شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اشترك/ ي وشارك/ ي!
قصف القنصلية الإيرانية في دمشق... هل تستجيب إيران لدعوة إسرائيل الصريحة للحرب؟

قصف القنصلية الإيرانية في دمشق... هل تستجيب إيران لدعوة إسرائيل الصريحة للحرب؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

سياسة نحن والتطرف

الأربعاء 3 أبريل 202403:25 م

"هذه الجريمة الجبانة لن تبقى من دون رد قطعاً"؛ هذا ما ورد على لسان الرئيس الإيراني، إبراهيم رئيسي، في تعقيبه على القصف الذي طال مجمع السفارة الإيرانية في دمشق يوم الإثنين الفائت، فيما توعد مرشد الجمهورية علي خامنئي بالانتقام، قائلاً: "سينال الكيان الصهيوني الخبيث عقابه على أيدي رجالنا البواسل. سنجعل الصهاينة يندمون على جريمة الاعتداء على القنصلية الإيرانية في دمشق ومثيلاتها". ما حدث يسلّط الضوء على خطر حصول مزيد من التصعيد بعد الهجوم غير المسبوق، وفقاً لوكالة رويترز للأنباء، التي نبّهت إلى خطر امتداد الصراعات إلى أنحاء الشرق الأوسط منذ بداية الحرب في غزة، مع الإشارة إلى حرص طهران على تجنّب صراع مباشر مع إسرائيل، برغم دعمها حلفاء يهاجمون أهدافاً إسرائيليةً وأمريكيةً.

وبحسب السفير الإيراني في سوريا، حسين أكبري، يمثّل الهجوم المرة الأولى التي "تسمح فيها إسرائيل لنفسها بمهاجمة" مقرّ سفارة إيرانية، مضيفاً أن إسرائيل "لا تحترم القانون الدولي". وقد أدى الهجوم إلى مقتل محمد رضا زاهدي، أكبر قائد للحرس الثوري الإيراني في لبنان وسوريا، مع ستة "مستشارين عسكريين" آخرين، من بينهم نائب زاهدي، محمد هادي حاج رحيمي، وفق بيان الحرس الثوري الإيراني، الذي ألقى باللوم صراحةً على إسرائيل في الهجوم، دون التعهد بالانتقام.

وفي رسالتها إلى الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، والرئيس المؤقت لمجلس الأمن، قالت السفيرة ومساعدة الممثلية الإيرانية لدى الأُمم المتحدة، زهرا إرشادي: "هذه الجرائم المروعة والهجمات الإرهابية الجبانة انتهاك صارخ لميثاق الأُمم المتحدة، والقوانين الدولية والمبدأ الأساسي لحصانة الأماكن الدبلوماسية والقنصلية (المنصوص عليها في معاهدة العلاقات الدبلوماسية لعام 1961، واتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية لعام 1963، واتفاقية المعاقبة على الجرائم المرتكبة ضد الأشخاص المشمولين بالحماية الدولية بمن فيهم الموظفين الدبلوماسيين، لعام 1973)".

يمثّل الهجوم المرة الأولى التي "تسمح فيها إسرائيل لنفسها بمهاجمة" مقرّ سفارة إيرانية، وقد أسفر عن مقتل محمد رضا زاهدي، أكبر قائد للحرس الثوري الإيراني في لبنان وسوريا، مع ستة "مستشارين عسكريين" آخرين. ما هي أهداف إسرئيل من قصف القنصلية الإيرانية في دمشق؟ وما هي خيارات طهران للرد؟

يقول الباحث في القانون الدولي وحقوق الإنسان في معهد الحوار للأبحاث والدراسات، ومقرّه في واشنطن، كميل البو شوكة: "البعثات الدبلوماسية محمية وفق القانون الدولي، طالما بقيت هذه البعثات تعمل في إطارها الدبلوماسي. لكن إذا تحولت هذه البعثات إلى مراكز استخباراتية، أو معقل لعمليات تخريب، أو لأعمال عسكرية واستخباراتية، تصبح هدفاً للدول المتضررة من أنشطتها التخريبية". 

