شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ساهم/ ي في صياغة المستقبل!
مطلقات في غزة… تحت النار والنظام الأبوي وفوضى الحرب

مطلقات في غزة… تحت النار والنظام الأبوي وفوضى الحرب

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

طوال فترة الحرب الإسرائيلية المستمرة على قطاع غزة، تصل جوال سهام (اسم مستعار، 39 عاماً) رسالة متكررة من طليقها تقول: "هاتِ 100 دولار وبسمحلك تشوفي البنات".

قرر والد بناتها الأربع أن يفرّ بهن في بداية الحرب إلى مدينة رفح جنوب القطاع، دون أن يحدد لسهام مكان نزوحه بالتحديد.

وقبل النزوح، لم تتمكن الأم من رؤية بناتها سوى مرتين فقط، ودون علم طليقها الذي بات يبتزها بالمال من أجل رؤيتهن، مستغلاً الفوضى التي سببتها الحرب وغياب دور المراكز الشرطية والقضائية التي اعتادت سهام طرق أبوابها، حال تأخر الوالد في إحضار بناتها لرؤيتهن.

تتفاقم معاناة كثيرات من النساء المطلقات في غزة في ظل حرب الإبادة المستمرة على القطاع. ويقول المرء إنها تتفاقم لأنها، وقبل الحرب أصلاً، اتسمت في كثير من الأحيان بالعنف والسلب السافر لحقوقهن كنساء وأمهات.

ولعل الحصار الذي دام نحو ستة عشر عاماً على القطاع، وارتفاع معدلات البطالة، والنظام الأبوي في المجتمع، والقانون القديم العثماني الذي يمنح الحضانة للأب في سن تسع سنوات للأولاد وأحد عشر سنة للبنات، هذه العناصر كلها أسست لتحديات جمة في حيوات الأمهات المطلقات.

فبحسب إحصائية أخيرة قام بها الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني حول أوضاع المرأة الفلسطينية عام 2022، تعرضت 57.2% من النساء للعنف النفسي (لمرة واحدة في الأقل)، وتعرضت 18.5% منهن للعنف الجسدي (لمرة واحدة في الأقل).

ويُسأل كيف تؤثر الأوضاع المأسوية التي يعيشها المجتمع الغزي على حياة المطلقات؟ وهل يرتفع معدل العنف الممارس تجاههن؟ لن تتمكن الجهات المعنية من إجراء أي إحصاء جديد في ظل الحرب. لكن شهادات النساء تقول كلامها.

"الحرب بحد ذاتها مؤلمة، وتلقي بظلالها على الحالة النفسية عند المواطنين. والمطلقة في غزة، على وجه الخصوص، محرومة من أولادها، في ظروف استثنائية تمنعها من التواصل معهم بسبب انقطاع الاتصالات والنزوح"، تقول الاختصاصية النفسية إسراء الخطيب.

موضحةً أن من الصعب تقديم الدعم النفسي لأفراد المجتمع الغزي تحت القصف. وكل ما يمكن فعله هو التخفيف عنهم وتقديم المشورة.

حصل مني على مبلغ ثلاثة آلاف دولار مقابل السماح لبناتي بالسفر معي، كوني أحمل جنسية مصرية. أخذ المبلغ قبل موعد السفر، وبمجرد نشر أسماء المسافرين على المعبر فوجئت بمنعهن من السفر بسبب رفض الأب

الفوضى وغياب القانون

في حالات كثيرة، ستبدو الحيوات الأسرية في مكان يعيش إبادة جماعية كأنها تصارع من أجل بقائها. وربما يتخذ الصراع شكل العنف، سيما إذا كان متجسداً قبل الحرب أيضاً، ومدعوماً بقانون يسلب المرأة حق حضانتها.

"منذ الأسابيع الأولى للحرب، نزحتُ من بيت لاهيا شمال القطاع إلى الجنوب، لأكون قريبة من بناتي. تنقلت من مركز للإيواء في خانيونس إلى خيمة في الزوايدة. وطوال هذا الوقت، وأنا أحاول الوصول إلى بناتي. لكن دون فائدة"، تقول سهام لرصيف22.

"يتوقف قلبي عندما أسمع عن قصف في رفح. وفي كثير من الأحيان، يكون القصف في مناطق قريبة للمنطقة التي تؤوي بناتي"، تضيف.

لقد تمكنت سهام خلسة من رؤيتهن قبل النزوح، بمساعدة عمّهن الذي أحضرهن إلى المشفى الذي تعمل به. وكانت اشترت لهن ملابس وما يلزمهن من حاجات.

