شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

قدّم/ ي دعمك!

"منخفض القطارة"... مصر تنبش حلم تنميتها الخرافي وسط مخاوف من كارثة بيئية

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

حياة نحن والبيئة

الثلاثاء 30 أبريل 202412:15 م

على مدى عقود، راود حلم إنشاء دلتا جديدة علماء مصريين وأجانب، من خلال مشروع يخترق الصحراء الغربية، وتنشأ حوله مجتمعات عمرانية جديدة، ويساهم في توليد الكهرباء ويغيّر شكل الحياة في المحروسة التي بدت متعسرةً اقتصادياً على مدى سنوات. هذا المشروع هو "منخفض القطارة".

في 10 نيسان/ أبريل الجاري، تم توقيع اتفاقية بين شركتي "إيجيت" للاستشارات (المصرية)، و"إليت كابيتال" (الإنكليزية)، لإجراء دراسة جدوى جديدة لمنخفض القطارة، في وقت يعاني فيه الاقتصاد المصري من أزمات طاحنة لأسباب عدة، منها العمل على مشروعات ضخمة عدة في آن واحد، لتظهر أيضاً مخاوف بيئية واقتصادية من تورط النظام المصري في هذا المشروع، خاصةً أن أغلب المشاريع القومية تفتقد الشفافية ولا تمر بمناقشة مجتمعية. فما حقيقة هذه المخاوف؟ 

حلم مستهلَك منذ قرن

يمتد "منخفض القطارة" على نحو 18،000 كيلومتر مربع، بطول يبلغ 298 كلم تقريباً، وعرض يصل إلى 80 كلم عند أوسع نقطة، تحت مستوى سطح البحر الأبيض المتوسط، ويتألف في الأساس من مستنقعات ملحية وكثبان رملية. 

"مخاطر المشروع تتجاوز مكاسبه، وجودة التربة الموجودة في المنخفض من أبرز المعوقات، فالأرض ليست مصمتةً فهي رملية عالية المسامية، وأي مياه فيها سوف تتسرب إلى المياه الجوفية وستصل إلى الأراضي الطينية، وتالياً ستزيد ملوحة التربة وفي مراحل سوف تؤثر على جودة المحاصيل الزراعية؛ وفي النهاية الدلتا هي رأس مال الدولة"

كان المشروع حديث العلماء طوال السنوات الماضية، وقُدِّمت حوله عشرات الدراسات والأبحاث، فبحسب الدكتور نادر نور الدين، أستاذ المياه والأراضي في جامعة القاهرة، "المشروع الذي بدأ طرحه عام 1902، كان يستهدف نقل مياه البحر الأبيض المتوسط إما عبر مجرى مائي أو 'مواسير' بهدف تنمية المنطقة حال تغيير طبيعتها وتبخّر المياه فيها وتوليد الكهرباء، وتكرر الأمر في عهد الملك فاروق ثم في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، إذ وجّه الأخير بتشكيل لجنة لدراسة الأمر لكن لم يُنفَّذ شيء". 

شركة "إيجيت" للاستشارات، أعلنت أن دراستها الحديثة المفترض العمل عليها ستركز على كيفية تجاوز العقبات التي تواجه المشروع واستخدام التكنولوجيا المتقدمة لتنفيذه، والخروج بتحليلات لكل الجوانب الفنية والاقتصادية والبيئية للمشروع، بالإضافة إلى تحديد المخاطر المحتملة ووضع خطة شاملة له، وأكدت أنها ستنتهي من الدراسة في الأشهر المقبلة مع تحديد الجدوى الفنية واحتياجات السوق والأثر البيئي، بالإضافة إلى تحديد التحديات.

ولطالما كانت الجيولوجيا الصخرية للأراضي في المنطقة عائقاً أمام المشروع، حتى أن أحد الاقتراحات تضمّن استخدام قنابل نووية في تفجير الصخور، لكن لا يرى علي محمد، أستاذ الأراضي في جامعة القاهرة، أن الطبيعة الجغرافية قد تمثل عائقاً أمام إتمام المشروع؛ فالمعدّات والآلات الهندسية تستطيع شقّ الصخر مثلما حدث في بعض المشاريع في سيناء وشرق العوينات، لكن الأزمة تكمن في تكاليف المشروع والتأثيرات البيئية التي قد تطرأ عليه. 