ويفند الأمر خلال حديثه إلى رصيف22، قائلاً: "القانون الدولي يحمي البعثات الدبلوماسية حال تعرضها ظلماً للهجوم. لكن عندما تتأكد دولة ما، وفق معلومات أمنية دقيقة، من تنسيق وتخطيط هجمات عليها في مقارّ البعثات الدبلوماسية، تخرج حينها تلك المقارّ من التعريف القانوني المشمول بالحماية، لا سيما تلك البعثات الموجودة في دول الصراع، التي تعجز عن ضبط عمل البعثات الدبلوماسية على أراضيها، إلى جانب تحييد ضغوط الدول المتضررة على دول الصراع المضيفة لتحجيم عمل البعثات في إطارها الدبلوماسي البحت". ويذكر مثالاً على ذلك الدبلوماسي الإيراني أسد الله أسدي، الذي اعتقلته السلطات النمساوية، بتهمة تجنيد عملاء مع التخطيط لعمل إرهابي.

وكانت النمسا قد اعتقلت أسدي عام 2018، فيما قضت محكمة بلجيكية بسجنه عشرين عاماً، بعد إدانته بالتخطيط لتفجير تجمّع للمعارضة الإيرانية في ضواحي باريس في حزيران/ يونيو 2018. حينها، اعترض مسؤول في الخارجية الإيرانية في بيان على اعتقال أسدي ومحاكمته، واصفاً الإجراءات بأنها "غير قانونية، ومخالفة للقانون الدولي، خاصةً اتفاقية فيينا لعام 1961 حول العلاقات الدبلوماسية".

تصعيد؟

يعكس الهجوم على القنصلية على الأرجح، اعتقاداً إسرائيلياً بأن مثل هذه الضربات تمثل وسائل ردع وتقلل من احتمال نشوب صراع أوسع نطاقاً، حسب جون أولترمان من مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية في واشنطن، الذي يضيف: "الإسرائيليون مقتنعون بأنهم إذا سعوا إلى التراجع فإن التهديد سيزداد ولن يتراجع... إنهم مقتنعون بأنهم ما داموا يفعلون شيئاً كهذا بشكل دوري، فسيرتدع خصومهم". 

ويتساءل مركز ألما الإسرائيلي للبحوث، عما إذا كان مقتل زاهدي يُعدّ تصعيداً، لا سيما بالنظر إلى موقع هذا الهجوم؟ مع ذلك، يُشير إلى أنه "بمجرد أن يتحول المبنى 'أ' المجاور للسفارة إلى مقرّ عسكري يتم فيه التخطيط لعمليات ضد إسرائيل وقيادتها، يصبح الهدف على الفور هدفاً مشروعاً". فمن وجهة نظر المركز، "التصعيد في الأعمال هو نشاط وقائي لمكافحة الإرهاب في ساحة جغرافية استثنائية ضد أهداف استثنائية. لذا، فإن النشاط في ساحة جغرافية ليست قطاعاً قتالياً مباشراً، من خلال نشر تشكيلات عسكرية و/ أو موظفين عسكريين لا يشاركون في هذه المرحلة بشكل مباشر في القتال، إلا أنهم في حالة حصول تصعيد، سيشكلون عنصراً مهماً للغاية"، عادّاً أن أي "عنصر عسكري أو مجموعة عسكرية تعمل مباشرةً ضد إسرائيل في سياق القتال الحالي وتهددها مباشرةً نتيجةً لأنشطتها العسكرية، هدف واضح". 

تقول إيرينا تسوكرمان، وهي صحافية ومحللة جيو-سياسية ومحامية في مجال الأمن القومي وحقوق الإنسان، من مقرّها في نيويورك، لرصيف22: "بسبب فشل المجتمع الدولي في الردع، تقوم إسرائيل بإرسال إشارة إلى إيران مفادها أن مواقعها الدبلوماسية لن تكون بمنأى عن استهدافاتها، سواء عبر الحرس الثوري الإيراني أو الجماعات الإيرانية أو وكلائها في المنطقة".
وبرأيها، "ضرب القنصلية تغيير في مسار الإجراءات الإسرائيلية السابقة، حيث هاجمت الأخيرة فقط مستودعات ومواقع عسكرية لإيران في سوريا سابقاً. كذلك، فإن العمليات السابقة داخل إيران كانت موجهةً فقط ضد أهداف اقتصادية أو عسكرية، ولم توجَّه ضد أهداف دبلوماسية".
"مع أن إسرائيل تقوم باستهداف إيران ووكلائها في سوريا منذ فترة طويلة، إلا أن هجومها على القنصلية الإيرانية في دمشق يمثل تصعيداً كبيراً، بسبب كلّ من الموقع والهدف. فمبنى القنصلية، الذي يضم مقرّ إقامة السفير، ويقع بجانب السفارة الإيرانية، يُعدّ أرضاً إيرانيةً ذات سيادة، وهو ما يمثل تصعيداً كبيراً في التوتر بين إيران وإسرائيل"

من جانبها، توعدت طهران بـ"اتخاذ رد حاسم"، وبجوارها، تعهد "حزب الله" اللبناني، أقوى وكلائها المسلحين في المنطقة، بالرد، قائلاً في بيانه إن "هذه الجريمة لن تمر دون أن ينال العدو العقاب والانتقام". فيما أشار المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية، ماثيو ميلر، إلى قلق الولايات المتحدة "حيال أي شيء من شأنه أن يؤدي إلى تصعيد الصراع في المنطقة أو تفاقمه".

