شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ادعم/ ي الصحافة الحرّة!
طلاب بلا مستقبل منظور... عن إبادة الحياة الأكاديمية في غزة

طلاب بلا مستقبل منظور... عن إبادة الحياة الأكاديمية في غزة

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

لا يمكن الغزيين أنفسهم أن يحيطوا بحجم الدمار الحاصل على حياتهم العلمية والأكاديمية وبناها التحتية والكنوز المعرفية التي تحتويها. لكنهم يعلمون، ويعلم العالم أيضاً، أن غزة لدى انتهاء الحرب لن تجد نقطة عند تراكمها الحضري تنطلق منها من جديد نحو المستقبل. فقد أجهزت إسرائيل بحربها المجنونة على جزء كبير من هذا التراكم.

وذلك بتدميرها خمس جامعات فلسطينية من أصل ست. ثلاث منها سوّيت بالأرض. كما ألحقت الضرر بنسبة 75٪ من البنى التحتية التعليميّة. فاضطر نحو 88 ألف طالب إلى تعليق دراستهم. يضاف ذلك إلى العدد الكبير من الأرواح التي قتلت من بين الأكاديميين والمكتبيين والأساتذة والطلبة. ومع هذه الخسارة في العقول والمباني والأراشيف، يُنظر إلى مستقبل غزة العلمي والأكاديمي المنظور بضبابية مؤلمة.

حرب الإبادة بحق العلم

بدأت الحرب الإسرائيليّة على الجامعات في وقت مبكر من بدء العمليّات العسكرية في قطاع غزّة. فقد حوّل الاحتلال جامعة الإسراء إلى ثكنة عسكرية ومركز اعتقال. ثم نسفها في 17 كانون الثاني/ يناير 2024، مدمراً مكتباتها والمتحف الوطني الذي كان يضم أكثر من 3 آلاف قطعة أثرية نادرة.

لم تسلم كذلك جامعة الأزهر في غزة، وقد شاهدنا تدميرها من خلال شريط فيديو. إذ دمر الاحتلال فرعها في منطقة المغراقة وسط القطاع في 21 تشرين الثاني/ نوفمير 2023، وألحق بها الجامعة الإسلامية.

كما استهدف الاحتلال جامعة الأقصى وجامعة القدس المفتوحة بفرعيها بمدينة غزة وشمالها.

"إن ما تقوم به إسرائيل في قطاع غزة ليس حرباً بالمعنى التقليدي أو المعتاد، بل حرب إبادة. حرب إبادة بمعناها القانوني وليس المجازي، متّبعةً إستراتيجية التدمير الكلي أو الجزئي للشعب والمجتمع في غزة"، يؤكد لرصيف22 جهاد أبو سليم، طالب مرحلة الدكتوراة في برنامج التاريخ والدراسات العبرية واليهودية في جامعة نيويورك ومحرر مشارك لمجلة "Light in Gaza".

 لا يمكن فهم محاولة إسرائيل تدمير الجامعات في النظر إلى تدمير المباني وحسب، بل في محو كل ما هو متعلق بوجود المجتمع الفلسطيني".

جامعة الأزهر قبل الاستهداف


ويضيف: "إن استهداف الاحتلال الإسرائيلي للتعليم بشكل مقصود، هو استهداف لقواعد المجتمع. فالمؤسسات التعليمية والبحثية والأكاديمية جزء أساس ومهم من المنظومة المجتمعية. وبالتالي، لا يمكن فهم محاولة إسرائيل تدمير الجامعات في النظر إلى تدمير المباني وحسب، بل في محو كل ما هو متعلق بوجود المجتمع الفلسطيني".

تقول لونا يوسف (21 عاماً)، وهي طالبة هندسة معمارية لرصيف 22:"شعرت بالحزن عندما شاهدت مباني الجامعة وهي تتحول إلى كومة ركام. أعيش حالة قلق وخوف على مستقبلي التعليمي. فالجامعة ليست كومة حجارة، بل ذكريات ومستقبل أجيال وكفاح طلبة للوصول إلى أحلامهم وأهدافهم".

ماذا خسرت غزة وفلسطين؟

على الرغم من الحصار والاحتلال الطويلين اللذين عاشتهما غزة، فقد امتازت جامعاتها بالتطور الأكاديمي والعمراني. إذ ضمت بين جدرانها أحدث الأقسام العلمية والتقنية، وتنافست مع جامعات دولية كثيرة، حاصدةً جوائز عدة.

