شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

قدّم/ ي دعمك!

"عابر سبيل"، الفيلم الذي "تحطّم"

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

ثقافة نحن والتنوّع نحن والتاريخ

الثلاثاء 4 يونيو 202402:03 م

في سنة 1951، أعلنت مدينة حلب عن بداية تصوير أول فيلم سينمائي "عابر سبيل"، ليكون الخامس في تاريخ السينما السورية منذ انطلاقتها سنة 1928. الأول كان "المتهم البريء"، وهو فيلم صامت، ظهر بعد عام واحد من إنتاج مصر فيلمَها الصامت الأول، تلاه "تحت سماء دمشق" للمخرج إسماعيل أنزور، ومن ثم "نداء الواجب" سنة 1939، بطولة أحمد أيوب، المخرج والبطل والكاتب، مع الراقصة كريستين. وأخيراً فيلم "نور وظلام" السوري اللبناني المشترك وأُنتج سنة 1948، وكان من بطولة المطرب السوري رفيق شكري والفنانة اللبنانية إيفيت فغالي.

لم تحقق هذه الأفلام النجاحَ المطلوب لأن الجمهور السوري كان يريد مشاهدة نجوم مصر وأمريكا على الشاشة، ولا رغبة لديه في مشاهدة عمل محلّي من بطولة أشخاص عاديين، يمكن مصادفتهم في أي شارع أو مقهى. وقد رُوّج لفيلم "عابر سبيل" على أنه سيكون مختلفاً عن سابقيه، وسيحقق نقلةً نوعيةً في السينما السورية الوليدة.

علاقة السوريين بالكاميرا السينمائية كانت جديدةً. وفي فترة الانتداب، كانت هناك محاولات عدة لتوثيق الأحداث السياسية. في سنة 1936 مثلاً، قام أيوب بدري بتصوير فيلم قصير عن الثورة الفلسطينية ضد الإنكليز، والتي قادها مفتي القدس الحاج أمين الحسيني.

لم تحقق الأفلام الأربعة الأولى في السينما السورية النجاحَ المطلوب لأن الجمهور السوري كان يريد مشاهدة نجوم مصر وأمريكا على الشاشة، ولا رغبة لديه في عمل محلّي من بطولة أشخاص عاديين، ورُوّج لفيلم "عابر سبيل" على أنه سيكون مختلفاً

استعان بدري بمشاهد صامتة من أفلام أجنبية -دون أخذ الموافقة من منتجيها- من انفجار قنابل وسير دبابات وجنود، وعند عرضها في السينما كان يقف خلف الميكروفون لتأدية المؤثرات الصوتية بنفسه. ظهر بعده المصوّر نور الدين رمضان، الذي صوّر بآلة تصوير ألمانية افتتاحَ المجلس النيابي وانتخاب محمد علي العابد رئيساً للجمهورية سنة 1932. بلغت أفلامه التوثيقية أكثر من أربعة آلاف متر -لم يبقَ منها شيء اليوم- وفي سنة 1948 حاول إنتاج فيلم روائي طويل ولكنه لم ينجح فذهب إلى طهران وفيها صوّر فيلماً إيرانياً طويلاً بعنوان "فاجعة كربلاء". في سنواته الأخيرة، اعتكف عن التصوير وفتح محلاً متواضعاً لتصليح الكاميرات في شارع السنجقدار، وبقي يعمل فيه حتى وفاته.

عابر سبيل

كان "عابر سبيل" فيلماً اجتماعياً من إخراج أحمد عرفان، وبطولة المطرب نجيب السراج والممثلة السورية هيام صلاح. حمل الفيلم كلَّ بذور النجاح بسبب حماسة أحمد بدران وخبرته، وهو الذي درس السينما في ألمانيا وجلب معه آلة تصوير من طراز "كاميفلكس"، صوّر بها فيلماً دعائياً عن الجيش السوري.

وكان اختيار نجيب السراج لأداء البطولة ردّاً على دعوة زميله رفيق شكري لأداء دور البطولة في "نور وظلام" قبل ثلاث سنوات، وهما من الجيل نفسه ومن رواد الإذاعة السورية. مسيرتاهما كانتا متشابهتين، فهما لم يكملا تعليمهما لأجل الفن، وبدءا التمثيل من خلال أوبريت "قيس وليلى الجديدان" سنة 1944.

دخلا إذاعة دمشق معاً وتربّعا على عرش مطربيها، وفي سنة 1952، دُعيا معاً للغناء في حفل تتويج الحسين بن طلال ملكاً في الأردن. في سنوات لاحقة، سُجّل للسراج أنه أول من وضع "فيديو كليب" في سوريا لأغنية "ليالي الشتاء" التي أخرجها له دريد لحام في مطلع عهد التلفزيون، وكان سبّاقاً في تلحين وغناء قصائد نزار قباني، قبل أم كلثوم وفيروز وعبد الحليم حافظ.