مياه مصر الجوفية في خطر

الجدوى من طرح مشروع قومي عملاق في الوقت الحالي لاستصلاح منطقة صحراوية قاحلة وتنميتها، فكرة رفضها أكاديميون كثر. يُعرب نور الدين في حديثه إلى رصيف22، عن تعجبه من هذا الطرح، قائلاً: "مشروع من 122 سنةً نتقدم بيه مرة أخرى، واترفض مرات عدة، ولا أعلم سبب طرحه في الوقت الحالي".

ويبدي تخوفه من فكرة نقل مياه مالحة إلى داخل الأراضي المصرية، مؤكداً أن "مخاطر المشروع تتجاوز مكاسبه، وجودة التربة الموجودة في المنخفض من أبرز المعوقات، فالأرض ليست مصمتةً فهي رملية عالية المسامية، وأي مياه فيها سوف تتسرب إلى المياه الجوفية وستصل إلى الأراضي الطينية، وتالياً ستزيد ملوحة التربة وفي مراحل سوف تؤثر على جودة المحاصيل الزراعية؛ وفي النهاية الدلتا هي رأس مال الدولة". 

ويستنكر ربط المنخفض بالبحر المتوسط، ساخراً: "مفيش بلد عاقلة تدخّل مياه مالحة داخل أرضها. هولندا ظلّت سنوات حتى تخرّج مياه المحيط الأطلنطي خارج أرضها". 

"المشاريع مثل منخفض القطارة تنتج عنها تغيّرات بيئية، وهناك مخاطر من حدوث زلازل في هذه المنطقة"... رغم الوعود الاقتصادية، خبراء يحذرون من مشروع منخفض القطارة لأسباب بيئية خطيرة

ويتفق علي محمد مع نور الدين، حول الأزمة التي قد تحدث لمخزون المياه الجوفية، لكنه يبدي تخوفه من التغيرات المناخية التي قد تحدث في هذه المنطقة تحديداً في مقترح حفر قناة توصل مياه البحر المتوسط إلى المنخفض، ويقول إن "المشاريع مثل منخفض القطارة تنتج عنها تغيّرات بيئية، وهناك مخاطر من حدوث زلازل في هذه المنطقة". 

ويوضح خلال حديثه إلى رصيف22، أن "النظام البيئي الفريد لمنطقة منخفض القطارة يضم مجموعةً متنوعةً من النباتات والحيوانات، بعضها نادر ومتكيّف مع الظروف القاسية في الصحراء، وقد يؤدي تغيير هذا النظام البيئي إلى عواقب وخيمة، بما في ذلك فقدان التنوع البيولوجي".

التغيرات البيئية التي قد تطرأ على البلد، ألمح يحيى القزاز أستاذ الجيولوجيا في جامعة حلوان، في مقالة حديثة له، إليها حال ملء المنخفض بمياه البحر المتوسط، إذ يؤكد تعرّض مصر لزلزال بسبب هبوط وانخفاض بعض المناطق عن سطح الأرض، مشيراً إلى أن إمكانية حدوث زلازل قد تصل إلى 50% وهي نسبة مرتفعة في بلد ليس من ضمن حزام الزلازل. 

توليد كهرباء لسد فجوة الاستهلاك

يُعدّ توليد الكهرباء، من أبرز المشاريع التي تلتصق بمشروع تنمية المنخفض، وفي الوقت الحالي تعاني مصر من أزمة في الكهرباء بسبب عوامل عدة منها نقص الوقود المورَّد إلى المحطات وارتفاع الاستهلاك، بعدما كانت تستهدف منذ عامين تصدير الفائض إلى أوروبا ودول خليجية، ما دفع الحكومة إلى قطع الكهرباء من ساعة إلى ساعتين عن المواطنين في خطة وصفتها بـ"تخفيف الأحمال"، لذلك حظي المشروع بانتشار واسع أملاً في توليد كهرباء عبر ضخّ مياه البحر عبر توربينات. 

لكن الغريب في الأمر، بحسب ما يرى نور الدين، أن "المشروع إذا كان يستهدف توليد الكهرباء، فالتكنولوجيا تطورت حالياً ويمكن توليدها من موجات المد والجزر في البحار والأمر مشابه لتوليد الطاقة من الرياح وبتكلفة أقل، كما فعلت دول أوروبية عدة".

