شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ادعم/ ي الصحافة الحرّة!
طبق الملوك ومصارعي الأسود... أسرار الأطباق الرمضانية المغربية

طبق الملوك ومصارعي الأسود... أسرار الأطباق الرمضانية المغربية

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

ثقافة نحن والتنوّع

الأحد 7 أبريل 202401:23 م

تتميز المائدة الرمضانية في المغرب بالتنوع والغنى، وتجمع بين الأطباق الحلوة والمالحة من حلويات، محاشي، عجائن وشوربات، فهناك من الأطباق من كانت حاضرة في مأكل المغاربة منذ القدم، وتطورت مع المواد المستوردة من الخارج، وهناك من حافظت على نفس المكونات والطريقة منذ ظهورها لحد الآن.

كما ولدت أطباق متميزة داخل القصور والبلاطات الملكية على مر السلالات المتعاقبة، لا سيما أن المجال الملكي كان قادرا على الوصول لمجموعة من المكونات والمنتوجات التي لم تكن في قدرة باقي المغاربة، فقد أولت القصور أهمية خاصة للطبخ وللخوان السلطاني (قائمة الطعام).

لقد منح الطباخ في العصر الموحدي مرتبة عسكرية واحتل المرتبة الثامنة في التسلسل الهرمي لنظام الدولة في ذات العصر، فكان يلقب بسيد الدار يتولى أمر بيوت السلطان من مطابخ وشراب وحاشية. ونستشهد هنا بقصة المعلمة والعريفة بنت نجو التي أنقذت الطبخ المغربي من قصور المرينيين إلى السعديين، لم يتم نفي بنت نجو كما فعل مع أهل فاس بل احتفظ بها وأبقيت على ما هي عليه، لتلقن بذلك السعديين فنون الطبخ الملكي وتدبير القصور.

وهنا سنحاول التعرف على تاريخ بعض الاطباق التي تزين المائدة الرمضانية بالمغرب:

الحريرة، طبق مصارعي الأسود

ذكر الراحل شاف الحسين الهواري، الباحث في تاريخ الطبخ المغربي، أن تاريخ تدوين الحريرة المغربية أو أسكيف، أدرنان، أو أركمين كما تسمى لحد الآن بجبال الأطلس، يعود إلى وثيقتين لـ"جوفينال" و "سويطيون" لحوالي 2000 سنة، أي خلال فترة حكم "روتولوس روفوس" لموريتانيا الرومانية بعد نهاية الحرب البونيقية الثالثة، واللتان تؤكدان أن الطبق يعود إلى سكان إلى جبال الأطلس قبل أن يتم اعتماده كطبق أساسي لمصارعي الأسود Gladiateurs.

تتميز المائدة الرمضانية في المغرب بالتنوع والغنى، وتجمع بين الأطباق الحلوة والمالحة من حلويات، محاشي، عجائن وشورباتفهناك من الأطباق من كانت حاضرة في مأكل المغاربة منذ القدم، وتطورت مع المواد المستوردة من الخارج، وهناك من حافظت على نفس المكونات

وحسب ذات الباحث، فإن كثيراً من المدن الرومانية التي شيدت في المغرب مثل وليلي، لوكسوس وبوناصا، كانت معروفة بتكوين الأبطال المصارعين وتحضير وتدريب لاعبي القتال المميت والألعاب الحربية الخطيرة كمصارعة الأسود وترويض الضواري المصطادة من جبال الأطلس لتأخذ إلى الكولسيوم في روما، ولهذا تم اعتمد المصارعون طبق أسكيف أو الحريرة كطبق غني ومركز بالقطاني والحبوب، للقدرة على المصارعة.

الحريرة

بالمقابل يؤكد الباحث هشام الأحرش في تاريخ الطبخ المغربي أن الحريرة طبق أساسي ارتبط بشهر رمضان المبارك، وأن المغاربة عرفوا أنواعاً كثيرة من الحريرة أو الحسوة والتي كانت تصنع من مرق الدجاج، الدقيق، اللوز، القمح، الأرز أو الخضر.

وأن هذا التنوع الكبير في أنواع الحريرة والشوربة بالمغرب يعبر عن عبقرية المغربي والتي سينتج عنها اختراع الحريرة الحمراء أو الحريرة المغربية في شكلها الحالي، حيث أن الطماطم دخلت المغرب في نهاية القرن التاسع العشر والتي حرمها فقهاء المشرق ووصفوها بـ"فاكهة الشيطان"، أما المغاربة فقد صنعوا بها حريرة مغربية متميزة لا توجد في بلد آخر غير المغرب.

