شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

لنبدأ من هنا!

"هل بقي لنا مكان في ألمانيا؟"... مهرجان الفيلم يدَع الصورة تحكي

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

حياة نحن والمهاجرون العرب

الجمعة 26 أبريل 202402:01 م

انطلق مساء الأربعاء 24 أبريل/نيسان 2024، النسخة الخامسة عشرة من مهرجان الأفلام العربية في العاصمة الألمانية برلين "الفيلم"، ببرنامج يصبغه تناول القضية الفلسطينية عبر أفلام ما زالت تطوف المهرجانات الدولية وأخرى خالدة أعيد ترميمها. وحلقات نقاش بين صانعي/ات الأفلام، أمر كان ليكون طبيعياً لولا الأجواء الخانقة للآراء السائدة في ألمانيا منذ أشهر حيال كل المتضامنين/ات مع الفلسطينيين، بمن فيهم العاملون في المجال الفني والثقافي، وهذا ما يجعل إقامة هذه النسخة حدثاً بحد ذاته.

ويقدم، مهرجان الفيلم نفسه منصة غير تنافسية، جامعة لصانعي الأفلام العرب هادفة إلى عقد نقاشات سينمائية ثرية، وإلى إرضاء جمهور عربي متعطش لمشاهدة أحدث الإنتاجات العربية، ولكن أيضاً الوصول إلى الجمهور الألماني والمحلي بأفلام قلما توزع بشكل معتاد في ألمانيا، ولا تجد طريقها إلى دور العرض. 

الحضور في افتتاح مهرجان الفيلم، برلين. الصورة من صفحة المهرجان الرسمية

ويقدم المهرجان هذا العام 50 فيلماً طويلاً وقصيراً من 13 دولة، مقسمة على اختيار الفيلم ويضم أفلاماً كالسوداني "وداعاً جوليا"، لمحمد كردفاني و"إن شاء الله" ولد لأمجد الرشيد، وبقعة ضوء الذي يضم فيلم "هنا وهناك" للمخرج الفرنسي الكبير جان لوك غودار والنسخة المرممة لفيلم المخرج المصري يسري نصرالله "باب الشمس"، وفيلم "الحياة حلوة" للمخرج الفلسطيني محمد جبلي، وبرنامج خاص يتضمن عرضاً حياً أعده مهرجهان الفيلم، بعنوان "فلسطين سردية منقحة"، لـ77 مقطعاً صورته القوات البريطانية خلال انتدابها فلسطين بين عامي 1914 و1918، يصاحبه تصميم صوتي وموسيقي أعدتها مهندسة الصوت اللبنانية رنا عيد بالتعاون مع مؤلفة الموسيقى سينتيا زافين.

"اعتبرنا أننا إن لم نأخذ هذا الموقف، فليس هناك حاجة لوجودنا هنا. إن أرادوا إلغاءنا فليتفضلوا، ويقولوا بوضوح ليس لديكم مكان في هذا البلد". باسكال فخري مديرة مهرجان الفيلم، برلين

قبل الافتتاح، سأل رصيف22 باسكال فخري مديرة المهرجان إلى أي مدى بات وجوده مهماً في ظل الأجواء الحالية، فقالت أن هذا العام هو الأهم منذ تأسيس المهرجان، لأنهم الصوت الوحيد في العالم الثقافي الألماني الذي يتجرأ على الوقوف مع فلسطين، متحدثة عن خوف شديد لدى العالم الثقافي الألماني من أخذ موقف، بالنظر إلى خسارة البعض تمويلهم. وأوضحت: "اعتبرنا أننا إن لم نأخذ هذا الموقف، فليس هناك حاجة لوجودنا هنا. إن أرادوا إلغاءنا فليتفضلوا، ويقولوا بوضوح ليس لديكم مكان في هذا البلد".

