شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

لنبدأ من هنا!
هل يتوقف العذاب الأخروي يوماً ما؟… أخبار سارّة عن

هل يتوقف العذاب الأخروي يوماً ما؟… أخبار سارّة عن "فناء النار"

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

في سياق حديثه عن القدرة والرحمة المطلقتين للإله، أثار الشيخ علي جمعة، مفتي مصر السابق، جدلاً، في برنامجه التلفزيوني "نور الدين"، بمقولة إن "ربنا أنبأنا إن فيه جنة وفيه نار، طيّب، ويوم القيامة لو أن الله ألغى النار؟ حَ نقول له لأ؟ ما يلغيها، ما يدخل كل الناس الجنة، هو فعَّال لما يريد. وده وارد؟ علماء المسلمين كتير قالوا: آه وارد".

كلام الشيخ جدد الأسئلة حول قضية قديمة تُعرف بـ"فناء النار"، كاشفاً عن تجاهل الثقافة الإسلامية السائدة لتراث كثير من المفكرين والفلاسفة والعلماء المسلمين الذين ناقشوا المسألة باستفاضة، يقوده اتجاه يُريد الاستحواذ على هذه الأفكار ومصادرتها لصالح مقولته بـ"أبدية النار"، متسلحاً بانسجامه الظاهري مع بعض آيات القرآن الكريم التي توحي بأبدية كل من الجنّة والنار.

ثمة آراء متعددة حول فناء النار، لكن دوافع كل فريق وكل رأي متغيرة، فهناك من يرى أن استمرار العذاب وأبديته لا يناسبان المنطق والعقل، ومن يرى أن كل شيء مخلوق ومستحدث واجب عليه الفناء والانتهاء، ومن يعتقد أن الرحمة المطلقة لله تغلب غضبه، وفي كل الأحوال حاول البعض تقديم تبريرات لما يوحي به ظاهر الآيات من بقاء أبدي للعذاب وللنار.

أبدية النار في النصوص الدينية

ظاهرياً، توحي آيات من القرآن الكريم بخلود أهل النار فيها، مما يعني أنها خالدة أيضاً، ومن الآيات قوله: "أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون"، في خمسة مواضع من سورة البقرة (الآيات 39 و81 و217 و257 و275)، وموضع في سورة آل عمران (الآية 116). أما قوله تعالى "وما هم بخارجين من النار"، فوردت في سورة البقرة (الآية 167)، وقوله "كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب" في سورة النساء (الآية 56)، أي أن القرآن يلحّ على فكرة خلود أهلها فيها.

ثمة آراء متعددة حول فناء النار، لكن دوافع كل فريق وكل رأي متغيرة، فهناك من يرى أن استمرار العذاب وأبديته لا يناسبان المنطق والعقل، ومن يرى أن كل شيء مخلوق ومستحدث واجب عليه الفناء والانتهاء

أما الحديث النبوي، ففي إحدى رواياته التي نقلها جلال الدين السيوطي (تـ911ه)، في كتابه "الدرر الحسان في البعث ونعيم الجنان"، أنه "يؤتى بالموت كبش أملح حتى يقف بين الجنة والنار، وينادي منادٍ: يا أهل الجنة هل تعرفون هذا؟ فيقولون: هذا الموت فاذبحوه حتى لا نموت أبداً. وينادي منادٍ: يا أهل النار هل تعرفون هذا؟ فيقولون: هذا الموت لا تذبحوه عسى الله أن يقضي علينا بالموت فنستريح من العذاب. قال: فيُذبح بين الجنة والنار، ثم ينادي منادٍ: يا أهل الجنة خلود بلا موت، ويا أهل النار خلود بلا موت. فحينئذ يفرح أهل الجنة بالخلود فيها، ويغتمّ أهل النار لطول العذاب فيها"؛ والمعنى هنا واضح، أي خلود أهل الجنّة والنار.

يُناسب "إيمان العجائز" ولا يليق بعاقل

الرأي الأكثر جرأةً، اتجهت إليه جماعة إخوان الصفا وخلان الوفا (ظهرت في البصرة في القرن الرابع الهجري)، قائلةً إن الإيمان بوجود خندق في النار لعذاب البشر هو من الآراء الفاسدة، ويناسب إيمان البسطاء والعجائز، ولا يليق بالإنسان العاقل الحكيم.