البريوات، طبق الملوك

يقول الباحث هشام الأحرش أن البريوات الحلوة المحشية باللوز والمسقية بالعسل هو اختراع ملكي مغربي منذ زمن الموحدين، ويستند هنا بصاحب كتاب "أنواع الصيدلة في ألوان الأطعمة" والذي كان طباخاً في القصور الموحدية، الذي يؤكد أن البريوات كانت تصنع في قصر السلطان المغربي يعقوب المنصور في مراكش وهي نفس البريوارت التي تصنع اليوم، وبخصوص البريوات المالحة المحشوة بالدجاج أو اللحم المفروم يشير ذات الباحث إلى أنها بريوات عادية تنتمي إلى الطبقة العادية وتشترك فيها مجموعة من بلدان المشرق والمغرب والتي تسمى "السنبوسك".

البريوات

وبخصوص ما الذي جعل البريوات الحلوة طبقاً خاصاً بالملوك والأمراء، يجيب هشام الأحرش أن “البريوات” المعمولة بالسكر والتوابل أغلى ليس بمقاييس ذلك الزمان الذي كان يعتبر فيه السكر أحد مواد التطبيب والعلاج، بل بمقاييس هذا العصر كذلك، إضافة إلى تعدد التوابل التي تُتضاف إلى الخلطة والتي عدّدها صاحب كتاب"أنواع الصيدلة في ألوان الأطعمة" في المصطكي (المسكة الحرة) والقرنفل والزنجبيل وهي توابل مستوردة من الشرق الأقصى، ثم اللوز وماء الورد.

سلو، غذاء الراعي

يعتبر سلو أو الزميتة أو السفوف أبرز الأطباق التي تميز المائدة الرمضانية المغربية، إذا يتم تحضيرها بأيام قبل شهر رمضان، كما أن لها طقوس خاصة في التحضير ببعض المناطق.

ويعود هذا الطبق الغني بالفواكه الجافة والحبوب إلى عصور قديمة، حسب الباحث في تاريخ الطبخ المغربي الراحل الشاف حسين الهواري، إذ ذكرت نفس الوصفة المغربية عند شيشرون وغيره من الأطباء والصيادلة الإغريق والرومان والأطباء الأوائل في المغرب والأندلس خلال عصر المرابطين والموحدين.

سلو

ووفق الشاف حسين الهواري، فإن هذا الطبق الغني يسمى بالأمازيغية "أشا ن ومكسا" أي غذاء الراعي، كما كانوا قديماً يسمونه أيضاً بالعويل أو مونة الحج أي زاد المسافر والحجاج، ويخلص إلى أن هذا التنوع في الأسماء علامة على غنى وثراء الطبخ والثقافة المغربية.

البغرير، أطيب أنواع الرفايس

يعد البغرير من أقدم الأطباق إذا تعرف به كل المناطق المغربية الناطقة بالأمازيغية أو الدارجة المغربية إذ تختلف تسمياته بين البغرير وخرينكو، المثقبة، الخنفر، المشهدة أو حرتيتا.

وهو ما يؤكده لنا الباحث هشام، لقد دأب المغاربة على تناوله منذ ما يزيد عن ألف سنة، ويزيد أن صاحب كتاب "أنواع الصيدلة في ألوان الأطعمة"، الذي أرخ لفن الطبخ في المغرب والأندلس في عصر الموحدين وصفه بأنه أطيب أنواع الرفايس كلها وأسرعها هضما وأجودها. ويضيف ذات الباحث أنه بالعودة إلى طريقة تحضير هذا النوع من المخبوزات المغربية كما ذكرت في العهد الموحدي فلا نجد اختلافاً لا في المكونات ولا في طريقة التحضير كما هي عليه اليوم.

البغرير

وبالعودة إلى بعض المناطق القروية خصوصاً شمال المغرب نجدها لا تزال محافظة على هذه العادة الرمضانية في تحضير الخرينكو كما يسمى بذات المناطق، إذ لا يزال يطهى على فراح من طين بعد أن يختمر العجين، ومرافقته بالسمن المذاب والعسل الحر.

الشباكية، حلوى العاشق المفجوع

لا تخلو مائدة مغربية خلال شهر رمضان من حلوى الشباكية التي ترافق الحريرة المغربية، فقد تعدت التسميات فهناك من يسميها بالشباكية، الزلابية، المخرقة، الغريوش.