صُوّرت مناظر "عابر سبيل" في سوريا ولبنان، وجرى طبع الفيلم وتحميضه في فرنسا، ولكن النسخة النهائية منه كانت رديئةً، فيها أخطاء كثيرة وعدم تطابق بين الموسيقى والمَشاهد، مع ضعف شديد في أداء الممثلين. فشل الفيلم جماهيرياً وتوقفت الشركة المنتجة "عرفان وجالك" عن العمل، مع عودة نجيب السراج إلى الغناء واختفاء معظم المشاركين في الفيلم، باستثناء الممثل الحلبي محمد الطرقجي، الذي ظلّ يعمل حتى منتصف الثمانينيات.

بعد أشهر من إطلاق الفيلم وسقوطه، علّق نائب رئيس رابطة الممثلين السوريين مصطفى هلال، قائلاً: "محاولاتهم هذه كانت وما زالت فاشلةً".

كان لتجربة "عابر سبيل" الحلبية -بما لها وما عليها- تأثير بالغ في نفوس السينمائيين الدمشقيين، وقد حفّزت الفنان زهير الشوا لتأسيس مصنع سينمائي صغير، جاءت كلُّ معداته من إيطاليا، وتعاقد مع مهندس صوت من مصر لإنتاج فيلمٍ "دمشقي" باسم "الوادي الأخضر"، ردّاً على "عابر سبيل". كان من المفترض أن تنتهي أعمال التصوير نهاية عام 1959، ولكنّه لم يُعرَض إلا سنة 1961.

تجارب سينمائية متفرقة

في الفترة نفسها، أقام السينمائي يوسف فهدة، مخبراً سينمائياً في دمشق، أنتج من خلاله فيلمَين ملوّنَين عن دمشق واللاذقية سنة 1952، بتكليف من العقيد أديب الشيشكلي. طلب إليه الشيشكلي إنتاجَ فيلم ثالث عن معرض مدرسة دار المعلمين، بثلاث لغات، العربية والفرنسية والإنكليزية، وأخرج فيلماً رابعاً عن دار حماية الأحداث في سوريا، عُرض في مؤتمر اليونسكو في القاهرة.

كان لتجربة "عابر سبيل" الحلبية -بما لها وما عليها- تأثير بالغ في نفوس السينمائيين الدمشقيين، وقد حفّزت الفنان زهير الشوا لتأسيس مصنع سينمائي صغير، جاءت كل معداته من إيطاليا.

بعد سقوط الشيشكلي، دعا وزير الاقتصاد خليل الكلاس، يوسف فهدة لإنتاج فيلم خاص بالصناعة السورية، عُرض في مهرجان بروكسل الصناعي سنة 1956.

وعلى أثر نجاحاته المتكررة انتقل فهدة إلى بيروت لإخراج فيلم "في ربوع لبنان"، وفيلم "لمن تشرق الشمس" سنة 1958، بطولة الفنانة نور الهدى. وأطلق السينمائي جلال السيوطي، إستوديو تصوير سينمائي مشابهاً في دمشق سنة 1953، وتعاقد مع قائد كشاف سوريا عبد الكريم الدندشي، لتصوير فيلم عن مخيم كشفي أقيم في ريف العاصمة. لم يرضَ الدندشي عن الفيلم وأقام دعوى قضائيةً ضد جلال السيوطي، ربحها وكادت أن تودي بالسيوطي من الناحية المادية، فقرر اعتزال السينما والعمل صيدلانياً في العراق.

مهرجان دمشق السينمائي

على بساطتها، أثمرت هذه التجارب المبعثرة؛ ففي سنة 1955، قررت إدارة معرض دمشق الدولي إقامة مهرجان سينمائي في دورته الثانية، سبق كل مهرجانات مصر وكان الأول من نوعه خارج أوروبا. أراد القائمون عليه أن يكون شبيهاً بمهرجانات كان والبندقية وكارلو فيفاري، وافتتح في 8 أيلول/سبتمبر 1955، وكان العرض الأول للفيلم المصري "بنات الليل"، بطولة مديحة يسري وهند رستم، تلته ثلاثة أفلام فرنسية عُرضت جميعها في سينما "الفردوس" التي قامت إدارة المعرض باستئجارها لأجل المهرجان.

