شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

قدّم/ ي دعمك!
إيران والمنطقة الحرّة المشتركة مع سوريا والعراق وغيرهما... سطوة اقتصادية بعد التغلغل العسكري؟

إيران والمنطقة الحرّة المشتركة مع سوريا والعراق وغيرهما... سطوة اقتصادية بعد التغلغل العسكري؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

تشهد منطقة الشرق الأوسط وجوارها الإقليمي، سباقاً اقتصادياً تجارياً توازي سخونته سخونة السباق السياسي والجيو-سياسي فيهما، وهو سباق لا يبدأ من مشروع "رأس الحكمة"، مروراً باتفاقيات تجارية هندية أوروبية، ولا ينتهي عند توافق خمس دول على إنشاء منطقة حرة مشتركة، من بينها إيران والعراق وسوريا.

في الخامس من شهر آذار/ مارس الجاري، أعلن مستشار الرئيس الإيراني وأمين المجلس الأعلى للمناطق التجارية الصناعية الحرة والاقتصادية الخاصة بإيران، حجة الله عبد المالكي، إجراء طهران مفاوضات مع 21 دولةً لإنشاء منطقة حرة مشتركة تم التوصل خلالها إلى توقيع وثيقة مع خمس دول، من بينها العراق وسوريا، على شكل مذكرة تفاهم أو ضمن نص موافقات اللجنة المشتركة، مشيراً إلى موافقة العراق وسوريا وانتظار اجتماع ثلاثي في هذا الشأن.

يضيف عبد المالكي، أن إيران تسعى إلى إنشاء منطقة حرّة مشتركة مع الدول الأخرى، لكنها تسعى أيضاً إلى إنشاء منطقة حرة مشتركة ثلاثية بالتفاوض مع العراق وسوريا، مؤكداً على أن القفزة الاستثمارية تتم من خلال إنشاء منطقة حرة ثلاثية بين إيران وسوريا والعراق، ستعود بالنفع على الدول الثلاث، وتجعل وصول إيران إلى منطقة البحر الأبيض المتوسط سهلاً للغاية.

فتح الأبواب إلى البحر المتوسط

في أيلول/ سبتمبر الماضي، أعلن المدير العام للمكتب التجاري والعربي والإفريقي لمنظمة تنمية التجارة الإيرانية، فرزاد بيلتن، عن إنشاء بنك تجاري ومنطقة تجارية مشتركة بين إيران والعراق في المستقبل القريب، مضيفاً: "هناك 20 مليار دولار على جدول الأعمال لتحقيق أهدافنا في العراق، وسيكون من الممكن تحقيق هذا الهدف بمشاركة القطاع الخاص وإنشاء المؤسسات التجارية".

كما أعلن نائب رئيس الغرفة التجارية المشتركة السورية-الإيرانية، علي أصغر زبردست، مؤخراً، عن توافق إيراني سوري على تولّي القطاع الخاص إنشاء مصرف مشترك بين البلدين، يُتوقَّع بدء عمله خلال شهر، معتمداً على الدفع بالعملات المحلية للبلدين في ما يخص التبادل التجاري، بغية تذليل العقبات التي تعترض التحويلات المالية بينهما بسبب العقوبات الأمريكية المفروضة عليهما. إلى ذلك، صدّق البلدان على ملحق تعديل اتفاقية التجارة الحرة بينهما، والتي قضت بإلغاء الرسوم الجمركية المحددة على السلع المتبادلة، وحذف السلع المستثناة من تخفيض الرسوم الجمركية، وتخفيض نسبة القيمة المضافة على السلع المنتجة لدى أي من الطرفين من 50 إلى 40% في ما يتعلق بقواعد المنشأ.

