شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

لنبدأ من هنا!
مبادرات في سوق السياسة... باللغة الفصائلية ذاتها

مبادرات في سوق السياسة... باللغة الفصائلية ذاتها

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

رأي نحن والحقوق الأساسية

الأربعاء 29 مايو 202409:18 ص

تعجّ الساحة الفلسطينية مؤخراً بالمبادرات والاقتراحات والبيانات التي تهدف، بظاهرها، لمحاولة وضع تصوّر للخروج من المأزق السياسي، أو الانسداد، الذي تعاني منه القضية الفلسطينية حالياً. هذا الانسداد يتمثّل بعدم وجود جهة موثوقة فلسطينياً، وفي نفس الوقت مقبولة دولياً، لقطف نتائج تضحيات الشعب الفلسطيني على شكل إنجاز سياسي.

فكما هو معروف، إن المزاج العام بعد السابع من أكتوبر وما تبعه من عدوان على غزة، يميل داخلياً لصالح كفة المقاومة، بينما لا تتمتع هذه المقاومة والفصائل المنضوية تحت رايتها بالقبول الدولي، لتكون هي عنوان الفلسطينيين في المحافل الدولية، أو في أية مفاوضات تفضي إلى حل سياسي. صحيح أن مفاوضات وقف إطلاق النار والإفراج عن المحتجزين تتم مع حماس تحديداً، وليس مع السلطة الفلسطينية، لكن هذا يحدث لأن حماس وفصائل المقاومة هي الفاعل على الأرض، وهي التي تملك أن تقول نعم أو لا.

لكن لو افترضنا أن الحرب انتهت الآن، بما يرضي المقاومة ومجمل الشعب الفلسطيني، فهل يمكننا توقع أن تنتقل هذه المفاوضات، مع نفس الأطراف، إلى شكل سياسي يبحث في حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني وإقامة دولته؟ الجواب بالتأكيد لا، على الأقل في المدى المنظور. من جانب آخر، فإن السلطة الفلسطينية، بما تملكه من شرعية ورضا دوليين، لا تتمتع بالقبول الشعبي ولا بالقوة التي تؤهلها لأن تفي بالتزاماتها تجاه أي اتفاق، دون أن تتحول إلى سلطة دكتاتورية تجاه شعبها.

المزاج العام بعد السابع من أكتوبر وما تبعه من عدوان على غزة، يميل داخلياً لصالح كفة المقاومة، بينما لا تتمتع هذه المقاومة والفصائل المنضوية تحت رايتها بالقبول الدولي، لتكون هي عنوان الفلسطينيين في المحافل الدولية

إذن نحن أمام حالة قلّ نظيرها دولياً، وبغضّ النظر عن الأسباب، أو السياق التاريخي الذي أوصلنا إليها، إلا أن الساحة الفلسطينية مقسومة بين فصائل مقاومة تحوز على تأييد الشارع، لكنها مرفوضة من النظام الدولي والرأي العام العالمي، وسلطة مقبولة دولياً لكنها لا تملك رضى وتأييد جمهورها المفترض.

ملاحظة ثانية تخص هذه الحالة، وهي أن العالم توحّد تقريباً حول أحقية الشعب الفلسطيني بتقرير مصيره، وأن يكون له دولته الخاصة إلى جانب إسرائيل، وذلك بما ينسجم مع قرارات الشرعية الدولية، في حين أن الفلسطينيين أنفسهم لم يتوحدوا. وغنيّ عن القول إن جولات المصالحة المستمرة منذ سبعة عشر عاماً لم تفلح في تقريب المواقف، إلا أنه يمكننا التأكيد أن العدوان الأخير على الشعب الفلسطيني، والمستمر منذ ثمانية أشهر، زاد من هذا الانقسام بدل أن يرمّمه.

يتعمّق هذا الانقسام رغم المأساة الإنسانية التي حلت بشعبنا الفلسطيني في غزة، ورغم التعاطف العالمي الذي تم تتويجه بالقرارات القانونية عن المحاكم الدولية، ورغم اعتراف دول أوروبية بالدولة الفلسطينية، ورغم كل ما يجري من مظاهرات واحتجاجات في جامعات وشوارع العالم.

أمام هذه الحالة غير السوية، بدأت، ولو متأخرة جداً، بعض المبادرات من أطراف فلسطينية، غايتها لملمة الوضع الفلسطيني تحت مظلة قيادة يمكنها مواجهة هذه الاستحقاقات المستجدة عالمياً. بعض هذه المبادرات فلسطينية خالصة، وبعضها بتوجيهات عربية وإقليمية، ولكن بشخصيات فلسطينية، وبعضها بدعم من هذه الدولة أو تلك. لكن ما يثير الانتباه حول مجمل هذه المبادرات، ورغم نواياها الصادقة والمدفوعة من حرص حقيقي على الشعب الفلسطيني وقضيته، يتمثل في بعض الملاحظات، أهمها:

أولاً، أن غالبية القائمين على هذه المبادرات، وليس جميعهم بالطبع، هم ممن كانوا من مؤجّجي الانقسام، سواء بالانحياز لأحد طرفيه، والقبول بالامتيازات الشخصية تبعاً لذلك، وعلى حساب المصلحة الوطنية الجامعة، أو بالصمت طوال ما يقارب العشرين عاماً حفاظاً على مكتسبات سابقة. ولو افترضنا أن بعضاً من هؤلاء لم يكن في هذا الفصيل أو ذاك، إلا أن الغالبية من أعضاء سابقين في فصائل يسارية أو قومية، وبالتالي، لغة الانشقاق لديهم تطغى على لغة وثقافة التوحيد والمصلحة الوطنية العليا.

