شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اترك/ ي بصمَتك!
الديكتاتور ليس المرض، لكنه أحد الأعراض

الديكتاتور ليس المرض، لكنه أحد الأعراض

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مدونة نحن والحقوق الأساسية

الخميس 6 يونيو 202410:56 ص

الفرق بين المرض والعَرَض، هو أنه عند التخلّص من المرض سينتهي ألمك بلا شك، لكن مهما تخلصت من الأعراض فسيظل المرض ذاته يهاجمك مجدّداً، مُحدثاً نفس الأعراض التي ظننت أنك قد تخلّصت منها بالفعل.
في الأيام الماضية، وبعد وفاة الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي، تمنّى كثير من العرب وفاة رؤساء بلادهم هم أيضاً، لأنه، وحسب اعتقادهم، فإن ذلك سيكفل التخلّص من مشاكل البلاد الكبرى دفعة واحدة، وفي ظني أن ذلك الشعور يُشبه تماماً أن يأمل مريض بالسرطان في الشفاء التام بتناوله حبوب تُنهي الحمّى التي انتابته بعد جلسة علاج.
كتب أحدهم ساخراً: "لكل واحد عم يشمت بهلاك رئيس إيران إن شاء الله رئيسك بيلحقه"، فشارك الآلاف منشوره معلّقين عليه بتخيلاتهم لبلادهم دون رئيسها الحالي، شملت تلك الخيالات حكماً ديمقراطياً وحماية للضعفاء وإصلاحاً سياسياً ونصرة للفقراء وحتى إنها امتدت لتحرير فلسطين أيضاً.
ببساطة لو أن ذلك صحيح لحدث بمجرد وفاة أو رحيل الرئيس السابق والأسبق، لكن كل تلك الآمال العريضة تحوّلت لسراب في بلادنا، خاصة ما بعد الربيع العربي، لماذا؟ لأننا ببساطة كنا نحاول في كل مرة علاج الأعراض ونتفادى الحديث عن المرض نفسه، ليس لأنه مستحيل العلاج، لكن ربما لأن المرض منتشر في أجساد مجتمعاتنا كلها تقريباً، بأشكال أخرى، لكنه ذات المرض.

أنت السيسي في بيتك، بشار في عملك وقيس سعيد في الشارع، وفي كل مرّة تجد نفسك موضع مسؤولية، ستعرف أن مرض الديكتاتورية ربما كان يحتاج فقط أن تُعالج نفسك منه أولاً

الأمراض

أن تكون تحت حكم ديكتاتور ما فإن هذا يعني أنك مصاب بمرض الديكتاتورية، لنذهب إلى جوجل ونقرأ تعريف تلك الكلمة: "الديكتاتورية هي شكل من أشكال الحكم المطلق، حيث تكون سلطات الحكم محصورة في شخص واحد". والآن لنسأل أنفسنا: هل ذلك المرض، الديكتاتورية، الحكم المطلق والسلطة المحصورة في شخص واحد، يُمكن ملاحظته في أماكن أخرى خارج نطاق القصور الرئاسية؟

في المنزل والعمل، على سبيل المثال، سنجد أن المرض منتشر وبقوة، آباء وأزواج وأرباب عمل يمتلكون سلطة غير محدودة، تُمكّنهم من القمع والعقاب وتوجيه مسارات حياة من هم تحت سلطتهم وفقاً لتقديراتهم وأهوائهم الشخصية. في بلادنا ذلك صحيح تماماً، من تحديد نوع الملابس وقصّة الشعر وحتى التخصّص الدراسي، يقع كلّ ذلك تحت سلطة الأب، وأحياناً كثيرة مدير المدرسة والدكتور الجامعي، ومعظم المدراء في العمل لا يعرفون عن حقوق العمال غير أنها لائحة قد تُطلب منهم عند مكاتب العمل يوماً ما، لكن على أرض الواقع، قد تفقد وظيفتك لأنك رفضت أن يوجّه لك مديرك إهانة لفظية مثلاً.
ولأن مرض الديكتاتورية يحتاج دائماً إلى قوة تحميه، فالمجتمع نفسه يُشكّل تلك القوة، دون أن يُدرك أن المرض مُعدٍ وسينتشر حتى يصل -كما هو الحال- إلى شكل آخر للديكتاتورية، يتمثل في السلطة وقواتها الأمنية الطاغية. فيُمكنك تخيل دائرة المرض كالتالي، يُمارس الأب الديكتاتورية في المنزل، ويُمارسها عليه مديره في العمل، ويقع الاثنان ضمن المجتمع ضحايا لديكتاتورية السُلطة، فيكتب المدير والأب منشورات تُطالب بتوقف السُلطة عن ممارسة ما يمارسانه هما. تلك بؤرة مرض لا تنتهي ولا يشمّ من فيها رائحة أمراضه، ويختصرون مشاكلهم في عَرَض واحد كونه أشمل، ويتجاوزون أنهم أيضاً أعراض لنفس المرض.