وعما إذا كانت إدارة الشؤون الثقافية في ولاية برلين، التي تساهم أيضاً في تمويل المهرجان، قد حاولت التدخل في عملهم واختياراتهم هذا العام، قالت إنه لم يحدث نقاش بينهم وبين الإدارة أو أي تدخل حتى الآن، منذ النقاش الذي دار عندما طرحت الإدارة فقرة معاداة التمييز، التي تتضمن عدم معاداة السامية، لكنها سُحبت لاحقاً، مستدركة بأن الشرطة هي من سألت عن المهرجان في إحدى دور السينما التي يتعاونون معها، وذلك حتى قبل تعليق بوستر المهرجان، موضحة: "يبدو أنهم سمعوا بأن هناك مهرجان فيلم عربي، ووجدوا أن من حقهم سؤال دار السينما عن برنامج هذا المهرجان، لكن مديرة السينما أخبرتهم بأن المهرجان موجود في برلين منذ 15 عاماً، وبرنامجهم متوفر على الإنترنت، فارتبكوا لأنهم لم يكونوا قد بحثوا حتى عن ماهيته". 

كواحدة من سبع دور تعرض أفلام "الفيلم" في برلين، احتضنت سينما أرسِنال  العريقة الافتتاح، وتحدثت إدارتها في كلمة مقتضبة عن شراكة مدتها 10 سنوات تجمعهم مع "الفيلم"، قائلة إنهم بحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى مساحات يسمعون فيها بعضهم بعضاً ويتعلمون فيها من بعضهم البعض وإلى مساحات تمكن عرض رؤى مختلفة على العالم، وتجعلهم ينخرطون فيها بالحديث، وإلى مساحات خالية من التهميش والاستقطاب، تسمح بحوار مفتوح وتتحمل الجدال، وإلى مساحات للشعور والتعاطف ... مساحات للنبرات الهادئة وأقل للشعارات الصاخبة، على حد وصفها.

سألت الشرطة عن المهرجان في إحدى دور السينما، تقول باسكال فخري عن ذلك: "يبدو أنهم سمعوا بأن هناك مهرجان فيلم عربي، ووجدوا أن من حقهم سؤال دار السينما عنه، لكن مديرة السينما أخبرتهم بأن المهرجان موجود في برلين منذ 15 عاماً، وبرنامجهم متوفر على الإنترنت، فارتبكوا لأنهم لم يكونوا قد بحثوا حتى عن ماهيته".

باسكال فخري، مديرة المهرجان قالت في كلمة الافتتاح إنهم كانوا يخططون لاحتفال كبير بمناسبة مرور 15 عاماً على انطلاق المهرجان، لكن كل شيء تغير بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، والحرب على غزة، إذ تقول:" لم نعد فقط في مزاج احتفالي بأي حال من الأحوال، بل إن حياتنا كلها وحياة المجتمع العربي في ألمانيا بشكل عام، وفي برلين بشكل خاص، اهتزت تماماً حتى النخاع".

 الحضور في افتتاح مهرجان الفيلم، برلين. الصورة من صفحة المهرجان الرسمية

وقالت: "لم يكن الحديث عن فلسطين في ألمانيا سهلاً في يوم من الأيام، ولكنه أصبح اليوم شبه مستحيل.  فانتقاد دولة إسرائيل وأعمال حكومتها مقيّد للغاية. يعيش القطاع الثقافي الألماني في مناخ من الخوف. وأصبحت الرقابة والرقابة الذاتية هي الوضع الطبيعي الجديد. ويجري إلغاء وإسكات الفنانين والمثقفين العرب واليهود الذين يتضامنون مع فلسطين على نطاق واسع. غالبية عرب الشتات الذين هاجروا إلى ألمانيا بعد الربيع العربي، جاؤوا إلى هنا هرباً من القمع. جاءوا إلى ألمانيا على أمل أن تحميهم دولة ديمقراطية وتحمي حرياتهم الشخصية والسياسية. ومع ذلك، يتم حالياً إسكات أصواتهم بشكل منهجي. ويُقال لهم باستمرار أن آراءهم وهوياتهم غير مقبولة في ألمانيا".

وأضافت: "في هذا المناخ، غالباً ما نتساءل كيف يمكن أن يكون هذا ممكناً؟ كيف يمكن في دولة ديمقراطية حيث حرية التعبير حق أساسي من حقوق الإنسان أن تكون الرقابة على هذا المستوى الواسع؟ هل يمكن للمجتمع العربي أن يعيش بحرية في ألمانيا؟ كمهرجان وكأفراد متضامنين مع شعب فلسطين، نستيقظ كل يوم متسائلين هل بقي لنا مكان في هذا البلد؟ هل أصبحنا أشخاصاً غير مرغوب فيهم في ألمانيا؟ ".

