شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اترك/ ي بصمَتك!
لاجئون سودانيون يروون رحلة العذاب على رصيف

لاجئون سودانيون يروون رحلة العذاب على رصيف "المفوضية" في مصر

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

سياسة نحن والمشرّدون

الجمعة 19 أبريل 202403:22 م

أجبرت الحرب الأهلية المستمرة في السودان أكثر من 8 ملايين مواطن على ترك منازلهم، بحثاً عن الأمان، بينهم نحو مليوني لاجئ خارج حدود بلدهم. تمركز هؤلاء في الدول المجاورة، بما فيها مصر التي تأتي في المرتبة الثالثة، بعد جنوب السودان وتشاد، من حيث أعداد طالبي اللجوء السودانيين الذين استقبلت منهم 500 ألف موزَّعين بين المحافظات المختلفة، وفق بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

لكن رحلة اللاجيء السوداني في مصر محفوفة بالكثير من العراقيل الروتينية والرسمية، وأخرى تتسبب بها المفوضية السامية التي يتهمها لاجئون سودانيون بالإهمال والتخلي عن واجباتها تجاه اللاجئين والتغافل عن حقهم في إعادة التوطين والاكتفاء بأدوار منظمات الدعم الإنساني.

كيف يحصل طالب اللجوء السوداني على دعم المفوضية؟

منذ اللحظة الأولى لدخوله مصر، سواء بطريقة نظامية أو عن طريق التهريب، يحاول طالب اللجوء السوداني التواصل مع مكتب المفوضية هاتفياً أو بزيارة مقرها المختص بشؤون اللاجئين السودانيين في مدينة "السادس من أكتوبر"، بمحافظة الجيزة.

تستقبل ساحة المفوضية يومياً آلاف طالبي اللجوء من حاملي الجنسية السودانية، الذين يسعون من أجل تسجيلهم ضمن المستفيدين بالخدمات المقدمة لهم بعد أن أجبرتهم الحرب على التخلي عن ممتلكاتهم وأموالهم، وخوض رحلة هروب لا تقل خطورة عن البقاء في أتون الحرب وصولاً إلى مصر حيث ينشدون الأمن والاستقرار.

تتنوع الوجوه على رصيف المفوضية. يفترش الجميع، رجالاً ونساءً، كباراً وشباباً وأطفالاً، الأرض ويشاركون بعضهم بعضاً مآسي رحلتهم إلى مصر، ومنهم من يشرد ذهنه في بعض أفراد أسرته الذين لم يحالفهم الحظ بعد للخروج من دائرة الحرب في السودان، بينما يتابع لحظة بلحظة التطورات المتسارعة على الأرض وما يكتنفها من حوادث سرقة ونهب واعتداء تضج بها وسائل الإعلام المحلية والعربية.

ينتظر الجميع فتح باب المفوضية الساعة التاسعة صباحاً، آملين الوصول إلى مبتغاهم من استقرار ولو مؤقتاً.

يفترشون رصيفها ويقضون أياماً في العراء أملاً في الدخول… لاجئون سودانيون في مصر يتهمون المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، عبر رصيف22، بالإهمال والتخلي عن واجباتها تجاههم والتغافل عن حقهم في إعادة التوطين والاكتفاء بأدوار منظمات الدعم الإنساني

ما هي الخدمات المقدمة لطالب اللجوء؟

يُقسَّم طالبو اللجوء من حاملي الجنسية السودانية عند تسجيلهم أول مرة في المفوضية إلى قسمين بحسب توفر "جواز سفر سوداني" من عدمه، وبناءً على ذلك يتحدد موعد المقابلة التالية لصاحب الطلب والتي عادةً ما يراوح موعدها بين أسبوع وعدة أشهر، من أجل الحصول على وثيقة اللجوء التي تنقسم بدورها إلى "كارت أبيض" لغير حاملي جواز السفر و"كارت أصفر" لحاملي الجواز. 

ويعتبر "الكارت الأبيض" هو فقط وثيقة تحمي حاملها من الترحيل أو الاعتقال من قبل السلطات المصرية بسبب عدم امتلاكه وثائق إقامة قانونية إلى أن تتم دراسة حالته تمهيداً لمنحه "الكارت الأصفر" الذي يعتبر حامله "طالباً للجوء رسمياً" وله الحق في الحصول على دعم منظمات المجتمع المدني المانحة المهتمة بشؤون اللاجئين في مصر مثل "كاريتاس" و"بستك" و"سان أندروز" وغيرها، من مقدمي الدعم المادي والقانوني والنفسي. 

