شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ادعم/ ي الصحافة الحرّة!
كي لا يصبحوا أرقاماً... مسؤوليات الصحافة العربية في ظل الحرب على غزة

كي لا يصبحوا أرقاماً... مسؤوليات الصحافة العربية في ظل الحرب على غزة

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

رأي نحن وحرية التعبير

الأحد 7 أبريل 202407:34 ص

ستّة أشهرٍ مرّت على العدوان الإسرائيلي على غزة، عانى خلالها الصحافيون الفلسطينيون من ويلاتٍ لا تُعدّ ولا تحصى. يحاولون، وحدهم، إيصال الصوت والصورة، بالرغم من انشغالهم في محاولات النجاة كلّ لحظة، ومن شبه انعدام التحرّك العالمي لإسنادهم، ومن العجز الكبير الذي يشعر به كلّ من يتضامن معهم ولا يجد طريقةً ذات جدوى لدعمهم. 

بات العالم بأسره يعرف مرارة الخسارات وكثافتها في غزة، والتي لم يسلم منها أي جسمٍ نص القانون الدولي على حمايته. لكن لا مجال إلا لتكرارها مجدداً: استشهد الصحافيون في سبيل الكلمة، أو الخبز، وأصيبوا -بعضهم بعاهات مستديمة- بسبب الصورة التي نقلوها. قُتلت عائلاتهم عمداً بقصفٍ جائر بسبب جرأتهم في التصدي للدعاية الكاذبة وكشف الحقيقة. اعتُقلوا وأُسروا ونُكّل بهم. خسروا معداتهم ومكاتبهم. خسروا أموالهم وبيوتهم ومدّخراتهم. 

لم يخسروا هذا فحسب؛ سُلبت منهم القدرة على النوم والاستيقاظ والاستحمام وتبديل الملابس، والحصول على كمّ كافٍ من الطعام والمياه. حتى القدرة على التواصل مع عائلاتهم والاطمئنان على ذويهم، أو تأمين الحد الأدنى من المستلزمات لهم، سُلبت منهم أيضاً. خسروا، ضمن ما خسروا، سنواتٍ من عمرهم في ستّة أشهر.

في زحمة الأخبار وكثافة الدمار، خسر الصحافيون في غزة أيضاً القدرة على أداء عملٍ صحافي يروي القصص بتفاصيلها ويحكي عن الخسارات الحقيقية... فما هي مسؤولية الصحافة العربية لإسنادهم؟

وفي زحمة الأخبار وكثافة الدمار، خسر الصحافيون في غزة أيضاً القدرة على أداء عملٍ صحافي يروي القصص بتفاصيلها ويحكي عن الخسارات الحقيقية؛ وليست الأرواح التي زهقت فحسب، بل المباني التي دُمّرت، والشوارع التي مُحيت، والذكريات التي استحالت كما القدرة على التفكير في مستقبلٍ ما. وفي ظلّ تحكّم الخوارزميات بما يمكن نشره وما يُمنع تداوله، خسروا حتى القدرة على إظهار الحجم الحقيقي للدمار. فكلّ ما يراه العالم لا يتجاوز 10% مما يراه أهل غزة وصحافيوها، وكلّ ما شاهده العالم في مقاطع لا تتعدّى الدقيقة، لا يتضمن تكرار هذه المشاهد كلّ لحظة، ولا رائحة الجثث وتكدّسها في الشوارع وتحللها أمام عيون ناقلي "الحدث". أُجبر الصحافيون على التعبير بكلماتٍ لا يمكن أن تعبّر حقاً عن حجم الجحيم ومجازره، فاللغة نفسها لم تتّسع لهذا الأسى والألم والإجرام كله. 

بالرغم من ذلك كله، استمرّوا ولم يكلّوا.

هذا ليس حبراً على ورق، ولا محاولة لتكرار معلوماتٍ يعرفها العالم جيداً. هذه قصص كلّ صحافي وصحافية وعامل وعاملة في المجال الإعلامي، ويفوق عددهم 1،200 شخص في غزة، يعملون في ظلّ تشكيك العالم في روايتهم "لأنهم معنيون مباشرةً بالذي يحصل"، وكأنّ شهادات أصحاب القضية باتت تهمةً، وكأنّ تصديق الناجيات والناجين مجرّد فكرةٍ هلامية لا تنطبق إلا على جرائم محددة. 

لكن وسط هذا الغضب وهذا العجز، لا تزال الصحافة العربية قادرةً على مساندة صحافيي غزة وأهلها. ولا تزال على عاتقها مسؤوليات كبرى، لم تخُض فيها بعد. إذ لا يزال هناك الكثير لفعله وكتابته وتوثيقه، كي لا يُكتب التاريخ من وجهة نظرٍ واحدة، وكي لا يُمحى ذكر فلسطينيي غزة كما تُمحى "القصة" على "انستغرام" بعد 24 ساعةً.

كصحافيين واعين لانحياز العالم ولأهمية الصحافة في توثيق الأحداث والوصول إلى المحاسبة، يجب أن نقدّم عوناً أكبر لصحافيي غزة. كيف ذلك؟

فحتى اليوم، لا تزال غالبية القصص الآتية من غزة مجرّد أخبار عاجلة، لا يتم التوسع فيها، خصوصاً في ظلّ تراكم المهام والآلام على الصحافيين داخل غزة، وعدم قدرتهم على التفرّغ لكتابة قصة، وبسبب العوائق التي تحول كثيراً دون قدرتهم حتى على إرسال أخبار عن أماكن القصف والدمار وعدد الشهداء فيها. حتى قصص الصحافيين الذين استشهدوا، لم تتجاوز تغطيتها فقراتٍ معدودةً. 

لكنّنا كصحافيين واعين لانحياز العالم ولأهمية الصحافة في توثيق الأحداث والوصول إلى المحاسبة، يجب أن نقدّم عوناً أكبر لصحافيي غزة. يجب أن ننشر تتمة القصة، ويجب أن نسعى بجهدٍ أكبر إلى سرد القصص على ألسنة أصحابها، على الأقل هؤلاء الذين نستطيع الوصول إليهم. علينا أن نتخطى عائق عدد الأحرف المتاحة على "إكس"، ومحظورات النشر على مواقع التواصل، وأموال الدعاية، وسياسات التحرير في المؤسسات العالمية. يتوجّب علينا ألا نسمح بأن يصبح فلسطينيو غزة مجرّد أرقامٍ في عدّاد الضحايا الذي لا يتوقف، وإلا هُزمنا جميعاً. وعلينا أيضاً، أن نسعى جاهدين لنحكي قصّة الحياة التي مُنعت غزة وأهلها منها، وألا نسمح بأن تكون السردية الوحيدة المرتبطة بهذا القطاع وأهله هي "الموت الحتمي". 

للخبر بقيّة، ومسؤولية الصحافة العربية هي السردية.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

ذرّ الرماد في عيون الحقيقة

ليس نبأً جديداً أنّ معظم الأخبار التي تصلنا من كلّ حدبٍ وصوبٍ في عالمنا العربي، تشوبها نفحةٌ مُسيّسة، هدفها أن تعمينا عن الحقيقة المُجرّدة من المصالح. وهذا لأنّ مختلف وكالات الأنباء في منطقتنا، هي الذراع الأقوى في تضليلنا نحن الشعوب المنكوبة، ومصادرة إرادتنا وقرارنا في التغيير.

Website by WhiteBeard