جلسة العلاج الأولى

كثيراً ما تساءلت عن السبب الذي جعل من مواطني البلاد الأكثر ديمقراطية، شبه منيعين ضد طغيان سلطات بلادهم، حتى إننا في تلك الأيام نراهم يتظاهرون ويرفعون لافتات تخص قضايانا، ونقف نحن غير قادرين على مجاراتهم في الإعلان عن مطالبنا بنفس الطريقة.
تعدّد رؤساء تلك البلاد البعيدة، وتغيرت الأحزاب الحاكمة، وتغيّرت حتى المجتمعات بشكل كبير، لكن ظل المواطن هناك على عهده، محصناً ضد تقبل ديكتاتورية من يحكمه.

بعد وفاة الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي، تمنّى كثير من العرب وفاة رؤساء بلادهم هم أيضاً، لأنه، وحسب اعتقادهم، فإن ذلك سيكفل التخلّص من مشاكل البلاد الكبرى دفعة واحدة

الإجابة التي توصلت إليها هي أنهم قد تلقوا ما يُشبه جرعات لقاحات متتالية منذ الميلاد، في منازلهم. للأطفال حقوق وخصوصيات يستطيعون المطالبة بها ضد الأهل إن اقتضى الأمر، وفي جامعاتهم يستطيعون، ببعض الإرادة والاستمرارية، تغيير هيكل الإدارة بالكامل، في الوقت الذي لا نستطيع فيه تحويل دكتور جامعي واحد للتحقيق حتى، ثم هناك قوانين العمل التي -وإن كانت لا ترضيهم بالكامل بعد- لكنها مقارنة بقوانين العمل في بلادنا، تضع حدوداً لسلطات كل مسؤول داخل المؤسسات، على الأقل تحمي الموظفين من التجاوزات التي تحدثنا عنها.
وهكذا تكون قد ربيت إنساناً لا يقبل الديكتاتورية ببساطة أبداً، أصبحت طبيعته محصنة ضد ذلك الشكل من السلطة الفردية غير المحدودة، أُدخل هذا الشعور عليه منذ الطفولة وحتى بلوغه سن التقاعد، فكيف لمجتمع مثل هذا أن يُفكّر رئيسه في ممارسة الديكتاتورية عليه؟ سيواجه مشكلة كبيرة بلا شك.
لذا فإن أردت أن تتخلّص من المرض الذي يُذيقك العذاب في بلدك، جرّب أن تقضي على الأعراض التي في متناولك أولاً، توقف عن أن تكون بنفسك عَرَضاً للمرض في المنزل والعمل والشارع. أنت السيسي في بيتك، وبشار في عملك وقيس سعيد في الشارع، وفي كل مرّة تجد نفسك موضع مسؤولية، تخيل أن قرارك الذي ستتخذه هو رفرفة فراشة، إما أن تتطور مع الوقت لتُصبح إعصاراً سيعود ليدمرك على هيئة سجون وجنود، أو تسير في الاتجاه المعاكس والذي حتماً سيقودها لإحضار نسمات الحرية إليك، وعندها ستعرف أن مرض الديكتاتورية ربما كان يحتاج فقط أن تُعالج نفسك منه أولاً.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

ما زلنا في عين العاصفة، والمعركة في أوجها

كيف تقاس العدالة في المجتمعات؟ أبقدرة الأفراد على التعبير عن أنفسهم/ نّ، وعيش حياتهم/ نّ بحريّةٍ مطلقة، والتماس السلامة والأمن من طيف الأذى والعقاب المجحف؟

للأسف، أوضاع حقوق الإنسان اليوم لا تزال متردّيةً في منطقتنا، إذ تُكرّس على مزاج من يعتلي سدّة الحكم. إلّا أنّ الأمر متروك لنا لإحداث فارق، ومراكمة وعينا لحقوقنا.

Website by WhiteBeard