"كمهرجان وكأفراد متضامنين مع فلسطين، نستيقظ كل يوم متسائلين هل بقي لنا مكان في هذا البلد؟ هل أصبحنا أشخاصاً غير مرغوب فيهم في ألمانيا؟ ". باسكال فخري.

ولاحظت أنه: "ومن المفارقات، وفي واحدة من هذه المصادفات الغريبة والجميلة، تصادف أن العديد من الأفلام العربية الحديثة الإنتاج التي ستُعرض في الدورة الخامسة عشرة تركز على أشخاص غير مرغوب فيهم... أفراد غير مرحب بهم في البلدان العربية والأوروبية التي يعيشون فيها بسبب هوياتهم وآرائهم السياسية. وهذا ما جعلنا نتساءل، هل مقدر لنا أن نكون أشخاصاً غير مرغوب بهم أينما عشنا فقط لأننا نريد أن نعيش بحرية؟".

وأشارت إلى أنهم حتى وقت قريب، كانوا فخورين بكونهم جزءاً من البنية الاجتماعية المتنوعة جداً لألمانيا، ويشعرون كواحدة من أكبر الأقليات في ألمانيا، بالأمان والحماية من قبل دولة ديمقراطية ودستورية، متسائلة: "ما الذي حدث؟ هل من الممكن أن تتحول الحرية خلال فترة قصيرة من الزمن إلى قمع؟ كيف يمكن للمجتمع الألماني ومؤسساته أن يتخلوا بسهولة عن مسؤوليتهم في حماية حقوق الأقليات في البلاد؟ ماذا حدث لكل السياسات التي تعزز التنوع وتشجعه؟ هل يجب أن نعتاد على تقييد حقوقنا الديمقراطية وحرياتنا الفنية من الآن فصاعداً؟ هل هذه الحقوق الديمقراطية امتياز لا تحق للأقليات؟ مرة أخرى هل بقي لنا مكان في ألمانيا؟ نأمل ذلك، أو على الأقل نريد أن نصدق ذلك. نريد أن نعتقد أنه ما زلنا مرحب بنا في هذا البلد بآرائنا ووجهات نظرنا وهوياتنا المتنوعة". 

معلنة موقف "الفيلم"، قالت: "نحن كمهرجان وكجزء لا يتجزأ من المجتمع العربي في ألمانيا، نريد أن نزدهر ونصنع ونجلب أفلاماً عربية مستفزة إلى برلين ونشارك في حوارات بناءة وشغوفة معكم أنتم جمهورنا، ونريد أن نعيش بحرية هنا في برلين، في ألمانيا، بينما نقف بفخر وعلانية إلى جانب فلسطين".

 افتتاح مهرجان الفيلم، برلين. صورة بعدسة الصحفي سليمان عبدالله

رئيس لجنة "بقعة ضوء" في البرنامج والقيّم على البرنامج اسكندر أحمد عبدالله، عرض اختيارات قسم إضاءات، التي تنطلق من مفهوم اعتبار السينما الفلسطينية غير مرتبطة بجنسية أو مساحة جغرافية معينة، بل بالتزام صانع/ة الفيلم بتأييد العدالة للفلسطينيين، وتأييد حقهم في تقرير المصير والحياة الكريمة.

وتحدث عن مواجهته وفريقه هذا العام تحديات وعقبات وقلق لم يواجهها شخصياً منذ قدومه إلى برلين ومنذ أن أصبحت جزءاً من مهرجان "الفيلم" قبل قرابة عقد، معتبراً أن وضع هذا البرنامج في هذه الأوقات وفي ظل الظروف الحالية كان بالنسبة له ولفريقه أمراً يتوقف عليه إلى حد كبير معنى وجودهم ودورهم كمهرجان سينمائي عربي، ونزاهتهم فيما يتعلق بالقيم التي يدافعون عنها، ومصداقيتهم في أعين مجتمعاتهم في برلين.