"المنطقة الحرّة تخدم الجانب الإيراني والسوري بشكل كبير، فهي منفذ جديد للتجارة للدول الثلاث، تبعد عن المنطقة المتأثرة بالعقوبات، ما يعزز الموارد الاقتصادية ويزيد من العملة الصعبة فيها، بعد الضغوط التي وضعتها الولايات المتحدة على البنوك المركزية في هذه الدول"

وهذه ليست المحاولة الأولى لإنشاء منطقة تجارة حرّة مشتركة بين العراق وسوريا وإيران، كما يقول نوار شعبان، وهو باحث في مركز عمران للدراسات، فالحديث عن منطقة حرة مشتركة بين الدول الثلاثة قديم، ويشير إلى أنه من الواجب "قبل إبداء الرغبة أو الإعلان عن هكذا مشاريع، وضع دراسة لجدواها الاقتصادية". كما يشير إلى نجاح إيران في التمدد اقتصادياً في جغرافيا بعيدة عنها، سواء في العراق أو لبنان وسواهما من الدول، بما يعني أن لدى إيران تجارب سابقةً. لكن الإقدام على خطوة اقتصادية في منطقة تُعدّ منطقة صراع، سيجعل هذه الخطوة عرضةً لتحديات هذا الصراع.

يفنّد شعبان خلال حديثه إلى رصيف22، كيف أن تحديات الصراع قد تكون من الداخل، أمنيةً وعسكريةً، أو خارجيةً على شكل تحديات سياسية. "لذا، يمكن توصيف الأمر على أنه سيف ذو حدين. لكن في تقديري، بإعلانها عن هذا المشروع في هذه الفترة، تأمل طهران الحصول على عدد من المكاسب، ومنها مكاسب إعلامية، بإثبات دورها الأساسي وترسيخه ولو على الصعيد الإعلامي فحسب، من خلال الإشارة إلى أنها موجودة في المنطقة في ظل الأزمات المتعددة التي تمرّ بها وخاصة العسكرية. وهي الرغبة الأساسية للجانب الإيراني حالياً، لتعزيز دوره الاقتصادي والثقافي والاجتماعي والسياسي والخدمي في سوريا تحديداً، على غرار تجربته في العراق ولبنان، مع اختلاف المستوى والأسلوب، إذ لا تعمل طهران في سوريا على إعادة تجربتها في العراق أو لبنان، وإنما على خلق شكل جديد للتدخل عبر القنوات الناعمة، وبما ينسجم مع طبيعة الواقع في المنطقة حالياً".

"إيران لديها صناعات ثقيلة يحتاجها الاقتصاد السوري، وهذا ما يعطيها ميزةً إضافيةً، مقارنةً بالدول المجاورة"، حسب الباحث عامر شهدا في "إرم نيوز". ويشير شهدا إلى أنه خلال الأزمة السورية، كانت إيران خياراً وحيداً لسوريا في تأمين احتياجاتها من المشتقات النفطية والسلع الغذائية ومستلزمات الإنتاج، وتالياً فإن وجود منطقة تجارة حرة ثلاثية تجمعها مع إيران والعراق أمر يبدو طبيعياً. مع ذلك، يشير شهدا إلى أن الاقتصاد الإيراني صاحب الحظوظ الأكبر في الاستفادة من منطقة التجارة الحرة؛ فهو ثاني أكبر اقتصاد في المنطقة بعد السعودية. 

من جانبه، يرى المستشار والخبير الاقتصادي، عادل الدلفي، أن المنطقة الحرّة تخدم الجانب الإيراني والسوري بشكل كبير، فـ"هي منفذ جديد للتجارة للدول الثلاث، تبعد عن المنطقة المتأثرة بالعقوبات، ما يعزز الموارد الاقتصادية ويزيد من العملة الصعبة فيها، بعد الضغوط التي وضعتها الولايات المتحدة على البنوك المركزية في هذه الدول"، منوهاً بأن الفكرة تم اقتراحها عام 2018.

ويعزز المشروع العلاقات بين طهران وبغداد ودمشق، والاستفادة من الإمكانات بينها، وفتح الأبواب إلى البحر الأبيض المتوسط، حسب الخبير الاقتصادي، حسن الصفار، الذي يشير إلى أن المشروع سيؤدي إلى وصل الخطوط الحديدية والطرق بين العراق وإيران، وإلى أن الأخيرة تسعى إلى إدخال الكويت وتركيا وبعض دول الخليج وأفغانستان ودول آسيا الوسطى في هذه المشاريع.