ما الذي يحصل عليه اللاجئ "فعلاً" من المفوضية؟ 

ما سبق هو ما ينبغي أن يحصل، لكنه يبقى "كلام على ورق" في حالة العديد من اللاجئين بمن فيهم سودانيون. فعلى سبيل المثال، يُصنَّف الدعم المادي المقدم لطالبي اللجوء إلى عدة تصنيفات، وهي دعم مباشر يتضمن السكن وإعانة المعيشة ودعم غير مباشر يتضمن مشاريع علاجية، أما الداعمان القانوني والنفسي فيقدمان عند الحاجة.

تقول "ز.ح."، التي وصلت إلى مصر بطريقة غير نظامية، في سيارة نقل دقيق في رحلة استمرت ثلاثة أيام، بعدما كانت محاصرة داخل منزلها المجاور لثكنات الجيش السوداني عدة أشهر، إن رحلة الهروب كلّفتها ما يعادل 300 ألف جنيه مصري (أكثر من 6000 دولار أمريكي)، "من أجل أن أقيم أنا وثمانية من أفراد أسرتي في غرفة واحدة بمحافظة أسوان، قبل أن ننتقل إلى العاصمة، القاهرة".

تضيف لرصيف22: "عانينا في العثور على سكن مناسب بأسعار معقولة إذ كان أصحاب العقارات يرفعون قيمة الإيجار أحياناً أكثر من ثلاثة أضعاف بمجرد معرفتهم أننا أسرة سودانية، وهو ما يتكرر في أغلب عمليات الشراء اليومية لاحتياجات المعيشة".

تروي اللاجئة السودانية أنها قضت 15 يوماً في أسوان قبل الانتقال مع أسرتها إلى القاهرة، لتفاجأ بأن "صاحب العقار يطلب 7000 جنيه مصري (نحو 140 دولاراً) بعد أن كان يبحث عن مستأجر مقابل 2000 جنيه (نحو 40 دولاراً) فقط لأننا من السودان".

كما توضح أن زيارتها الأولى للمفوضية أصابتها بنزلة برد شديدة نتيجة النوم على رصيف ساحتها لمدة يومين حتى تتمكن من الدخول والحصول على "الكارت الأبيض" وتحديد موعد لها بعد أربعة أشهر، علماً أن ذلك أتاح لها فقط الحماية من الترحيل أو الاعتقال دون الاستفادة من أية خدمات أخرى ينبغي أن توفرها المفوضية لطالبي اللجوء.

"مشكلتنا الأساسية مع المفوضية هي عامل 'الزمن' لأن الفارق الزمني بين خطوة وأخرى في التعامل مع المفوضية منذ البداية حتى الحصول على الكارت الأصفر وتفعيل الإقامة كلاجئ، قد يراوح في بعض الأحيان بين شهر وعشرة أشهر. ربما أكثر، لا أعلم"

تختتم "ز.ح." حديثها بالقول: "كنت أعيش حياة ميسورة داخل السودان حيث كنت أعمل في مطار الخرطوم، وهو الأمر الذي ساعدني اليوم على مواجهة ظروف المعيشة بدون أي شكل من أشكال الدعم، ولا أعلم إذا كانت المفوضية تقدم دعماً مالياً أم لا. أنا فقط أنتظر 'الكارت الأصفر' حتى لا أتعرض للمضايقات خلال إقامتي في مصر إلى حين أتمكن من العودة إلى السودان بعد الحرب بشكل رسمي وطبيعي".

وصلت طاهرة حمد إلى مصر قبل اندلاع الحرب إذ جاءت بتأشيرة علاجية من أجل أخيها المريض واستقرت معه في الإسكندرية، إلا أن الإقامة لم تجدد بعد الحرب، فاضطرت إلى تقديم طلب لجوء حتى تقونن إقامتها هي وشقيقها بعدما باتت عودتهما إلى بلدهما غير واضحة المعالم.

تقول لرصيف22: "مشكلتنا الأساسية مع المفوضية هي عامل 'الزمن' لأن الفارق الزمني بين خطوة وأخرى في التعامل مع المفوضية منذ البداية حتى الحصول على الكارت الأصفر وتفعيل الإقامة كلاجئ قد يصل في بعض الأحيان من شهر إلى عشرة أشهر ربما أكثر، لا أعلم".