يتشارك الرأي مع تسوكرمان، عبد الله الحايك، وهو مساعد باحث في "برنامج الدراسات العسكرية والأمنية" في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، مشيراً لرصيف22، إلى عهد جديد في سلوك إسرائيل ضد إيران في سوريا، "فمع أن إسرائيل تقوم باستهداف إيران ووكلائها في سوريا منذ فترة طويلة، إلا أن هجومها على القنصلية الإيرانية في دمشق يمثل تصعيداً كبيراً، بسبب كلّ من الموقع والهدف. فمبنى القنصلية، الذي يضم مقرّ إقامة السفير، ويقع بجانب السفارة الإيرانية، يُعدّ أرضاً إيرانيةً ذات سيادة، وهو ما يمثل تصعيداً كبيراً في التوتر بين إيران وإسرائيل".

قيود في معاصم إيران ووكلائها 

"هناك إمكانية للتصعيد"، حسب المحلل في مجلس العلاقات الخارجية في واشنطن، ستيفن كوك، الذي يشير إلى أن "الحرس الثوري الإيراني قادر على تخفيف القيود المفروضة على وكلائه في العراق وسوريا، مما يعرّض القوات الأمريكية للخطر مرةً أخرى". كذلك، "يمكن للإيرانيين أيضاً أن يوجهوا 'حزب الله' لتصعيد هجماته على إسرائيل، والتي أصبحت أكثر جرأةً وعدداً".

وفي هذا السياق، يتحدث المعهد الملكي البريطاني للخدمات المتحدة (RUSI) عن أسباب إحجام "حزب الله" عن حرب شاملة مع إسرائيل أيضاً، و"أوّلها، الكساد المهيمن على الاقتصاد اللبناني، لدرجة أن أي صراع قد يقضي على أي إمكانات اقتصادية خلفه، عبر تخويف المستثمرين، والقضاء على التدفقات السياحية، وزيادة تكاليف إعادة الإعمار التي يعجز لبنان عن تحملها، مما يضع البلاد على طريق العوز المالي طويل الأجل. كذلك وبالنظر إلى الخسائر الكبيرة في صفوف المدنيين، ونتيجةً للاستقطاب السياسي داخل لبنان، سيكون من الحماقة افتراض سلامة الموقف السياسي الحالي لحزب الله. فالأمين العام للحزب، حسن نصر الله، ليس محصناً ضد الاعتبارات السياسية".

لا يعتقد الحايك أن تنظر إيران إلى الهجوم على قنصليتها في دمشق، على أنه "دعوة مباشرة لنزاع أو حرب أوسع نطاقاً مع إسرائيل، نظراً إلى اعتياد إيران على استهداف إسرائيل عبر وكلائها، الذين يخدمون الغرض الرئيسي لتوازن العمليات خارج إيران، دون ضربها أهدافاً إسرائيليةً مباشرةً. تفضّل إيران أن تكون المعركة خارج أراضيها، وأن يكون المقاتلون نيابةً عنها غير إيرانيين، والشهداء الذين 'يستشهدون' في سبيل الثورة الإيرانية الإسلامية كذلك. وهذا درس تعلّمته من حربها الطويلة مع العراق في ثمانينيات القرن الماضي".

ويرى الحايك أن الرد الإيراني الافتراضي سيشمل إما واحداً من التالي أو مزيجاً مما يتضمنه:

 1- مهاجمة المهام الدبلوماسية الإسرائيلية في الخارج من خلال بعض وكلائها ذوي المستوى المنخفض.

2- تحريك الميليشيات المدعومة من إيران في سوريا للانتشار على الحدود مع إسرائيل.

3- تكثيف صواريخ كروز نحو إسرائيل من قبل الحوثيين في اليمن والميليشيات المدعومة من إيران في العراق.