هذا التوجه ليس جديداً من قبل إيران تجاه العراق خصوصاً، حسب الدكتور إحسان الشمري، وهو رئيس مركز التفكير السياسي في العراق، مضيفاً خلال حديثه إلى رصيف22: "لا تزال إيران تنظر إلى العراق على أنه دولة 'جسرية' لتمرير مشاريعها السياسية، فهي تراه رئةً اقتصاديةً لها، وتالياً تحاول ربط العراق تدريجياً باقتصادها، وقد تكون موافقة حكومة رئيس الوزراء العراقي، محمد شياع السوداني، على مشروع الربط السككي إحدى بدايات مشروع المنطقة التجارية الحرة مع سوريا، خصوصاً أن مشروع الربط السككي لن يتوقف عند البصرة، بل سيمتد من الشلامجة إلى البصرة وصولاً إلى ميناء اللاذقية السوري ومن ثم البحر الأبيض المتوسط، حسب المخطط الإيراني له".

تنطبق على مشروع الربط السككي، الذي يُعدّ من لوازم أو متطلبات عمل المنطقة الحرة المشتركة، مقولة "أسمع جعجعةً ولا أرى طحيناً"، حسب الأكاديمي الاقتصادي والخبير غير المقيم في معهد "نيولاينز" في واشنطن، كرم شعار. فالحديث عنه بدأ قبل عام 2010، ولغاية اليوم لا توجد بوادر تشير إلى مباشرة العمل عليه قريباً، مضيفاً أنه حتى لو تم ذلك، فهناك مناطق شاسعة يمر عبرها المشروع ستكون عرضةً لهجمات داعش. لذا، "أستبعد إنجاز هذا المشروع".

كذلك، يستبعد الشعار خلال حديثه إلى رصيف22، إنشاء المنطقة الحرة المشتركة قريباً، عادّاً أنها "مكسب للجميع، عند الحديث عن دول حرة وعادلة. لكن في الوضع الحالي سوريا والعراق من أكثر بلدان العالم فساداً، وكذلك إيران التي لا تقلّ عنهما فساداً ووحشيةً. وفي مثل هذه الأوضاع المستفيد الأكبر من هذه المنطقة هي الطبقات الحاكمة لهذه الدول".

"لا تزال إيران تنظر إلى العراق على أنه دولة 'جسرية' لتمرير مشاريعها السياسية، فهي تراه رئةً اقتصاديةً لها، وتالياً تحاول ربط العراق تدريجياً باقتصادها".

وكان أمين سر غرفة التجارة السورية الإيرانية، مصان النحاس، قد نبّه إلى أن الخط البحري الذي يربط ميناء بندر عباس بطرطوس، وكذلك الخط البرّي من إيران إلى العراق ثم سوريا، الذي يلاقي صعوبات، وكذلك المنطقة الحرة، تُعدّ تسهيلاً للعلاقات في المستقبل، مثمّناً الخطوة لأنها ستقود العلاقات الاقتصادية نحو الأفضل.

التوازن في العلاقات

تشكّل البلدان الثلاثة قوةً في ما بينها، حسب الخبير الاقتصادي، أيمن قحف، فـ"لدى كل بلد ميزات نسبية تستطيع من خلالها أن تكون قوةً إقليميةً، ووجود منطقة حرة سيساعد على انسيابية التجارة والمشاريع المشتركة، ما ستكون له ارتدادات على المنطقة كلها". وبرأيه، يمثل مرور البضائع من إيران إلى العراق وسوريا والعكس شرياناً للتجارة المشتركة بين هذه البلدان.

"تواجه طهران وضعاً اقتصادياً حرجاً بسبب العقوبات الغربية، ومن الممكن أن يحقق تنفيذ المنطقة التجارية الحرة الثلاثية بين إيران والعراق وسوريا فوائد اقتصاديةً مهمةً، كتخفيف ضغوط العقوبات من خلال السيطرة على أسواق العراق وسوريا كبديل للدول المنافسة، لا سيما تركيا"، حسب سيد علي نجات، وهو باحث إيراني مختص بالعلاقات الإيرانية العربية. ويضيف نجات، أنه من ناحية أخرى يمكن للعراق وسوريا، الشريكين التجاريين لإيران، استلام بضائعهما بسعر أقلّ لأنها لا تخضع للرسوم الجمركية.