وتلفت إلى أن أكثر ما يعانيه اللاجئ السوداني في مصر هو نفقات المعيشة لأن "الكارت الأصفر" ليس كافياً دوماً للحصول على فرصة عمل، وهو ما يجعلها تحاول بالتعاون مع آخرين من أبناء السودان المقتدرين إيصال مساعدات بشكل مباشر وخاص لغير القادرين بعيداً عن المفوضية.

وتضيف: "لم أشاهد في فرع المفوضية في الإسكندرية ما يحدث في فرع السادس من أكتوبر من تكدس بسبب قلة عدد طالبي اللجوء السودانيين في المدينة الساحلية"، مردفةً "برنامج الأغذية العالمي يقدم لحامل 'الكارت الأصفر' 450 جنيهاً مصرياً كل شهر (نحو 9 دولارات فقط) فيما تقدم منظمة اليونيسيف دعماً للأطفال لمرة واحدة قدره ألف جنيه مصري (قرابة 20 دولاراً) لكل طفل".

في الأثناء، ترى حمد أن المفوضية ينبغي أن "توفّر مصادر الدخل والعمل للاجئين، وإلا فما الذي تختلف فيه عن المؤسسات المانحة"، مشددةً "الكثير من الأسر تبحث عن مصدر دخل والإعاشة اليومية وحتى السكن… لماذا لا توفر المفوضية تجمعات سكنية بإمكانيات بسيطة للاجئين السودانيين غير القادرين؟".

معاناة الأطفال أكبر

وضع الأسر اللاجئة مع أطفال أسوأ وأكثر غموضاً، هذا ما تشرحه أمينة (اسم مستعار للاجئة سودانية، وأم لثلاث بنات وترعى والدها المسن) لرصيف22. كانت أمينة تعيش في أم درمان، واستغرقت رحلة لجوئها إلى مصر 4 أشهر إذ وصلت وأسرتها إلى المعبر بعد نحو شهر من اندلاع الحرب، إلا أنهم فوجئوا بقرار حكومي مصري بضرورة أن يحمل العابرون بين مصر والسودان تأشيرة، بعدما كان يُكتفى بالهوية الوطنية، وهو ما منع والدها من العبور، فاضطرت هي وبناتها ووالدها إلى العودة مرة أخرى من أجل إنهاء تأشيرة والدها وهو ما استغرق ثلاثة أشهر إضافية، عاشوا خلالها نازحين في مدينة ود مدني. 

أما عن رحلتها للحصول على اعتراف المفوضية السامية بها كلاجئة في مصر، فتعتبر أمينة أن "الحظ فقط" هو ما أتاح لها سرعة إنجاز زيارتها الأولى إذ وصلت متأخرة وحين سألت أحد أفراد الأمن أوصلها بآخر موظف موجود في المكان لينهي لها الإجراءات الأوّليّة، ويحدد لها موعد المقابلة الثانية بعد أسبوعين فقط، وهو ما كان بمثابة صدمة لها بعد أن شاهدت مئات السودانيين من طالبي اللجوء مفترشين الأرصفة والحدائق المحيطة بمقر المفوضية لعدم توفر مكان استقبال لائق لهم أو حتّى سكن في مصر.

تضيف أمينة أن "الأعداد الموجودة بدون مآوى حول المفوضية لا تعبر إلا عن جزء بسيط من الأزمة. على عكس ما يُشاع، هناك الآلاف من اللاجئين السودانيين لا يملكون القدرة المادية والصحية للوصول للمفوضية وقد استقرت بهم الأقدار داخل محافظة أسوان حيث يعانون الإهمال والسكن غير الآدمي وخطر إلقاء القبض عليهم، خاصة من دخلوا مصر بشكل غير رسمي".

حين سألت أمينة، موظف المفوضية، عن فرص إعادة التوطين، أجابها بالنفي، قائلاً إن جهود المفوضية حالياً مقتصرة على إصدار "الكارت الأصفر"، الذي لا يخوّل لها ولأفراد أسرتها على سبيل المثال إعادة التوطين مع زوجها المقيم في أستراليا كلاجئ، على حد قولها. 