قال ربيع الخوري، رئيس لجنة قسم اختيارات، إن عدداً من معارفه في ألمانيا قالوا له إن قرار عرض فيلم فلسطيني في الافتتاح لهو قرار شجاع للغاية من المهرجان، ما تركه حائراً، متسائلاً: "هل من الشجاعة الافتتاح بفيلم فلسطيني اليوم؟"

رئيس لجنة قسم اختيارات، ربيع الخوري قال في الافتتاح إنه أدار حوارات متعلقة بالأفلام في أماكن "صعبة" كما يفترض، في بيروت والقاهرة وعمان وأبوظبي ودبي وكان هذا العام في السعودية، يعلق: "يعتقد المرء أن هناك الكثير من الرقابة هناك وينبغي الانتباه إلى كل شيء، لكن لم يقل لي أحد هناك كيف يُسمح لي بتقديم ضيوفي. ما الذي ينبغي عليه قوله، ما الذي ينبغي علي الانتباه إليه، وفيما إذا كانت هناك كلمات صعبة ولا ينبغي قولها في أي حال من الأحوال"، موضحاً أن ما يعيشه في برلين منذ أشهر ليس كمدير حوار فقط بل كمبرمج مهرجان صعب، بل أيضاً محال، وأن تنظيم المهرجان هذا العام كان مهمة صعبة وخاصة نظراً للوضع السياسي في فلسطين وفي ألمانيا أيضاً، يقول: "كافحنا، وتملكنا شعور بأننا وحدنا في كثير من الأحيان، وأنه ليس بوسعنا المتابعة، ولن نستطيع تحقيق الأفضل".

 متحدثاً عن ضيوف المهرجان هذا العام، قال إن العديد من الفنانين وصناع الأفلام العرب وغير العرب كانوا مترددين عندما تعلق الأمر بالسفر إلى برلين، العديد منهم كان لديه أسئلة، ولا يشعرون بالأمان، ولم يريدوا أن يتم "إلغائهم" قبل أن يضعوا قدمهم في برلين.

قبل عرض فيلم الافتتاح "باي باي طبريا"، وهو من قسم اختيارات، قال الخوري إنْ عدداً من معارفه في ألمانيا قالوا له إن قرار عرض فيلم فلسطيني في الافتتاح لهو قرار شجاع للغاية من المهرجان، ما تركه حائراً، متسائلاً: "هل من الشجاعة الافتتاح بفيلم فلسطيني اليوم؟"، معلقاً في نهاية تقديمه للفيلم بأن هذا ليس قراراً شجاعاً بل يفعلونه بطريقة فطرية وبكثافة في برلين لأن ذلك يهم.

وتعرض لينا سويلم مخرجة فيلم باي باي طبريا، التي حضرت افتتاح الفيلم، والنقاش حوله مع الجمهور، قصص أربعة أجيال من النساء الفلسطينيات في عائلتها منذ النكبة، عائدة مع والدتها الممثلة هيام عباس إلى جذور العائلة، في قرية دير حنا في الجليل، متناولة مواضيع التهجير والمهجر والهوية.

باسكال فخري مديرة مهرجان الفيلم، برلين. الصورة من الصفحة الرسمية للمهرجان

وتختم مديرة المهرجان باسكال فخري بأن يمضي المهرجان هذا العام على خير، دون أن تكون مفرطة في تفاؤلها، متحدثة عن إمكانية تقديم شكاوى ضد برنامجهم في أية لحظة لدى إدارة الشؤون الثقافية في حكومة برلين، بتهمة باتت معروفة!

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

بالوصول إلى الذين لا يتفقون/ ن معنا، تكمن قوّتنا الفعليّة

مبدأ التحرر من الأفكار التقليدية، يرتكز على إشراك الجميع في عملية صنع التغيير. وما من طريقةٍ أفضل لنشر هذه القيم غير أن نُظهر للناس كيف بإمكان الاحترام والتسامح والحرية والانفتاح، تحسين حياتهم/ نّ.

من هنا ينبثق رصيف22، من منبع المهمّات الصعبة وعدم المساومة على قيمنا.

Website by WhiteBeard