وبحسب إخوان الصفا، في رسالتهم "رسالة في الآراء والديانات في العلوم الناموسية الإلهية والشرعية"، فإن "من الآراء الفاسدة رأي من يرى ويعتقد أن الله الرحيم الرؤوف الحنَّان يُعذّب الكفار والعصاة في خندق في النار غيظاً عليهم وحنقاً، وكلما احترقت أجسادهم وصارت فحماً ورماداً، عادت فيها الرطوبة والدم لتُحرق مرةً ثانيةً"، وهذا الاعتقاد "يسيء ظنّ صاحبه بربّه، ويعتقد فيه قلة الرحمة وشدة القساوة".

رأى إخوان الصفا أن تصوير النار والعذاب بهذه الصورة الواردة في النصوص الدينية يناسب البسطاء والعجائز، لأنه قريب من عقولهم وتصوراتهم، ويزيدهم خوفاً من عاقبة الأفعال السيئة، ويقوّي رجاءهم في ثواب الأعمال الخيرة، "وأما من رزقه الله قليلاً من التمييز والعقل والفهم، ونظر في علوم الحكمة، فإن هذا الرأي لا يصلح له، ولا يليق به؛ لأنه إذا عرضه على عقله أنكره عليه، فيقع عند ذلك في شك وحيرة، وسوء ظن، وتخيلات فاسدة".

ظاهر آيات القرآن التي توحي بخلود أهل النار، فتعامل ابن عربي معها بالتأويل، فأهل النار "وإن سكنوا النار فبحكم كونها داراً، لا كونها دار عذاب وآلام، بل يجعلهم الله على مزاج ينعمون به في النار، بحيث لو دخلوا الجنة بذلك المزاج تألموا لعدم موافقة مزاجهم لما هي عليه الجنة من الاعتدال"؛ بحسب فتوحاته المكية.

لذا حاول إخوان الصفا التخلص من الحيرة والشكوك الناتجة عن النصوص، والخيالات الضارة بصورة الإله، وبحسب المستشرق الفرنسي ت. ج. دي بور، في كتابه "تاريخ الفلسفة في الإسلام"، فإخوان الصفا صرّحوا بأن "الاعتقاد بأن الله يغضب ويعذب بالنار ونحو ذلك، أمور لا يقبلها العقل، ويقولون إن هذه الاعتقادات تؤلم نفوس معتقديها".

في كتابه "طريق إخوان الصفا: المدخل إلى الغنوصية الإسلامية"، لخَّص فراس السواح، رؤية الجماعة في الأخرويات: "تدوم الجنة والنار ما دامت السماوات والأرض، على ما ورد في أكثر من آية في كتاب الله عز وجل. ولكن السماوات والأرض لا تدومان، والنفس الكلية التي فاضت قواها في الجسم الكلي زمن التكوين سوف تنسحب من هذا الجسم، ويحدث بوار العالم، ويزول منه العجز والنقص، فيغدو الوجود خيراً كله، ويُعتَق أهل النار وتبطل جهنم الدنيا".

تصورات رومانسية كوّنها إخوان الصفا عن مصير الحياة؛ ثمة قيامة صغرى للأفراد، فالأرواح الطيبة تصعد إلى عالم علوي يليق بها، والأرواح الشريرة تظل "سائحةً في قعر عالم المادة" وفقاً لرسالتهم المذكورة سابقاً، وهناك قيامة كبرى بعد بوار العالم وزوال العجز والنقص فيتحول الوجود إلى خير كلي، لذا فإن "الاعتقاد بمادية عذاب جهنم ونعيم الجنة هو من الآراء والاعتقادات الفاسدة التي ينبغي على العاقل أن يتخلَّى عنها في سعيه نحو الارتقاء"؛ بحسب ما ذكر السواح في كتابه المشار إليه سابقاً.