تستنكر أمينة عدم وضوح الرؤية بشأن مستقبل بناتها في ما يتعلق بالتعليم على نحو خاص، سيّما وأن المفوضية لا تقدم أي دعم يذكر بشكل منتظم ما يضع اللاجئ في رحلة بحث غير مفهومة بين المفوضية التي تحيله إلى المنظمات الشريكة، وتلك المنظمات التي تقتله بحثاً قبل أن تعيده مرة أخرى خالي الوفاض إلى مقر المفوضية

في غضون ذلك، وتستنكر أمينة عدم وضوح الرؤية بشأن مستقبل بناتها في ما يتعلق بالتعليم على نحو خاص، سيّما وأن المفوضية لا تقدم أي دعم يذكر بشكل منتظم ما يضع اللاجئ في رحلة بحث غير مفهومة بين المفوضية التي تحيله إلى المنظمات الشريكة، وتلك المنظمات التي تقتله بحثاً قبل أن تعيده مرة أخرى خالي الوفاض إلى مقر المفوضية.

يحق لبنات أمينة، وفق المادة السادسة من القرار الوزاري رقم 284 لسنة 2014، دخول المدارس الحكومية المصرية لكنها لا تعرف الإجراءات التي يمكن اتخاذها في هذا الصدد، كما لا تمتلك المال الكافي لمستلزمات الدراسة  إذ لا توفر لها المفوضية فرصة عمل لإعالة أسرتها. تختم أمنية بالتساؤل كيف للمفوضية أن ترفض استقبالنا مرة أخرى في حالات الطوارئ وتطلب منا التواصل عبر الهاتف أو مع الشركاء وهو ما يحدث بشق الأنفس مرة كل ألف محاولة اتصال؟

لا نجدة وقت "الطوارئ"

الأمر نفسه تكرر مع ماريا، السيدة السودانية التي تحمل "الكارت الأصفر"، إذ تعرّضت هي وابنها وأفراد أسرتها لاعتداء من صاحب العقار بمعاونة بلطجية بغرض طردها من الشقة السكنية التي استأجرتها منه قبل أشهر قليلة بغرض إعادة الاستفادة منها. تعرضت اللاجئة وأسرتها إلى الضرب بالعصي والمحاصرة داخل الشقة المستأجرة مع تهديدات بحرقها وهم داخلها قبل أن تتصل بالشرطة لنجدتهم.

تقول ماريا لرصيف22: "لدى وصول الشرطة اقتادتني أنا وابني الصغير وصديقه إلى القسم حيث احتُجزت أكثر من أسبوع قبل الإفراج عني بعد تدخل أخي الذي أتى من أسوان بعد علمه بما حدث معي، وظل ابني الصغير محتجزاً قرابة الثلاثة أشهر قبل إطلاق سراحه دون صديقه الذي ما يزال محتجزاً. كل هذا ولم تتدخل المفوضية بل اكتفت بإعطائنا رقم هاتف محام تتعاون معه، وقد اكتفى المحامي بدوره بالحديث تليفونياً معنا".

تضيف ماريا أنها قصدت المفوضية مراراً وتكراراً من أجل التدخل للإفراج عن ابنها، وفي كل مرة رفضوا السماح لها بالدخول. في المرة الأخيرة، قاموا بطردها حتى أُفرج عن ابنها لأسباب شبه صحية إذ كان يعاني من حالة ارتخاء في العينين.

تشدد ماريا على أن المساعدة التي قدمتها المفوضية لها ولأسرتها الصغيرة منذ البداية لم تتعدَ مبلغاً من المال يكفي كمقدم تعاقد على السكن، في حين يُضطر الأبناء إلى العمل في المصانع بمرتب زهيد في ظل غلاء فاحش وكثرة عدد أفراد الأسرة، وعدم تقديم المفوضية أي دعم مادي منتظم أو فرص عمل لائقة.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

لعلّ تعريفنا شعوباً ناطقةً بالعربية لم يعد يستقيم من دون الانتباه إلى أننا صرنا شعوباً متفلّتةً من الجغرافيا. الحروب الدائرة في منطقتنا والنزاعات الأهلية والقمع، حوّلتنا إلى مشردين، بين لاجئين ونازحين، وأي تفكير في مستقبلنا لم يعد ممكناً من دون متابعة تفاصيل حياة الجميع، أينما كانوا، وهو ما نحرص عليه في رصيف22. اكتبوا قصصكم. أخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا.

Website by WhiteBeard