ففي عام 2018، حصلت الجامعة الإسلامية على المرتبة الأولى فلسطينياً والـ29 عربياً وفق تصنيف "يوني رانك" العالمي.

ثمّ إن الجامعات التي دمرها الاحتلال تضم كميات مهولة من الكتب والأبحاث والدراسات المكتوبة وتلك التي كانت من الممكن أن تُكتب في المستقبل. "توثق الجامعات الأكاديمية والمعاهد البحثية الماضي وتعزز الحاضر وتبني المستقبل"، يقول أبو سليم. ويردف: "كما أنها تحتوي على سجلات لذاكرة المكان وسجلات وجود شعب كامل، من النواحي العلمية والفكرية والإنسانية والمعرفية، وإسرائيل تهدف لمحو كل ذلك".

جامعة الأزهر بعد الاستهداف


لم يخسر القطاع الأكاديمي والمعرفي المكان والذاكرة المادية وحسب، بل خسر أرواح مفكرين وعلماء وأكاديميين كثراً. فقد اغتالت إسرائيل منذ بدء حربها على غزة ثلاثة رؤساء من الجامعات، وأكثر من 95 من الأساتذة، من بينهم 17 شخصية تحمل درجة البروفيسور، و 59 شخصية تحمل درجة الدكتوراة، و18 شخصية تحمل الماجستير. منهم رئيس الجامعة الإسلامية البروفيسور وأستاذ الفيزياء سفيان تايه، الذي يعد رائداً في الفيزياء والرياضيات التطبيقية، كما استهدفت عميد كلية الطب عمر فروانة، وعميد كلية التمريض ناصر أبو النور، والبروفيسور رفعت العرعير.

"بدأت الحرب بعد شهر من دخولي السنة الرابعة. كنت متحمسة جداً لهذه السنة التي سأقدم فيها مشروع تخرجي"، تقول لونا، التي بذلت مجهوداً كبيراً في الدراسة والسهر على أمل أن تتخرج بتفوق وتكمل دراسة الماجستير. وتضيف: "لكن حلمي لن يتحقق مع كل أسف. فالاحتلال لا يريدنا جيلاً متعلماً. حتى أساتذتنا الجامعيين قتلتهم إسرائيل".


المحاضر والشاعر رفعت العرعير


مستقبل أكاديمي مجهول

توقف يزن باسم (19 سنة) عن دراسة طب الأسنان بعد أن أعلنت إسرائيل حربها. ويقيم اليوم في غرفة بالجامعة. لكن ليس كطالب، بل كنازح رفقة مجموعة من النازحين الفارين من الموت في قطاع غزة، فاتخذوا من الجامعات مأوى لهم.

"أنا قلق جداً على مستقبلي الجامعي. خسرت كتبي الدراسية تحت ركام منزلي المدمر، وفقدت رسومي الجامعية التي دفعها لي والدي بشق الأنفس لتحقيق حلمي بدراسة طب الأسنان. وخسرت بعض أصدقائي وأساتذتي"، يقول يزن لرصيف22.

ويؤكد: "لم تعد الجامعة صالحة للدراسة. كل شيء مدمر، المقاعد الدراسية، المختبرات التعليمية، وكل مرافقها. وإن انتهت الحرب، فالعودة على هذا الحال صعبة جداً. وربما تحتاج غزة لسنوات من أجل إعادة العملية التعلمية".

لم تعد الجامعة صالحة للدراسة. كل شيء مدمر، المقاعد الدراسية، المختبرات التعليمية، وكل مرافقها. وإن انتهت الحرب، فالعودة على هذا الحال صعبة جداً. وربما تحتاج غزة لسنوات من أجل إعادة العملية التعلمية

يفكر يزن على نحو جدي باستكمال تعليمه الجامعي بالخارج. لكن هذا الخيار، أيضاً هو خيار حافل بالتحديات، لا سيما بعد إطباق الحصار على غزة والخارجين منها، وبعد احتلال معبر رفح مع بدء العملية العسكرية الإسرائيلية في المدينة.

يؤكد جهاد أبو سليم أنه من الصعب تخيل مصير الطلبة، بسبب حجم الدمار الذي لحق بالجامعات، واغتيال الأكاديميين وتدمير البنى تحتية. وبالتالي، "قد يحتاج استئناف العملية الدراسية إلى 5 سنوات، في الأقل، لتعود بشكل شبه طبيعي، وليتم سد الفجوات بين الطلبة وتعويض غياب أكاديميين كانوا يدرسون مساقات علمية".

