شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

انضمّ/ ي إلى ناسك!
كلّ هذه الجرأة في الغزل الشعبي السّوري… من أين جاءت؟

كلّ هذه الجرأة في الغزل الشعبي السّوري… من أين جاءت؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

ثقافة نحن والتنوّع

الجمعة 17 مايو 202401:07 م

أستمع إلى مغنّيةٍ من "فرقة الرقّة للفنون الشعبية"، تُنشِدُ على نمط "الموليّا" الرقّاوية السورية:

"مكتوب مِنّك لِفا، خلخل عظامي خلّ

عالساقيات الولد يمّا، حنظل وميّة خَل

مديت إيدي عالصدر، قالتْ يا ولد خلْ خلْ

عرقان راس النهد، لا تفزّزوا ليّا".

وأفكّرُ: كيفَ ومِن أين وُلدت هذه الجرأة في مقاربة ركن من أركان ثالوث المحرمات (الدين، الجنس، والسياسة)؟ ولماذا لم نعد نستمع ونستمتع بهذا اللون الغنائي المحمول على فرحِ التعاشق مع المحبوب وبهجة القبول الذي يتصادى في قلوب السامعين الذين بدورهم يهيجون طرباً ويقرعون كؤوس الوصال ويصدحون بكلمة "الله"؟

لعل تاريخ الأدب العربي الحكائي أو الشعري مملوء بكلام الغزل الجنسي الصريح والجريء إلى درجة أنه يُعدّ محرّماً وممنوعاً، ويتم تداوله سرّاً بغمزات خجلٍ لا تخلو من تواطؤ ضاحكٍ متبادَل، إذ تحضرني ذكرى من أيام دراستي الجامعية، وكيف كنا مجموعة شباب وصبايا نتبادل بسرّية مُطلقة مخطوطةً نادرةً من "أيريّات" أبي نواس، وبعض أشعار النسخة غير المنقّحة من كتاب "ألف ليلة وليلة"، والتي تتضمن كلاماً داعراً وأبياتِ مداعباتٍ أبسطها الشطر التالي: "وانقضَّ من تحت الغلائل قائماً، أيري وقالَ أتاكِ أتاكِ"!

تحضرني ذكرى من أيام دراستي الجامعية، وكيف كنا مجموعة شباب وصبايا نتبادل بسرّية مُطلقة مخطوطةً نادرةً من "أيريّات" أبي نواس، وبعض أشعار النسخة غير المنقّحة من كتاب "ألف ليلة وليلة"، والتي تتضمن كلاماً داعراً وأبياتِ مداعباتٍ

ولعلّ ذلك السياق من الغزليات الإباحية جرى في نسغِ الأغنيات الشعبية، خاصةً في القرى السورية التي تعيشُ في ظل تنوّع ديني أو خليط من القوميات والطوائف أتاحا إمكانيات التلاقي بين الذكور والإناث في كل تفاصيل العيش اليومي وأوقات الزراعة والفلاحة، ما جعل من تلك الصراحة في التغزّل الجسديّ أمراً مقبولاً ومنتَظراً ومثيراً للضحكات، وبالتأكيد مع حوادث لا تخلو من رؤوسٍ حامية تعالج الشرف المسفوح بضربة سكين!

تغيّرٌ اجتماعيّ وليس غنائياً!

نطلبُ رأي الباحث الموسيقي وعازف العود جمال عوّاد، فيقول لرصيف22: "الجنسُ أهم نشاط إنساني عبر الأزمنة، وتالياً من الطبيعي أن نجده في كل مجال إبداعي من موسيقى ونحت ورسم وشعر... بل هو يتسلل إلى مضامين التطورات التقنية أيضاً، بمعنى أنه كان يتوفر على شكل صور فوتوغرافية زمن الأبيض والأسود، ثم على شرائط فيديو، ثم اليوم في مواقع إلكترونية إباحية متخصصة، إلخ. وفي ما يخصّ الغناء الشعبي بمضمونه الغزلي الجسدي الصريح، فقد كان مصحوباً بدافع غريزي نابعٍ من حرمان وحرقة تجعلانه شاعرياً بدلاً من الرخص والابتذال الموجود في الأغنية الدارجة حالياً. والسبب برأيي أن نظرة الناس أنفسهم إلى المرأة اختلفت وأصبحت تضعها في إطار التشيّؤ والتسليع، وبدأت 'الأغاني الدارجة' تُصبح 'سخيفة'".