فكرة بناء دلتا جديدة وتوليد كهرباء منها، أغرت الرئيس الراحل محمد أنور السادات، خاصةً عقب حرب أكتوبر واسترداد سيناء، لذا خطا خطوةً جادةً وأصدر قانون إنشاء هيئة تنفيذ منخفض القطارة، لتتولى تنمية المنطقة والتعاون مع جهات خارجية للحصول على تمويل، إلا أن المشروع اختفى وأصبح حبراً على ورق ربما بسبب تكلفته الضخمة.


اقتراحات غير تقليدية

جلّ الدراسات والأبحاث دارت حول مياه البحر المتوسط ومياه النيل لملء المنخفض، لكن أحد الباحثين اقترح زراعة المنخفض من خلال استخدام مياه النيل وليس تخزين المياه فيه، وذلك بعد معالجة طبيعة الأرض من الملوحة.

جلّ الدراسات والأبحاث دارت حول مياه البحر المتوسط ومياه النيل لملء المنخفض، لكن أحد الباحثين اقترح زراعة المنخفض من خلال استخدام مياه النيل وليس تخزين المياه فيه، وذلك بعد معالجة طبيعة الأرض من الملوحة

واقترح المهندس إسماعيل حماد، في بحثه بشأن إنشاء سد دوار في نهاية فرعي النيل في دمياط ورشيد، يعتمد على منع صب المياه في البحر الأبيض المتوسط وتوجيهها عبر ترع إلى منخفض القطارة للاستفادة بنحو 5 مليارات متر مكعب سنوياً في زراعة المنخفض وليس تخزين المياه.

ويقول خلال حديثه إلى رصيف22، إن "تخزين مياه النيل في المنخفض أمر خطير أيضاً نظراً إلى أن درجة الحرارة فيه مرتفعة وأي مياه عذبة مصيرها التبخّر"، مشيراً إلى أن المياه التي سيتم توفيرها من نهر النيل بالإضافة إلى مياه الأمطار، مصادر يمكن أن تساعد على زراعة مساحة كبيرة من المنخفض الذي تصل مساحته إلى نحو 20 ألف كيلومتر. 

أما علي محمد، فاقترح توجيه كل مياه المصارف الزراعية إلى منخفض القطارة والابتعاد عن مياه النيل ومياه البحر المتوسط، خوفاً من حدوث أي تغيير في البيئة، وهذا أقل المخاطر بعيداً عن مياه نهر النيل ومياه البحر المتوسط، وجعل البحيرة مثل بحيرة قارون. 

عقب ثورة كانون الثاني/ يناير 2011، أعيد التنقيب في المشاريع القومية المفترض أن تُحدث نقلةً شاملةً في مصر ومنها مشروع "محور التنمية" للعالم فاروق الباز. أما المشروع الآخر فكان "منخفض القطارة". في منتصف 2012، أعلنت الحكومة عن تشكيل لجنة من وزارات وهيئات لدراسة الأمر، وكانت التكلفة المبدئية في ذلك الوقت تتجاوز 30 مليار دولار، وهو مبلغ ضخم جداً وقتذاك، ووُصف بأنه مشروع نهضة مصر الحديثة. 

ويطالب نور الدين بالتروي في دراسة هذا المشروع، ويقول إن مشروعات عدة تُطرح بهدف "الفرقعة الإعلامية" من دون دراسة جدوى اقتصادية أو الاستناد إلى مرجعية علمية سليمة. ويضيف: "الناس تتعلق بمثل هذه المشاريع أملاً منها في الخروج من الحالة الاقتصادية المتردية، دون وجود تكلفة أو دراسة، وهذا يُعدّ ثقةً وحنيناً إلى الماضي وهؤلاء غير المتخصصين يسيرون وراء العواطف وليس العلم". 

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

البيئة هي كل ما حولنا، وهي، للأسف، تتغير اليوم باستمرار، وفي كثير من الأحيان نحو الأسوأ، وهنا يأتي دورنا كصحافيين: لرفع الوعي بما يحدث في العالم من تغييرات بيئية ومناخية وبآثار تلك التغييرات علينا، وتبسيط المفاهيم البيئية كي يكون الجميع قادرين على فهمها ومعرفة ما يدور حولهم، وأيضاً للتأكيد على الدور الذي يمكن للجميع القيام به لتحسين الكثير من الأمور في حياتنا اليومية.

Website by WhiteBeard