"هناك إمكانية للتصعيد... الحرس الثوري الإيراني قادر على تخفيف القيود المفروضة على وكلائه في العراق وسوريا، مما يعرّض القوات الأمريكية للخطر مرةً أخرى". كذلك، "يمكن للإيرانيين أيضاً أن يوجهوا 'حزب الله' لتصعيد هجماته على إسرائيل، والتي أصبحت أكثر جرأةً وعدداً"

ويضيف المعهد الملكي، أنه "برغم تصريحات إيران المعادية لإسرائيل ودعمها المادي لوكلائها في المنطقة، من غير المرجح أن تدعم تعثّر حزب الله في حرب مع إسرائيل. فمثل هذا السيناريو يضرّ بشدة بإستراتيجية إيران المتمثلة في النأي بنفسها عن القتال الحالي"، مشيراً إلى أنه على الرغم من أن التدخل العسكري الأمريكي نيابةً عن إسرائيل ليس مضموناً، مع ذلك لا يمكن للمسؤولين الإيرانيين استبعاد هذا الاحتمال، الذي إن حدث، سيضع إيران أمام خيارين؛ محاربة خصم متفوق كثيراً للدفاع عن وكيلها اللبناني، أو البقاء على الهامش، وتالياً تدمير مصداقيتها كحليف جدير بالثقة. لذا، تفضل طهران عدم الاضطرار إلى اتخاذ هذا الخيار على الإطلاق.

إلى ذلك، يُشير البو شوكة إلى أن "الهجوم على القنصلية الإيرانية أقوى ضربة تلقتها إيران، بعد عملية قتل قائد فيلق القدس، قاسم سليماني، عام 2020. وهي أقوى من قتل العالم النووي الايراني داخل إيران. فالهجوم يُعدّ استهدافاً لأراضٍ إيرانية، كون مقارّ البعثات الدبلوماسية جزء من أراضي الدولة. كذلك، تم خلال الاستهداف قتل عدد كبير من قادة الحرس الذين يرسمون إستراتيجيات إيران ومخططاتها العسكرية وغيرها". 

وبرأيه، النظام الإيراني بين نارين؛ "في حال الرد، سيواجه رداً أمريكياً أو إسرائيلياً أقوى وأعنف مما سبق. وفي حال عدم الرد، سيخسر سمعته أمام عملائه في المنطقة". بالإضافة إلى ذلك، سيفقد مصداقيته أمنياً، ويعرّض نفسه للمساءلة داخلياً: أين الأسلحة التي يتبجح بامتلاكها، والصواريخ والطائرات المسيّرة؟ أين الأجهزة الأمنية التي يُفترض أن تحمي هذه الشخصيات، أو أن تعلم مبكراً بهذه الغارات، بما يسمح بإخلاء هذه المواقع أو حماية من فيها؟".

وفقاً للمحللة الجيو-سياسية، تسوكرمان، "يشكّل الهجوم على القنصلية الإيرانية، عنصراً إستراتيجياً للردع الموجه إلى طهران، ورسالة بأنها ستحاسَب الآن بشكل مباشر على أي نشاط عدائي إقليمي ضد المصالح الإسرائيلية، سواء ارتكبه الحرس الثوري أو عبر وكلاء إقليميين". وبرأيها، "لغاية اليوم، تختبئ طهران خلف ظهر وكلائها الإقليميين في تصعيدها الهجمات على كل من إسرائيل والمصالح الدولية الأخرى". وبالإضافة إلى ذلك، "إيران مسؤولة بشكل مباشر عن إصدار أوامر بمحاولات اغتيال رجال أعمال إسرائيليين في جميع أنحاء العالم، برغم فشلها في ذلك. وهذا نشاط عدائي يُعدّ في الظروف العادية عملاً من أعمال الحرب".

زيادةً على ذلك، "نسب المسؤولون الإيرانيون الفضل لأنفسهم في عملية 'طوفان الأقصى' التي نفّذتها حركة 'حماس' وفصائل فلسطينية أخرى في 7 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي. وحتى الآن، فشل المجتمع الدولي والولايات المتحدة في أخذ التهديدات الإيرانية في الحسبان بشكل جدي".

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

ثورتنا على الموروث القديم

الإعلام التقليديّ محكومٌ بالعادات الرثّة والأعراف الاجتماعيّة القامعة للحريّات، لكنّ اطمئنّ/ ي، فنحن في رصيف22 نقف مع كلّ إنسانٍ حتى يتمتع بحقوقه كاملةً.

Website by WhiteBeard