بطلان وظيفة النار وتحوّل طبيعة أهلها

منطلقاً من فكرة الرحمة الإلهية، رأى شيخ الصوفية الأكبر محيي الدين بن عربي (تـ638ه)، أن إخلاف الوعيد من سمات الرب الرحيم، وأن هذا النحو من التأويل يتماشى مع قوله "وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه" (إبراهيم:4)، أي بما تواطأوا عليه كما يشرحها ابن عربي، لذا فإن "التجاوز والعفو عند العرب مما تواطأوا على الثناء به على من ظهر منه، فالله أولى بهذه الصفة، فقد عرفنا الله أن وعيده ينفذه فيمن شاء ويغفر لمن شاء"؛ وفقاً لما ذكره في كتابه "الفتوحات المكية".

وعنده، إحساس الندم الذي يعقب المعصية هو عين التوبة، وذكر أن "ما يجده المخالف عقيب المخالفة من الندم على ما وقع منه وهو عين التوبة، فالحمد لله الذي جعل الندم توبة، ووصف نفسه تعالى بأنه التوّاب الرحيم، أي الذي يرجع على عباده في كل مخالفة بالرحمة له فيرزقه الندم عليها"؛ وتالياً ليست هناك حاجة إلى عذاب العاصي بعد ندمه.

تماشياً مع مذهبه الصوفي، فابن عربي صاحب الشطر الشعري الشهير "أدين بدين الحب أنى توجهت ركائبه"، بيَّن في فتوحاته المكية أن الندم توبة ورحمة، وأن وقف تنفيذ الوعيد نوع من العطاء الإلهي، لأن رحمة الله ذاتية دائمة وتسبق غضبه العرضي الزائل.

أما ظاهر آيات القرآن التي توحي بخلود أهل النار، فتعامل ابن عربي معها بالتأويل، فأهل النار "وإن سكنوا النار فبحكم كونها داراً، لا كونها دار عذاب وآلام، بل يجعلهم الله على مزاج ينعمون به في النار، بحيث لو دخلوا الجنة بذلك المزاج تألموا لعدم موافقة مزاجهم لما هي عليه الجنة من الاعتدال"؛ بحسب فتوحاته المكية.

طبيعة النار تنتهي وتتحول من مكان للعذاب إلى مكان للرحمة، وهي أشبه بنار النبي إبراهيم، أي هي برد وسلام، وإلى هذا المعنى ذكر "أما أهل النار، فمآلهم إلى النعيم، ولكن في النار أزلاً، إذ لا بد لصورة النار بعد انتهاء مدة العقاب أن تكون برداً وسلاماً على من فيها، وهذا نعيمهم"، وفقاً لكتابه "فصوص الحكم".

سبعة أقوال في مصير النار

في كتابه "حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح"، كشف ابن قيم الجوزية (تـ751ه)، عن رأي غير متوقع لشيخه وأستاذه تقي الدين بن تيمية (تـ728ه)، الذي أقرّ بوجود خلاف حول مصير النار، ويُنسب إليه القول بفناء النار، مدفوعاً إلى هذا الرأي بتوافر آثار ونصوص عن الصحابة تفيد هذا المعنى، خلافاً لقوله تعالى "لابثين فيها أحقاباً" (النبأ:23)، وتقييد البقاء فيها بالأحقاب يدلّ على انتفاء الخلود، "إذ الأبدي لا يقدّر بزمان"؛ ذكره الأمير الصنعاني (تـ1182ه)، عن ابن تيمية في كتابه "رفع الأستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار".

في مصير النار، حدد ابن قيم الجوزية سبعة أقوال، ذكرها على هذا النحو في كتابه المشار إليه، أولها: "من دخلها لا يخرج منها أبداً، بل كل من دخلها مخلد فيها آبد الآباد". وثانيها: "أهلها يعذَّبون فيها مدةً، ثم تنقلب عليهم وتبقى طبيعة نارية لهم يتلذذون بها لموافقتها لطبيعتهم". وثالثها: "أهلها يعذَّبون فيها إلى وقت محدود، ثم يخرجون منها ويخلفهم فيها قوم آخرون". ورابعها: "يخرجون منها، وتبقى ناراً على حالها، ليس فيها أحد يُعذب". وخامسها: "تفنى بنفسها لأنها حادثة بعد أن لم تكن، وما ثبت حدوثه استحال بقاؤه وأبديته، وهذا قول جهم بن صفوان وشيعته ولا فرق عنده في ذلك بين الجنّة والنار". وسادسها: "تفنى حياتهم وحركاتهم ويصيرون جماداً لا يتحركون ولا يحسّون بألم، وهذا قول أبي الهذيل العلاف إمام المعتزلة طرداً لامتناع حوادث لا نهاية لها والجنة والنار عنده سواء في هذا الحكم".