نضجت التجربة وأقيمت الدورة الثانية من مهرجان السينما بعنوان "في سبيل الصداقة بين الشعوب"، وكانت تحت رعاية رئيس الجمهورية شكري القوتلي سنة 1956. شاركت ثلاث عشرة دولةً في المهرجان، منها بريطانيا والاتحاد السوفياتي ومصر، وبلع عدد الأفلام 21 فيلماً طويلاً و300 فيلم قصير.

أشرف المخرج الشاب صلاح الذهني على المهرجان (والد المخرج فراس الدهني)، وهو العائد حديثاً من دراسة الإخراج في معهد الدراسات السينمائية في باريس. افتُتح الحفل بحضور رئيس الحكومة صبري العسلي وشُكّلت لجنة لتحكيم الأفلام وقامت بتوزيع الجوائز البرونزية والفضية والذهبية على الدول المشاركة، ولكن الحكومة السورية قررت إيقاف النشاط سنة 1957، لأنه أثّر على بقية فعاليات المعرض.

من دمشق إلى القاهرة

تكررت زيارات الفنانين والمخرجين المصريين إلى سوريا، إما لحضور افتتاح أفلامهم أو للمشاركة في دورات معرض دمشق الدولي، حيث ثبت لهم أن في دمشق مواهب واعدةً ووجوهاً جميلةً تصلح للعمل في السينما المصرية.

وكان المنتجون المصريون قد عرفوا عدداً من النجوم الأوائل ذوي الأصول السورية، مثل فريد الأطرش وشقيقته أسمهان وسعاد حسني وشقيقتها نجاة الصغيرة، وفي الخمسينيات بدأت عملية استخراج المواهب الجديدة من سوريا، وكان أولها أنور البابا للمشاركة في فيلمَي "إسماعيل ياسين للبيع" و"بنت البادية" سنة 1958.

صُوّرت مناظر فيلم "عابر سبيل" في سوريا ولبنان، وجرى طبع الفيلم وتحميضه في فرنسا، ولكن النسخة النهائية منه كانت غير جيدة، فيها أخطاء كثيرة وعدم تطابق بين الموسيقى والمَشاهد، مع ضعف في أداء الممثلين، ففشل الفيلم جماهيرياً 

بعدها بعام شاهد المخرج هنري بركات وجهَ سيدة دمشقية جميلة في إحدى المجلات الاجتماعية، ورأى أنها تشبه النجمة الأمريكية جينفر جونز. أُعجب بها لدرجة تكليف زميله المخرج عاطف سالم بالسفر إلى دمشق للبحث عنها، وقيل له إن اسمها "تركان شوكت"، وهي تركية الأصل تقيم مع زوجها في أسفل منطقة المهاجرين، خلف ساحة عدنان المالكي.

تعاقد معها عاطف سالم لأداء دور البطولة في فيلمه الجديد "موعد مع المجهول"، وكانت مغامرةً كبيرةً بالنسبة له لأنها ستقف أمام النجم المصري عمر الشريف. قال لها إن اسمها يفتقر إلى بريق إعلامي وأطلق عليها اسمها الفني "هالة شوكت"، ومن يومها باتت هالة شوكت من نجمات الصف الأول في سوريا. ثم تعاقد المخرج المصري كامل التلمساني، مع الممثلة السورية سلوى سعيد (زوجة الفنان طلحت حمدي)، لأداء دور البطولة في فيلم "الناس يلي تحت" سنة 1960، مع يوسف وهبي وماري منيب.

أفلام هالة شوكت وسلوى سعيد محفوظة بشكل جيد في مصر حتى اليوم، وفي دمشق توجد دقائق معدودة من فيلمَي "المتهم البريء"، و"تحت سماء دمشق"، مع ضياع كل الأفلام التوثيقية التي أُنتجت لصالح الوزارات، وكل ما صوّره أحمد أيوب ونور الدين رمضان ويوسف فهدة. أما "عابر سبيل"، وهو آخر ما أنتجته سوريا في مرحلة الخمسينيات، فموجود كاملاً. 

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

ماضينا كما يُقدَّم لنا ليس أحداثاً وَقَعَت في زمنٍ انقضى، بل هو مجموعة عناصر تجمّعت من أزمنة فائتة ولا تزال حيّةًً وتتحكم بحاضرنا وتعيقنا أحياناً عن التطلّع إلى مستقبل مختلف. نسعى باستمرار، كأكبر مؤسسة إعلامية مستقلة في المنطقة، إلى كسر حلقة هيمنة الأسلاف وتقديم تاريخنا وتراثنا بعين لا تخاف من نقد ما اختُلِق من روايات و"وقائع". لا تكونوا مجرد زوّار عاديين، وانزلوا عن الرصيف معنا، بل قودوا مسيرتنا/ رحلتنا في إحداث الفرق. ساعدونا. اكتبوا قصصكم. أخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا.

Website by WhiteBeard