ثانياً، لا تتعامل هذه المبادرات في مضمونها مع شعب بقدر ما تتعامل مع فصائل، أي أن اللغة المستخدمة تعلي من شأن الفصيل كشكل من أشكال البوتقة السياسية الحافظة للحقوق بالضرورة. لم يتم، لا قبل هذه المبادرات ولا بعدها، أي نقاش حول جدوى الفصيل بشكله السابق والحالي، ولهذا فإن الذي يجري لا يتعدى ترحيل نفس الثقافة، بعجرها وبجرها، نحو المستقبل.

ولو افترضنا أن بعضاً من هؤلاء لم يكن في هذا الفصيل أو ذاك، إلا أن الغالبية من أعضاء سابقين في فصائل يسارية أو قومية، وبالتالي، لغة الانشقاق لديهم تطغى على لغة وثقافة التوحيد والمصلحة الوطنية العليا

ثالثاً، انطلاقاً من النقطتين السابقتين، فإن الخطاب المستخدم في هذه المبادرات موجّه أساساً نحو الداخل وليس نحو العالم. إنه لا يخاطب العالم ولا يقدم له اقتراحات أو تصويبات، بل يستغل ما يحدث لصالحنا عالمياً ليستخدمه في خطاب موجه نحو الذات ونحو الشركاء والخصوم على حد سواء، ولهذه الأسباب فهو ينطلق من اللحظة الراهنة ومعطياتها، بمعنى أنه لا يأخذ بعين الاعتبار أية متغيرات قد تحدث غداً، سواء على صعيد المعركة أو على صعيد الوطن أو العالم، وبالتالي فإن نفس الأدوات التي تقوم بصياغة مبادرة ما في لحظة النصر، تختلف لغتها كلياً حين تقوم بصياغة مبادرة أخرى في لحظات التراجع، أو لحظات الشعور بالكارثة الإنسانية، وهي تقوم بذلك دون أن يرف لها جفن.

الشعب الفلسطيني بحاجة إلى نصّ تأسيسي جديد كلياً، يأخذ بعين الاعتبار منجزاته ويبني عليها، ويستطيع أن يلتقط التغيرات العالمية ويبني عليها، وهذا لم يتوفر حتى الآن

رابعاً، تتعامل مجمل المبادرات مع استحقاقات اتفاقية أوسلو دون أن تذكرها صراحة. إنها تحاول التنكّر لهذه الاتفاقية كمرجعية لأي حل قادم، لكنها تبني تصوّرها الخاص كتراكم، أو للدقة، كامتداد لما أنجزته هذه الاتفاقية. ففي حين تطالب بعض هذه المبادرات بتغيير النظام السياسي الفلسطيني، فإنها تسترسل بخطوات سياسية وإصلاحية لا تبتعد كثيراً عن طبيعة النظام الذي تريد تغييره، والذي هو أحد تجليات أوسلو أو أبرزها. لا يفهم المتابع هل المشكلة تكمن في الأشخاص أم في المبدأ، كما لا يفهم لماذا عليه أن يصدق أن الأدوات الجديدة ستكون أفضل من الأدوات القديمة، خصوصاً وأن البرنامج السياسي لا يختلف في تصوّره النهائي عن البرنامج الذي تنادي به منظمة التحرير والسلطة ومعظم الفصائل.

ولأن هذه المبادرات لا تقف ملياً عند الانقسام الفلسطيني، وكأنها تتجاوزه باعتباره تحصيل حاصل، أو كأن أحد طرفيه، أو كليهما، سيتم عزله. ولأنها لا تقف ملياً عند الآلية التي ستقدم من خلالها للعالم برنامجاً موحداً ومتفقاً عليه من الشعب الفلسطيني وأطره السياسية، ولأنها لا تتطرّق للأخطاء التي ارتُكبت بحق الشعب الفلسطيني وبحق مشروعه السياسي والوطني، ولا تطرح حلولاً جريئة لتفاديها، لكل ذلك فإنني أعتقد أن هذه المبادرات لن تجد صداها لدى الشارع. هذا إن كانت تطمح إلى ذلك من الأساس، وليس من أجل أن يلتقطها الخارج ويتعامل معها. كما أنني أعتقد أن الشعب الفلسطيني بحاجة إلى نصّ تأسيسي جديد كلياً، يأخذ بعين الاعتبار منجزاته ويبني عليها، ويستطيع أن يلتقط التغيرات العالمية ويبني عليها، وهذا لم يتوفر حتى الآن.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel


* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

قد لا توافق على كل كلمة ننشرها…

لكن رصيف22، هو صوت الشعوب المضطهدة، وصوت الشجعان والمغامرين. لا نخاف من كشف الحقيقة، مهما كانت قبيحةً، أو قاسيةً، أو غير مريحة. ليست لدينا أي أجندات سياسية أو اقتصادية. نحن هنا لنكون صوتكم الحرّ.

قد لا توافق على كل كلمة ننشرها، ولكنك بضمّك صوتك إلينا، ستكون جزءاً من التغيير الذي ترغب في رؤيته في العالم.

في "ناس رصيف"، لن تستمتع بموقعنا من دون إعلانات فحسب، بل سيكون لصوتك ورأيك الأولوية في فعالياتنا، وفي ورش العمل التي ننظمها، وفي النقاشات مع فريق التحرير، وستتمكن من المساهمة في تشكيل رؤيتنا للتغيير ومهمتنا لتحدّي الوضع الحالي.

شاركنا رحلتنا من خلال انضمامك إلى "ناسنا"، لنواجه الرقابة والترهيب السياسي والديني والمجتمعي، ونخوض في القضايا التي لا يجرؤ أحد على الخوض فيها.

Website by WhiteBeard