نستوضح عوّاد بأن يقدّم لنا مثالاً "مسموعاً"، فيضيف: "في ما مضى كنا نجدُ بيتَ شعر أو "موالَ عتابا" يتحدث عن نهدَي الحبيبة مجازاً أو من خلال صورة شعرية نادرة في جمالها، مثلاً:

"عيونِك يا بنت بيشوفوا بلا بيل

وياما عملت كرمالن بلابل

افتحي عن صدرك وجوز البلابل

مناقيرُن رح يشقّوا هالتياب".

تاريخ الأدب العربي الحكائي أو الشعري مملوء بكلام الغزل الجنسي الصريح والجريء إلى درجة أنه يُعدّ محرّماً وممنوعاً، ويتم تداوله سرّاً.

ومن العتابا الحديثة في المجالس الخاصة، يقول الطبيب الشاعر محمود خليل:

"دعيني لَملمْ نهودِك وحوشا

وضمّا بشغف لصدري وحوشا

أنا اللي مروّض سباعا ووحوشا

عِجزِتْ صيّد زغاليل العباب".

يُكمل عوّاد شرح مقصده: "من هذا الباب لا أرى أن هذا النوع من المجون قد اختفى من الأغاني الشعبية، إنما اختلفت طريقة وجوده، فمع الانفتاح والإتاحة المتوفرة على شبكات الإنترنت لم يعد هناك طلب لهذه الأمور، ومَن يحتاج إلى إشباع هذا الدافع لا يستمع إلى العتابا بل يذهب مباشرةً إلى مواقع 'البورنو'، وتالياً فقد الموضوع طابعه الحِرمانيّ اللذيذ الذي كان ينتج نوعاً من الفنون الغنائية كهذا... إذاً فالتغيّر الحاصل هو تغيّرٌ اجتماعي وليس تغيّراً في الغناء الشعبي نفسه"!

ذهنية نَفورة!

ألجأُ في طلب المزيد من التفسيرات إلى والدي الصحافي علي ديوب، فيقول في تصريح خاص لرصيف22: "لا يجوز فصل أنماط الغناء السائد، في أي مجتمع، عن باقي العناصر التي تصوغ حياة أفراده والعلاقات بينهم، وحين يدور الحديث بالتحديد عن الكلمات المغناة على نطاق شعبي واسع، إنما نكون قد لامسنا أكثر النقاط العصبية حساسيةً في جسد المجتمع، من هنا، يمكن التأكيد بأن التحولات المنظورة والملموسة التي شملت أزياء المجتمع وآراءه، أفراداً وجماعات، فئات وطبقات، قد طالت الغناء ولا بد؛ وأولى الإصابات التي رصدتُها كانت تخص طبيعة النكتة الشعبية أو على الأصح طبيعة الذهنية التي باتت نفورةً من النمط الجريء واللاذع للنكتة بما فيها من خفة ورشاقة وقوة تأثير محمولة على أسلوب بارع، لصالح نمطٍ جديد يميل إلى النيل من الآخر ولا يخلو من الإملال، إذ يتفادى المسّ بالنفس وكل ما يدخل في باب الهوية الجمعية الموهومة، بل يتسم بالاحتشام المتكلف والتأدب الزائف... تخيّل أنّه في شبابي كنتُ أستمعُ إلى أمّي (جدّتُكَ) تغنّي على نمط الدلعونا:

'على دلعونا وعلى دلعونا/ لا تشدّو حبال الهوى بـ ترمونا

آه يا مدلعنة آه يا مدلعنة/ من حكي العالم صابِك ملعنة

ومنام الـ شفتو عليكي فزّعني/ آه يا مهيّفة مرباية زبونا!".

كما كنا نسمع مواويل غزليةً و"عَدّاويّات/أغاني من دون موسيقى" فيها جرأة المساس بما تُعدّ محرماتٍ دينيةً، مثل:

'يا اللي سمّيتي بنتك أنيسة

وأنا الـحبيتا يومَ الخميسِ

لَ ابني عَ صدرا جامع وكنيسة

ومعبد يهودي للـ يصلّونا'".