وسابع الأقوال أنه "يفنيها ربّها وخالقها تبارك وتعالى، فإنه جعل لها أمداً تنتهي إليه ثم تفنى ويزول عذابها؛ قال شيخ الإسلام (ابن تيمية)، وقد نقل هذا القول عن عمر (ابن الخطاب) وابن مسعود (عبد الله) وأبي هريرة وأبي سعيد (الخدري) وغيرهم".

الرأي الأكثر جرأةً، اتجهت إليه جماعة إخوان الصفا وخلان الوفا (ظهرت في البصرة في القرن الرابع الهجري)، قائلةً إن الإيمان بوجود خندق في النار لعذاب البشر هو من الآراء الفاسدة، ويناسب إيمان البسطاء والعجائز، ولا يليق بالإنسان العاقل الحكيم

ولأن ابن تيمية يُعدّ إماماً للتيار السلفي، واتجاهه للقول بفناء النار أو التسامح مع هذا الرأي يخلق معضلةً عند هكذا تيار، ويُلاحَظ اتجاه البعض لتبرئته مثل وليد المهدي مؤلف "بغية السائل من أوابد المسائل"، الذي رأى أن "النصوص التي يستدل بها القائلون بأن ابن تيمية رحمه الله يرى فناء النار مجملة غير صريحة في أنه يرى فناء النار، أما النصوص التي يستدل بها القائلون بأنه يرى أبدية النار فهي مُبينة صريحة في أنه يرى أبديتها".

رداً على أدلة ابن تيمية، دفع الأمير الصنعاني في كتابه المذكور آنفاً، أن الصحابة الأربعة الذين أشار إليهم ابن تيمية و"نقل عنهم القول بفناء النار وذهابها وتلاشيها هم بريئون من هذا القول". وبحسب الصنعاني فإن ابن تيمية استدلّ على إمكانية القول بفناء النار لسعة رحمه الله التي "أدركت أقواماً ما فعلوا خيراً"، وأنه رفض الإجماع في القول بأبدية النار لوجود تنازع في المسألة.

أما الهندي لطيف الرحمن البهرائجي، فلمَّح بالكفر لابن تيمية وتلميذه، في كتابه "الموسوعة الحديثية لمرويات الإمام أبي حنيفة"، وذكر في سياق "فناء النار" أنه "استوفى الكلام على ذلك أبو الحسن السبكي في كتابه 'الاعتبار ببقاء أهل الجنة والنار' وقد ألّفه للرد على ابن تيمية حيث يقول بفناء النار بعد دخول أهلها فيها، وتابعه على ذلك صاحبه ابن القيم، وهو كفر عند جمهور أهل العلم"؛ والمؤسف أنه رأي رائج غلب على الثقافة الإسلامية المعاصرة، متجاهلاً الأقوال الأخرى.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

منبر الشجعان والشجاعات

تكثُر التابوهات التي حُيِّدت جانباً في عالمنا العربي، ومُنعنا طويلاً من تناولها. هذا الواقع هو الذي جعل أصوات كثرٍ منّا، تتهاوى على حافّة اليأس.

هنا تأتي مهمّة رصيف22، التّي نحملها في قلوبنا ونأخذها على عاتقنا، وهي التشكيك في المفاهيم المتهالكة، وإبراز التناقضات التي تكمن في صلبها، ومشاركة تجارب الشجعان والشجاعات، وتخبّطاتهم/ نّ، ورحلة سعيهم/ نّ إلى تغيير النمط السائد والفاسد أحياناً.

علّنا نجعل الملايين يرون عوالمهم/ نّ ونضالاتهم/ نّ وحيواتهم/ نّ، تنبض في صميم أعمالنا، ويشعرون بأنّنا منبرٌ لصوتهم/ نّ المسموع، برغم أنف الذين يحاولون قمعه.

Website by WhiteBeard