تؤكد سهام أن طليقها يستغل راتبها بحجة أنه لم يعمل وقت الحرب، فيأخذ منها الأموال بحجة شراء لوازم بناته. إلا أنه لا يشتري لهن شيئاً، حتى أنه يأمرهن بغسل ملابس بعض الأقارب مقابل المال، ويهددهن بالضرب إذا تواصلن مع أمهن، حسب تعبيرها.

"كما أنه حصل مني على مبلغ ثلاثة آلاف دولار مقابل السماح لبناتي بالسفر معي، كوني أحمل جنسية مصرية. أخذ المبلغ قبل موعد السفر، وبمجرد نشر أسماء المسافرين على المعبر فوجئت بمنعهن من السفر بسبب رفض الأب. فلم أستطع السفر دونهن"، تقول سهام.

وتشير إلى أنها كانت تشتكي للشرطة، قبل الحرب، وتسترجع حقها في حال منع طليقها بناتها من زيارتها الأسبوعية وفق القانون.

لكن الأب استغل غياب عمل المراكز الشرطية التي قُصفت أو نزح العاملون فيها كونها مهددة بالقصف في أي لحظة، بحسب سهام، التي تعيش الآن وحيدة ودون سند اجتماعي أيضاً، لأن عائلتها لا تزال في شمال القطاع.

وفي ظل غياب مراكز الشرطة وقاعات المحاكم، تسعى مساحات ومراكز غير الحكومية إلى المساهمة في الدفاع عن حقوق المرأة.

فتقول لرصيف22 الباحثة النسوية زينب الغنيمي، المديرة العامة لمركز الأبحاث والاستشارات القانونية والحماية للمرأة: "إن طواقم الدعم التابعة للمركز لا تزال تعمل في شمال القطاع وجنوبه، وتحديداً في مراكز الإيواء، وذلك من أجل مساعدة النساء في حل مشاكلهن، سيما في ظل غياب النظام الحكومي والشرطة رجال الإصلاح".

ولفتت إلى أن المركز ساعد الكثير من النساء في تسهيل سفرهن إلى خارج غزة برفقة أولادهن.

النزوح قاطعاً للأوصال

أسماء (اسم مستعار) هي أم في العشرين من عمرها من سكان منطقة النصر غرب مدينة غزة. بعد مرور أسبوع من الحرب، أخذ طليقها صغيريها رغم أن الحضانة، وفق القانون، لا تزال معها كونهما في الثامنة والعاشرة من عمرهما.

لكن حجة الأب كانت الحرب، وأنه لا بد من النزوح إلى الجنوب خوفاً من تعرض الأطفال إلى الخطر.

تقول أسماء لرصيف22: "لم أستطع الذهاب رفقة الأولاد لأن عائلتي رفضت النزوح في بداية الحرب. لكنا نزحنا فيما بعد إلى مدرسة لوكالة الغوث حين وصلت الدبابات منطقتنا. حاولت إقناع والدي النزوح إلى الجنوب من أجل الأولاد. لكنه رفض".

يتوقف قلبي عندما أسمع عن قصف في رفح. وفي كثير من الأحيان، يكون القصف في مناطق قريبة للمنطقة التي تؤوي بناتي

وتؤكد أنها كامرأة مطلقة لا تملك وصاية على حياتها وقراراتها، وفي معظم الأحيان يقف المجتمع ضدها.

ظلت الأم مدة شهر على اتصال مع أولادها النازحين. "وبعد ذلك انفطر قلبي. لا اتصالات ولا إنترنت يطمأنني عليهما. وفي إحدى المرات، انقطع الاتصال بيننا مدة شهر، فظننت أنهما استشهدا. كما يرفض طليقي تواصلي معهما بحجة أن نفسيتهما متعبة".

تصمت قليلاً، وتتابع بألم: "قبل أشهر، أرسل لي رسالة يخبرني فيها أنه سيسافر معهما إلى مصر. لم أستطع فعل شيء. وكل ما فكرت به هو أمانهما الشخصي".

منذ أربعة أشهر، لا تعرف أسماء عن طفليها شيئاً. تحاول التقاط خط اتصال في نقاط تشغيل الانترنت في مدينة غزة، لكن دون استجابة. أما أقارب زوجها فيخبرونها أنهم لا يعرفون عنه شيئاً. تؤكد أسماء أنها تشعر بالعجز التام وتتمنى الموت لتتخلص من عذابها.

قبل الحرب على قطاع غزة، كانت النساء اللواتي يتعرضن للعنف يطرقن أبواب المراكز الحقوقية التي تدافع عن حقوقهن. لكن بفعل الحرب، تعطل دور هذه المراكز الداعمة وبقي عدد قليل جداً يقدم ما استطاع من إمكانات محدودة متاحة.