ويضيف ديوب: "أمّا أجرأ ما سمعتُه يوماً، وعلى لسان إحدى نساء قريتنا التي لم تكن لتخجل بما تقوله من مواويل عتابا لكونها أمراً عادياً، لا يخلو من رسالة ملغزة أو نصيحة قاسية أو حتى شتيمة صارخة... إذ نقلَتْ أنّ أحد 'شُعّار قرية دير ماما' وبعد خسارته الموجعة في موسم حرير دودة القزّ، وهو الموسم الأهم للقرية بأكملها، قال علانيةً في عُرسٍ صادَفَ موعده يومَ نحسِه:

'هزّي بـِ خصرك هزّي

وهالهزّة إلها لذّي (لذة)

ولك ع كسّك ما يصير حرير

وعَ أيري ما يصير قزّي'"!

ظُرفاء "دير ماما"!

بعد أن سمعتُ هذه الحكاية الصارخة، توجهتُ إلى صالح مصطفى، وهو أحدُ منادمي أهالي قرية "دير ماما" الواقعة في جبال مصياف، والشهيرة بطوائفها المتنوعة، وبرجالها ونسائها ذوي/ ذوات "النهفات" اللمّاحة الجريئة والذكية إلى درجة أنهم يلقَّبون بـ"الطيور الناطقة" من شدة نباهتهم وحذاقة ردودهم النابعة من حوادثهم اليومية، والممزوجة بكاسات العَرَق البلدي والمنكّهة بيانسون الطرافة اللاذعة.

يقول الباحث الموسيقي وعازف العود جمال عوّاد: "في ما يخصّ الغناء الشعبي بمضمونه الغزلي الجسدي الصريح، فقد كان مصحوباً بدافع غريزي نابعٍ من حرمان وحرقة تجعلانه شاعرياً بدلاً من الرخص والابتذال الموجود في الأغنية الدارجة حالياً"

يخبرني مصطفى حكايةً جريئةً عن أحد "ظرفاء دير ماما"، اسمه محمد الأسعد، وهو شاعر ربابة لا يؤمن بدينٍ سوى دين المجون واللهو، وكيفَ أنه في أحد أيام شهر رمضان، كان جالساً أمام بيته، حين مرّت من أمامه امرأةٌ اسمها "جونيت" تضع حِملَ حطبٍ على رأسها وتلبس ثوباً طويلاً رفعتْ طرفه وشكّته داخل زنّار قصب على خصرها، فتشبّبَ بها وأنشدها بيت عتابا يقول:

"حِلتلي هالدامجة الخصر بالسير (الزنار)

ومشيتا مشية الغزلان بالسير

ولك دعيني يا 'جونيت' أنقفك بس أير

بشهر رمضان ما علينا عتب".

وحكاية أخرى عن شخص فقير جداً من "دير ماما" هو أحمد العلي، قصير القامة وغير جذاب وفق المعايير الحديثة، لكنه يُعوِّضُ عن دمامته بذكاء "عتاباه"، وكيف أنه في جلسة ندامى بدأوا يتبارون في محاورة غنائية، ومَنْ يقُل المواّل الأقوى يربح. بقيَ أحمد العلي صامتاً لدرجة استفزّت الشيخ كامل الطرّاف الذي سخِرَ منه: "لتكون خِفت يا أحمد العلي؟"، فأنشدَ بيت عتابا واحداً فقط:

"خافوا الحّضر من سطوتي حتى البدو

قوموا إلبدوا منّي يا شِعّار البدو

من قِدم قِدم القِدم من قِدم البدو (البدء)

من قِدم قِدم القِدم متكوَّن أنا".

فما كان من الشيخ الطرّاف إلا أن قال له مازحاً ومستظرفاً موّاله: "معناها أنت إبليس اللعين بذات نفسو يا أحمد!". وفازَ الأخيرُ بالمحاورة.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

تنوّع منطقتنا مُدهش

لا ريب في أنّ التعددية الدينية والإثنية والجغرافية في منطقتنا العربية، والغرائب التي تكتنفها، قد أضفت عليها رومانسيةً مغريةً، مع ما يصاحبها من موجات "الاستشراق" والافتتان الغربي.

للأسف، قد سلبنا التطرف الديني والشقاق الأهلي رويداً رويداً، هذه الميزة، وأمسى تعدّدنا نقمةً. لكنّنا في رصيف22، نأمل أن نكون منبراً لكلّ المختلفين/ ات والخارجين/ ات عن القواعد السائدة.

Website by WhiteBeard