الجامعة الإسلامية


نهج استعماري قديم

جاءت حرب إسرائيل ضد التعليم عبر تصريحات علنية، منها ما جاءت به خطة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لليوم التالي بعد الحرب. فأكد من خلالها أنه لا ينوي أن يمنح سلطة لطرف يعلم الإرهاب في غزة، على حد وصفه، وأن إسرائيل ستسيطر على المنهاج التعليمي في القطاع.

تتبدى نيّة إبادة التعليم وبناه التحتية وصناعه عند السياسيين الإسرائيليين والجنود على السواء. فقد انتشرت صور كثيرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي لجنود يقفون أمام الجامعات المقصوفة أو لجندي يقول من أمام أحد الجامعات: "لن تصبحوا مهندسين بعد الآن".

يقول الباحث الاجتماعي والحقوقي منير الرملاوي (65 عاماً) لرصيف22 إن سياسة تدمير الجامعات وقتل الطلبة والأساتذة هو أسلوب استعماري إسرائيلي قديم. وربما اختلفت الحرب في غزة بأنها أقدمت على أكبر قدر ممكن من الإبادة بحق التعليم".

لا تقتصر هذه السياسة على القطاع الأكاديمي في غزة وحسب، فقد اقتحمت قوات الاحتلال يوم الخامس عشر من كانون الثاني/ يناير 2024 جامعة النجاح في نابلس، واعتدت على موظفيها واعتقلت عدداً من طلابها.

جنود إسرائيليون أمام مبنى الأنشطة والاحتفالات في جامعة الأزهر

"منذ احتلالها لفلسطين، شنت إسرائيل حرباً قمعية بحق التعليم. أصعبها كانت فترة الستينيات والسبعينيات، إذ كان التضييق على الطلاب والمعلمين كبيراً جداً"، يقول الرملاوي، مضيفاً: "كنا نخبئ الكتب والروايات، لا سيما التي تتعلق بالتاريخ الفلسطيني، داخل ملابسنا الداخلية، لدى تفتيشنا على الحواجز. ولم يخل يوم من اقتحام الجنود للجامعات، بالعصي والهروات، وإطلاق النيران".

جامعات فلسطينية تعرض حلولاً

أمام حجم الدمار المهول على قطاع التعليم في غزة، قدمت جامعات فلسطينية في الضفة الغربية المحتلة مبادرات لتخفيف معاناة الطلبة وإلحاقهم بالعملية التعليمية. فطرحت جامعة النجاح والقدس المفتوحة دمج طلبة من جامعات غزة عن طريق التعلم الافتراضي عن بعد. لكن تبقى المعضلة الأساس أمام الغزيين/ات، الانقطاع المستمر لخطوط الإنترنت والاتصال.

تعلق الطالبة ابتسال جلال (20 عاماً)، من جامعة الأقصى، قائلة: "من الصعب جداً تحول الدراسة لدراسة عن بعد، في ظل بنى تحتية معقدة في قطاع غزة، تشمل تعطل شبكات الإنترنت، وعدم وجود كهرباء. وبالتالي، سيحرم غالبية الطلبة من متابعة العملية التعليمية، وقد تكون هذه المبادرة غير مجدية بالنسبة لنا كطلبة".

وتضيف أنها تفضل التعليم الوجاهي، حتى فوق ركام الجامعات المدمرة. ويظل السؤال، متى ستنتهي الحرب ويبدأ الغزيون بإزالة هذا الركام الذي قدرته الأمم المتحدة بـ37 مليون طن، وقالت إنه يحتاج إلى 14 عاماً كي تتم إزالته. فهل يحتاج العلم والتعليم في غزة لكل هذه السنوات حتى يتعافيا من الإبادة؟

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

ألم يحن الوقت لتأديب الخدائع الكبرى؟

لا مكان للكلل أو الملل في رصيف22، إذ لا نتوانى البتّة في إسقاط القناع عن الأقاويل التّي يروّج لها أهل السّلطة وأنصارهم. معاً، يمكننا دحض الأكاذيب من دون خشية وخلق مجتمعٍ يتطلّع إلى الشفافيّة والوضوح كركيزةٍ لمبادئه وأفكاره. 

Website by WhiteBeard