الحب والشبَق المتواري في الأغاني الشعبية العُمانية

الجمعة 8 أكتوبر 202101:03 م

راكمت التجربة الغنائية في سلطنة عُمان مساراً ثرياً ومتنوعاً عبر محطات وموجات عديدة ترسّخت عميقاً في الزمن والذاكرة الجمعية، فالغناء العماني، ضمن التعبيرات والأنماط الفنية الأخرى، نسيج يرنّ في الآذان منذ الطفولة والتنشئة التعليمية التقليدية الأولى. فحتى في حلقات الكتاتيب نجد اللحن يحلّق عالياً، بإيقاع الكلمات والترديد.

إيروتيكا الغناء الصوري

سُئل الفنان اليمني المعروف أبو بكر سالم، ذات يوم، عن أهم روافده الغنائية التي ساهمت في تفرده وتميزه عن مجايليه بطبقات صوته وانتقائه لكلمات الأغاني، فذكر أنه مدين بالكثير للغناء "الصوري". والفن الصوري فنّ عماني أصيل ومتجذّر، نسبة إلى مدينة صور الساحلية، التي عُرفت بظهور مجموعة مهمة من المغنين، كان من أبرزهم سالم راشد الصوري، الذي اشتهر أيضاً بكلمات أغانيه ذات النزعة الحسية الإيروتيكية التي تسببت له في الكثير من المضايقات في بدايات مشواره الفني. لكن بعد السبعين، في زمن السلطان قابوس، أُعيد له الاعتبار وعُيّن مستشاراً ثقافياً في وزارة الإعلام.

راكمت التجربة الغنائية في سلطنة عُمان مساراً ثرياً ومتنوعاً عبر محطات وموجات عديدة ترسّخت عميقاً في الزمن والذاكرة الجمعية، فالغناء العماني، ضمن التعبيرات والأنماط الفنية الأخرى، نسيج يرنّ في الآذان منذ الطفولة والتنشئة التعليمية التقليدية الأولى

وكانت عناوين أغاني الصوري تذهب في اتجاه إيروسي محض، مثل: "ليش يا جارة لا تردّين الزّيارة" و"يا حلوة يا جارة" و"حبيبي اليُومْ ما أشوفه"، وانتشرت سريعاً في الدول المجاورة مثل الكويت والعراق.

أغنيته الشهيرة "يا مركب الهند يا بودجلين"، هي قصيدة غزلية تفيض شوقاً وتتعرى كلماتها أمام مرايا البحر، كتب كلماتها الشاعر اليمني يحيى عمر اليافعي. وقد التقطتها أذن الصوري في أحد المجالس قبل أن يسافر بها إلى البحرين، حيث أُعجب بها العديد من الفنانين وغنّوها. ومن ثم شدّت الرّحال إلى الكويت وأدّتها مجموعات وفرَق شعبية كثيرة. وواصلت رحلتها نحو جدّة في السعودية، حيث غنّاها الفنان محمد عبدو، وبعد ذلك إلى الإسكندرية. وفي هذه الأغنية الجريئة التي ترسخت في الوجداني العُماني وفي الذاكرة الشعبية، يصف الشاعر حبيبته بـ"بارزة النّهدين"، بعد أن فكّت أزرارها أمامه على مهل:

فكك زرارة وراواني/ راواني نهدين كالبلّور/ مثل السّفرجل ورماني/ يا ريتني بينهن مقبورْ/ ما بين ذا النّهد والثاني...

الأوصاف "الشّبقية" هذه تكون في العادة متوارية خلف ستار البلاغة، لكن التشبيهات الواضحة تفصح عنها بسهولة في هذه القصيدة، فكلمات "الرمّان" و"المرجان" و"اللؤلؤ" كلها تحيل بوضوح إلى مفاتن الحبيبة، من ردفين ونهدين وعينين... إلخ. بل إن الزّينة، كالكحل والورس، تثير مكامن الشّغف وإن كانت متستّرة خلف حجاب شفّاف. ثم تكمل كلمات الصوري طريقها الذي بدأته، وهو يتأمل الحبيبة التي تحوّل جسدها إلى بستان مليء بأنواع الفاكهة الناضجة:

لي شهر في شهر في شهرينْ/ وأنا مناظر لبستانك

لا ذقت حبّة ولا ثنتينْ/ نهبت خوخك ورمّانك

والورد شفته على الخدّينْ/ وهو مطرح على أوجانك.