لكن هنا بوضح الباحث هشام الأحرش الفرق بين التسميات، فيقول أن الشباكية هي الزلابية والمشابهة للزلابية التي تصنع ببلدان المشرق من الطحين والماء، وتقلى في الزيت لتغمس في العسل على شكل وردة، وقد كانت حاضرة في المغرب خلال القرن 12 عشر حسب المراجع التاريخية، أما الشباكية الحالية والتي تسمى بالمخرقة فهي تطور للأولى حيث عرف المطبخ المغربي استوراد مجموعة من التوابل والمكونات الجديدة، إذ كان لا بد من تطوير هذه الحلوى على مستوى المكونات والطريقة أيضاً.

الشباكية

فقد تميز المغرب بالشباكية أو المخرقة بسبب المكونات الغنية التي تتضمنها الحلوى (لوز، سمسم، زيت وزعفران...)، كما طور المغاربة الطريقة أيضاً ففي البداية كانت تصنع عن طريقة آلة عكس الآن فهي تصنع عن طريق اليد.

يعتبر سلو أو الزميتة أو السفوف أبرز الأطباق التي تميز المائدة الرمضانية المغربية، إذا يتم تحضيرها بأيام قبل شهر رمضان، كما أن لها طقوس خاصة في التحضير ببعض المناطق. ويعود هذا الطبق الغني بالفواكه الجافة والحبوب إلى عصور قديمة

ويحكى وفقاً للرواية الشفهية المغربية، أن بائع حلويات مغربي كان يجول بين أزقة إحدى المدن إلى أن أسرت ناظره فتاة جميلة تطل خلف شباك منزلها، فبعد وقوع البائع في حب الفتاة قرر صناعة حلوى متميزة تيمناً بالشباك الذي طلت منه، لكن الصانع فوجئ بحبيبته تزف لغيره، ليعود مسرعاً للبيت ويصنع حلوى أخرى من بقايا العجين الأول ليمحي معالم الشباك، ويصنع بذلك الشباكبة الحالية التي تزين بها كل الموائد الرمضانية المغربية.

هنا يبين هشام الأحرش أن قصة الحب المروية عن أصل الشباكية ما هي إلا تعويض عن غياب المراجع التاريخية بخصوص هذه الحلوى، مؤكدا أن هذه الحلوى المميزة صنعته حب الحضارة المغربية للطبخ والتراث، وطورته على مر العقود بما جاد عليها من توابل ومكونات غنية، ويضيف أن الشباكبة انعكاس لغنى وثراء المطبخ المغربي.

البسطيلة، عروس المائدة المغربية

يحضر طبق البسطيلة في كل المناسبات والحفلات المغربية، خصوصاً في رمضان إما في شكلها المعهود العائلي أو على شكل بسطيلة فردية محشوة إما بالدجاج واللوز أو بالسمك.

يرجع تاريخ البسلطية المغربية حسب هشام لأحرش إلى الزمن الموحدي، وأنها وردة تحت اسم البرمكية في كتاب الصيدلة في ألوان الأطعمة، حيث كان يصنع الطبق من الدجاج أو اللحم المقلى مع إضافة بعض التوابل ويحشى به عجين الخبز، أو يصنع هذا الطبق بحوت مقلى، ويشير ذات المتحدث إلى أن هذا الطبق هو نفسه ما يسمى بالمدفونة الفيلالية.

البسطيلة

ويضيف أن طبق البسطيلة أشار إليه بن رزين التيجبي صاحب كتاب "فضالة الخوان في طيبات الطعام والألوان" باسم "المحشو" خلال القرن الثالث عشر الميلادي، حيث أورد أيضاً المكونات وطريقة التحضير (اللوز، الدجاج، التوابل السبعة، البيض، البصل، الفستق والسكر...) وهي نفسها المقادير التي تصنع بها البسطيلة حاليا، مع الاختلاف في الطريقة فقديما كانت تطهى في قدر وتسقى بالسمن والزيت. 

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

تنوّع منطقتنا مُدهش

لا ريب في أنّ التعددية الدينية والإثنية والجغرافية في منطقتنا العربية، والغرائب التي تكتنفها، قد أضفت عليها رومانسيةً مغريةً، مع ما يصاحبها من موجات "الاستشراق" والافتتان الغربي.

للأسف، قد سلبنا التطرف الديني والشقاق الأهلي رويداً رويداً، هذه الميزة، وأمسى تعدّدنا نقمةً. لكنّنا في رصيف22، نأمل أن نكون منبراً لكلّ المختلفين/ ات والخارجين/ ات عن القواعد السائدة.

Website by WhiteBeard