وتؤكد الباحثة زينب الغنيمي أن دور المؤسسات النسوية بات محدوداً بعد أن فقدت تعاونها مع المحاكم والأجسام الحكومية منذ بدء الحرب. مشيرة إلى أن أعداداً كبيرة من الأزواج استغلوا الحرب للهرب بأبنائهم بحجة توفير الأمن لهم. وهناك من ترك أولاده للأم دون أن يلتزم بمسؤولياته وبدفع النفقة.

"كما أننا نشهد ردود فعل عكسية من بعض الأمهات الذين يحرمن أولادهن من رؤية الأب انتقاماً منه"، تقول الغنيمي.

"وبالتالي، فإن الحرب على غزة فاقمت من معدلات العنف الأسري، وقد شهدنا حالات طلاق كثيرة في مراكز النزوح والخيام بسبب التوتر العام وانعدام الأمان والأفق، الذين انعكسا على نفسية المواطن"، تقول مضيفة.

أمهات تحت النار

تحت زخات الرصاص التي كانت تطلقها طائرة كواد كابتر في منطقة المغراقة وسط قطاع غزة، هرعت إسراء (اسم مستعار، 36 عاماً) وزوجها من بين الأشجار والبيوت المهجورة، إلى بيت أولادها ووالدهم، بعدما علمت بإصابة أوسطهم.

وفي طريقها، أصيبت برصاصة في كتفها أطلقتها طائرة كواد كابتر. "لقد رأيت الموت بعيني. ورغم إصابتي، أكملت طريقي إليهم. ولدى وصولي، لم يُسمح لي بالدخول ورؤية الأطفال. كما أني تعرضت للتهديد في حال عدت مرة أخرى"، تقول لرصيف22.

منذ أربعة أشهر، لا تعرف أسماء عن طفليها شيئاً. تحاول التقاط خط اتصال في نقاط تشغيل الانترنت في مدينة غزة، لكن دون استجابة

يعيش أولاد إسراء الثلاثة برفقة والدهم وزوجته. وحاولت هي منذ الأيام الأولى للحرب استضافتهم في بيتها بمدينة رفح. لكن والدهم رفض ذلك.

"أحاول الاتصال بهم. لكن زوجة أبيهم ترد علي وترمي في وجهي أقسى الكلام. سلطتها قوية على طليقي. ومع ذلك أحاول الاتصال لأتمكن من سماع صوتهم"، تقول مضيفة.

قبل ثلاثة شهور، خرج أبناء إسراء ووالدهم من بيتهم بعد أن سقطت قنابل دخانية أحرقت شجر البيت. وكانت تلك إشارة من قبل الاحتلال للخروج من البيت قبل نسفه.

وحتى كتابة هذا التقرير، لم تعلم إسراء عن مكان أولادها، وتعيش أوضاعاً نفسية صعبة، سيما أنها نازحة وتعيش في خيمة.

وتشير الاختصاصية النفسية إيناس الخطيب إلى أن الصور والفيديوهات التي توثَّق خلال الحرب، تُظهر هروب الكثير من الآباء لحظة القصف، بينما تبحث الأم عن أولادها. كما أن صوراً كثيرة أظهرت أمهات استشهدن وهن يحتضن أولادهن، تقول الخطيب.

وتؤكد أن بعض النساء اللاتي تتواصل معهن، واللاتي يتعرضن للعنف سواء كن مطلقات أم متزوجات، يفكرن بالموت، من خلال الذهاب إلى المناطق الأكثر خطورةً وعرضةً للقصف، في سبيل التخلص من الألم النفسي وشعورهن بالعجز لعدم تمكنهن من مجرد رؤية أو احتضان أولادهن. 

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

قد لا توافق على كل كلمة ننشرها…

لكن رصيف22، هو صوت الشعوب المضطهدة، وصوت الشجعان والمغامرين. لا نخاف من كشف الحقيقة، مهما كانت قبيحةً، أو قاسيةً، أو غير مريحة. ليست لدينا أي أجندات سياسية أو اقتصادية. نحن هنا لنكون صوتكم الحرّ.

قد لا توافق على كل كلمة ننشرها، ولكنك بضمّك صوتك إلينا، ستكون جزءاً من التغيير الذي ترغب في رؤيته في العالم.

في "ناس رصيف"، لن تستمتع بموقعنا من دون إعلانات فحسب، بل سيكون لصوتك ورأيك الأولوية في فعالياتنا، وفي ورش العمل التي ننظمها، وفي النقاشات مع فريق التحرير، وستتمكن من المساهمة في تشكيل رؤيتنا للتغيير ومهمتنا لتحدّي الوضع الحالي.

شاركنا رحلتنا من خلال انضمامك إلى "ناسنا"، لنواجه الرقابة والترهيب السياسي والديني والمجتمعي، ونخوض في القضايا التي لا يجرؤ أحد على الخوض فيها.

Website by WhiteBeard