الفن الصوري فنّ عُماني أصيل ومتجذّر، نسبة إلى مدينة صور الساحلية، التي عُرفت بظهور مجموعة مهمة من المغنين، كان من أبرزهم سالم راشد الصوري، الذي اشتهر أيضاً بكلمات أغانيه ذات النزعة الحسية الإيروتيكية التي تسببت له في الكثير من المضايقات في بدايات مشواره الفني

الغزل الصريح

يأتي اختيار كلمات هذا الغزل الصريح كمتنفس للرغبة، يواكب أغاني الأعراس في العادة. ووجب هنا أن نذكُر ألوان الفنون العمّانية المحلية الخالصة، ومن أهمها "الرزحة" التي يشارك فيها عدد كبير من الرجال في شكل صفوف متساوية، يتبارزون بالسيوف والتروس. وكلمات هذا الفن عبارة عن مطارحات شعرية في الفخر والشجاعة والمدح والهجاء والأحجيات والألغاز.

وفي بلدات وقرى منطقة "الباطنة" الساحلية، تقام الأعراس التي تمتدّ سهراتها حتى بوادر الصباح. وتتولى فيها الغناء في العادة فنانات اعتدن التنقل بين الأفراح، تأتي أصواتهن متدفقة كحكاية شعبية، ويكون وجودهنّ "مبجلاً" ومرفوعاً عنهنّ قلم المحاسبة، إذ لا جنح عليهنّ لو طلبن، مثلاً -ويفعلن هذا في كثير من الأحيان- كراتينَ سجائر لتمضية السّهرة على أكمل "مزاج". فيأخذن حينئذ كامل حريتهنّ في التصفيق والغناء. لكن نادراً ما تم تسجيل هذه الجلسات الخاصة، فلم يخرج للعلن إلا القليل ممّا تم رفعه وإتاحته للجمهور على منصات الإنترنت.

ومن بين الأغاني الشهيرة التي تجسد الشوق واللهفة، وتتسم بالرشاقة والجمل اللحنية الكثيفة، تلك التي تقول:

ترى طابت لنا السّمرة مع اللي حطت الحمرة/ وحبّتني وضمّتني وحطت صدرها بصدري.

وتأتي كلمة "حبتني" هنا بمعنى "قبلتني"، لتقريب الصورة من الضمّ ووضع الصدر على الصدر. ثم يكتمل المشهد الممهّد لها بإدراج حوار جدليّ ينتهي بالخوف والشّك، إذ تكون القبلات في البداية هي الكلمات: "أنا حبّيت مبسمها/ وبالقبلات أكلّمها"، إلى أن يحلّ الخوف الهجران والتخلّي: "بسّ أخاف تنساني/ وتخليني على الجمر".

ونجد أيضاً من بين الأغاني القريبة إلى قلوب العُمانيين أغنية "كم تمنيتك معي" لأحمد الحارثي الذي اعتزل فجأة وتوارى عن الأنظار.

عن الهجران

وحين يرخي الليل سدوله، سواء في ميادين الأعراس أم في جلسات السمر التي يرعاها القمر في السيوح والمراتع المفتوحة أو المغلقة، يصير للكلمات جسرها الذي تعبُر به إلى القلوب المشتعلة، والليالي تطول لتنتهي حين يحل الصباح "ابن الزنيمة"، كما قال عنه الشاعر سركون بولص يوماً في قصيدته عن ليلة تمنّى لو أنها لم تنقض: "أيها الصباح الجميل يا ابن الزنيمة/ خلتُ هذه الليلة لم تنقض/ خلتُها نسيتْ كيف تنقضي الليالي".

في أغنية جريئة ترسخت في الوجداني العُماني وفي الذاكرة الشعبية، يصف الشاعر حبيبته بـ"بارزة النّهدين"، بعد أن فكّت أزرارها أمامه على مهل: فكك زرارة وراواني/ راواني نهدين كالبلّور/ مثل السّفرجل ورماني/ يا ريتني بينهن مقبورْ/ ما بين ذا النّهد والثاني...

في تلك اللحظات تسري أغنية "يا ناس مو الحيلة"، حين ينام الحبيب وحيداً وهو يتذكر طيف محبوبته ذات العرف الشهي: "يا ناس مو الحيلة من نومة الليلة/ قمر وبو جديلة خلاني وحداني (ما حيلتي هذه الليلة مع وجه القمر الذي ترفرف من جبينه جديلة الشعر).

ثم يكمل:

بالله يا أهل الخير/ شيلوني ما أقوى أسيرْ/ قلبي أنا بيصير/ عاجز وحيران

 تمشي دلع مكشوف/ ومبين النفنوف/ راعي الهوى معروف/ من كل إنسانْ

راعي الهوى يعرفْ/ ولو كان يتلفلف/ لازم لكم يكشف/ ولو كان فنان.

وفي حفلات الزفاف، حين تكون ليلة الخميس التي تشتبك بيوم الجمعة، هي ليلة الفرح، تتهادى أغاني الشّجن التي لا تخلو من أنين الهجران والتحول وفقدان الحبيب:

الزّين في ليلة الجمعة يزفّونه/ وأنا عْيوني من أسبابُه سهيراتي

حدّوه عني وانا حديت من دونه/ ما لي قدا إلا البكي وكثر التهناتي..

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard