أجد السؤال بطريقة عكسية تماماً: ما هو شكل أو معنى النجاح بالنسبة لعامل بنزينة؟ كيف نرى عقلية أو وعي هؤلاء قبل أن نحكم عليهم؟!

يهتمّ أبو المجد في بناء سرديته بسؤال: كيف نجح فلان؟ بينما في قصتي أجد السؤال بطريقة عكسية تماماً: ما هو شكل أو معنى النجاح بالنسبة لعامل بنزينة؟

هل هناك فرصة لهولاء؟

أتذكر في آخر أيامي في البنزينة، وبينما أشرب قهوة مع أحد زملاء الوردية، وهو يسألني عن الـ CV وماذا سأفعل به وأنا على وشك الحصول على شهادة عليا "بكالوريوس في العلوم"، وهل أعددته باللغة الإنجليزية كي أعمل في شركة أجنبية؟ الأمر غامض وغريب بالنسبة له ولأمثاله الذين يعيشون على اليومية و"السبّوبة"، وبالكاد يقرأون ويكتبون، أو مثلما يقولون "يدوب يفكّ الخط".

كنت الأصغر سناً بين زملاء البنزينة، وأيضاً الوحيد الحاصل على شهادة عليا، وبغض النظر عن قدراتي الذهنية وتحصيلي العلمي، إلا أن كل هذا لم يكن ليتحقق إلا بفضل أسرتي التي تكفّلت بعبء تعليمي والإنفاق على الدروس الخصوصية ومستلزمات الدراسة طوال سنين حتى تخرجي، وهذا في حد ذاته شيء استثنائي لم يحظ به العديد ممن عشت معهم حياة الشارع، من سائقي ميكروباصات وتكاتك وأرزقية على باب الله، يفترشون الشارع وسريحة وبائعين جائلين... إلخ من أشخاص لربما ينظر لهم أبو المجد وأمثاله باعتبارهم "صيع وشوارعجية وسرسجية".

شيء آخر استثنائي بالنسبة لي هو توافر الوقت. فبعد انتهاء وردية عملي في البنزينة، وبعد إتمام ما يتعلق بالمذاكرة والتجهيز للامتحانات كان يتبقى من الوقت ما يسمح لي بقضاء ساعات في قراءة كتاب أو مشاهدة أفلام وثائقية أو محتوى ثقافي على يوتيوب. كل هذا يمكن إدراجه تحت عنوان "تحصيل الوعي"، أو باللغة التي يألفها أبو المجد "تطوير الذات"، لكن يبقى السؤال الجوهري: كيف يتمكن الناس من نوعية زملاء البنزينة من تحصيل وعيهم؟ أو بمعنى أدق: هل هناك فرصة لأمثال هؤلاء؟!

نرى صراعات من مستوى آخر، ليست حول درجات الشهادات والإمكانات الشخصية وعدد الكورسات فحسب، بل حول استعراض الذات والشعور الدائم بالاستحقاق وأوهام الجدارة

"ليسوا عواماً أو عاديين"

هذه الفئات والقطاعات لا يكفيها وأسرتها عمل واحد، بمجرّد انتهاء وردية البنزينة يستعد كل منهم للذهاب لعمله الآخر. وردية تُسلّم وردية، في شركة أو على ميكروباص أو فرش سمك في الشارع. وهكذا يكون اليوم بالنسبة لأحدهم، عمل متواصل، بمعدل يومي يتراوح بين 12-16 ساعة. وقت الراحة قليل، بالإضافة لانعدام أي وقت قابل لتطوير الذات أو تحصيل الوعي لكي ينمّي الفرد ثقافته ورأسماله الرمزي واكتساب معارف ولغات. أو بالأحرى لا يوجد أصلاً وقت. إذن أي وعي يمتلكه هؤلاء؟ وما معنى النجاح إن لم يكن يتلخّص في يومية مجزية؟

بعد شهور في عملي الجديد، استوعبت جيداً شكل الحياة ومفاهيمها المختلفة وحدود الوعي الذي تشكله الظروف والسياقات الاجتماعية. وعي من يبحث عن الجنيه يختلف تماماً عن وعي من يبحث عن استهلاكه.

الأول يعيش "على دراعه"، مثلما يقولون في الشارع. قوة عمله التي أهلكها الشقاء اليومي، لدرجة أصبحت العطلات والإجازات حدثاً نادراً، لا يقوى عليه "ولايا اليومية"، أما الثاني فهو ابن عالَم يرسّخ معاني لا يكاد يفهمها "ابن الشارع" أو يتعرّف عليها. هنا نرى صراعات من مستوى آخر، ليست حول درجات الشهادات والإمكانات الشخصية وعدد الكورسات فحسب، بل حول استعراض الذات والشعور الدائم بالاستحقاق وأوهام الجدارة.

أما أهم ما يمتلكه أبناء العالم الثاني هو الوقت، الذي يسمح لهم بالتفكير في أشياء تستدعي الشغف، والحديث عن ذوقهم الخاص، وأيضا عن تجاربهم الكثيرة في الاكتئاب والارتباط العاطفي والسفريات والأوقات اللطيفة واختبار مشاعر الـ Ups and downs.

روّاد هذا العالم من متسلقي السلم الاجتماعي الجدد، ومن الممكن ألا يمتلكوا قدراً من المال والثروة، إلا أن امتلاكهم لشفرات وشبكة علاقات اجتماعية ولغة وطموح هائل، يشكل "رأسمالهم الرمزي" الذي يجعلهم يتمايزون اجتماعياً وثقافياً، ويشعرهم دوماً أنهم ليسوا عواماً أو عاديين.

لا تبدو نصائح واتهامات أبو المجد لمن لا يستطيع جني آلاف الدولارات شهرياً مجرد "قفز على الواقع"، بل تدليس على هذا الواقع وتجنٍّ أيضاً على الناس. سواء هؤلاء البعيدون تماماً عن المضي وراء شغفهم، أو أولئك الذين يعرفون شغفهم

هل هناك غير أبو المجد؟

أفكر بعد سنوات قضيتها كمندوب دعاية في المشاكل والأزمات التي يتعرّض لها ويشتكي منها زملائي المندوبون، وأعقد مقارنة بينها وبين مشاكل زملاء البنزينة. أجد مشاكل تتعلّق بالقلق الوجودي والشعور بالوحدة، وأشياء تتعلق بالثقة والعلاقة بالآخر… إلخ من شكاوى ذاتية لا تبحث إلا على جلسات "الثيرابيست" وحبوب المساعدة على النوم ومضادات الاكتئاب وسفريات دهب والساحل لتغيير "المود"، وصولاً لوصفات لا يقوى على تكاليفها إلا نوعية معينة وشرائح طبقية محدودة للغاية.

بعكس الطبقات والقطاعات الأفقر التي لا تعرف القلق الوجودي، لا لقلّة وعيها، بل بالأحرى لقلة حيلتها حيال وجودها الذي يتشكل بالأساس على قاعدة صلبة من الحرمان والتقشّف، والتماهي مع الفقر باعتباره قَدر.

وفق هذه الصورة، لا تبدو نصائح واتهامات أبو المجد لمن لا يستطيع جني آلاف الدولارات شهرياً مجرد "قفز على الواقع"، بل تدليس على هذا الواقع وتجنٍّ أيضاً على الناس. سواء هؤلاء البعيدون تماماً عن المضي وراء شغفهم، أو أولئك الذين يعرفون شغفهم، ورغم ذلك فتقديم الاستقالة بالنسبة لهم رفاهية لا يملكون ثمنها.

ربما يُرى كلامي باعتباره نوعاً من الدعاية للسلوك السلبي "negative attitude" وفق القاموس اللغوي للناجحين ورواد الأعمال، لكن في حقيقة الأمر، لا شيء أكثر سلبية من استعراض الفرد لقصة ذاتية، لا مكان فيها للظروف والسياقات الاجتماعية، ولا شيء أكثر استهزاء واستحقاراً للناس من قصة واحدة بطلها شخص يقهر الظروف، ولا أعلم ما المفترض أن يُفهَم من قصص النجاح الاستثنائية سوى أنها تؤكد بؤس الغالبية، وهذا ما يشكّك فيه أبو المجد وأمثاله.

وفي النهاية بالنسبة لسؤال الوعي، لو أن هناك فئات لا بُدّ من إخضاع وعيها للمساءلة، فهل هناك غير أمثال أبو المجد من الممكن أن نشكّك في وعيهم؟


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel


* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

قد لا توافق على كل كلمة ننشرها…

لكن رصيف22، هو صوت الشعوب المضطهدة، وصوت الشجعان والمغامرين. لا نخاف من كشف الحقيقة، مهما كانت قبيحةً، أو قاسيةً، أو غير مريحة. ليست لدينا أي أجندات سياسية أو اقتصادية. نحن هنا لنكون صوتكم الحرّ.

قد لا توافق على كل كلمة ننشرها، ولكنك بضمّك صوتك إلينا، ستكون جزءاً من التغيير الذي ترغب في رؤيته في العالم.

في "ناس رصيف"، لن تستمتع بموقعنا من دون إعلانات فحسب، بل سيكون لصوتك ورأيك الأولوية في فعالياتنا، وفي ورش العمل التي ننظمها، وفي النقاشات مع فريق التحرير، وستتمكن من المساهمة في تشكيل رؤيتنا للتغيير ومهمتنا لتحدّي الوضع الحالي.

شاركنا رحلتنا من خلال انضمامك إلى "ناسنا"، لنواجه الرقابة والترهيب السياسي والديني والمجتمعي، ونخوض في القضايا التي لا يجرؤ أحد على الخوض فيها.

0:00 -0:00
Website by WhiteBeard