يضيف نجات خلال حديثه إلى رصيف22: "تواجه الدول الثلاثة، إيران والعراق وسوريا، حالياً، وضعاً اقتصادياً هشاً وغير مستقر، بالإضافة إلى معاناة إيران وسوريا من عقوبات عديدة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي خلال العقد الماضي. وعليه، يمكن أن تشكل العقوبات الجديدة تحدياً أمام تقدّم هذا المشروع. إلى ذلك، العراق وسوريا لم يحققا الأمن والاستقرار الكاملين حتى الآن، كما أن بعض المناطق الصحراوية تشكل بؤرة تجمع لعناصر داعش وخلاياه النائمة. وبجانب ذلك، الحدود بين العراق وسوريا غير مستقرة، وتشهد بين الحين والآخر اشتباكات بين القوات التابعة لإيران والقواعد الأمريكية في المنطقة الحدودية".

برأي الشعار، "يجب فهم السياق الأكبر للوقائع ومجريات الأمور في المنطقة عند الحديث عن منطقة التجارة الحرة المشتركة، فإيران تنظر إلى العراق وسوريا بشكل متشابه في بعض الجوانب، ومختلف جذرياً في جوانب أخرى. فمن حيث التشابه، لدى حكومة طهران طموح كبير لخلق حالة من الدمج الاقتصادي والمجتمعي بين إيران وسوريا والعراق، لكن الاختلاف الكبير يتمثل في نظرتها إلى العراق على أنه ساحة يمكن أن تحقق لها مكاسب سياسيةً وأخرى اقتصاديةً، إذ تستخدم العراق لغسيل الأموال، وكواجهة للتعاون مع مؤسسات أو بنوك رابحة، فيما يختلف الوضع في سوريا، فحتى اليوم لا تزال العوائد المرتبطة بالفوسفات أو بشركة مشغل الاتصالات الثالث وغيرها من مكاسب إيران الاقتصادية من سوريا، بالكاد تُذكر مقارنةً بإنفاق إيران فيها. مع ذلك، الحكومة الإيرانية راضية بالنظر لما حققته على المستويين السياسي والمجتمعي، إذ ترى في توغلها الإستراتيجي في سوريا قيمةً جوهريةً لا يمكن مقارنتها بالأموال المنفقة فيها".

"يجب فهم السياق الأكبر للوقائع ومجريات الأمور في المنطقة عند الحديث عن منطقة التجارة الحرة المشتركة، فإيران تنظر إلى العراق وسوريا بشكل متشابه في بعض الجوانب، ومختلف جذرياً في جوانب أخرى. فمن حيث التشابه، لدى حكومة طهران طموح كبير لخلق حالة من الدمج الاقتصادي والمجتمعي بين إيران وسوريا والعراق"... ماذا عن أوجه الاختلاف؟

ضمن جهود بغداد لإيجاد بدائل عن الغاز الإيراني، قال وزير الكهرباء العراقي، زياد علي فاضل، إن بغداد تتفاوض مع طهران لاستخدام الخطوط الإيرانية الواسعة والشاملة لنقل غاز تركمانستان الى العراق، وإن طهران في صدد دراسة الموضوع لإبداء رأيها فيه، لافتاً إلى توقيع العراق اتفاقيةً لاستيراد 20 مليون متر مكعب من تركمانستان، تحديه الوحيد عدم توافر خطوط لنقل غاز الأخيرة إلى العراق. وبموافقة طهران على استخدام خطوط النقل الخاصة بها، سيكون بمقدور بغداد استخدام غاز تركمانستان خلال الصيف القادم.

وكان العراق قد أعلن سابقاً عن إنشاء تكتل اقتصادي إقليمي يضم العراق وتركيا وإيران، في خطوة عدّها مركز المستقبل للأبحاث، تتضمن انتهاج بغداد سياسات إقليميةً متوازنةً، بالتوازي مع حرصها على الانفتاح والتعاون مع الدول العربية، حيث تتطلع دول التكتل إلى زيادة حجم التبادل التجاري بينها، إذ تسعى تركيا إلى رفع قيمة تبادلها التجاري مع العراق من 21 مليار دولار إلى 50 مليار دولار سنوياً. وتأمل طهران مضاعفة حجم مبادلاتها التجارية مع بغداد ليكون 20 مليار دولار سنوياً، فيما يبلغ حجم تبادلها مع أنقرة قرابة 10 مليارات دولار سنوياً، ويخطط البلدان لزيادة قيمته إلى 30 مليار دولار سنوياً.

إلى ذلك، يتطلع العراق إلى تعزيز تعاونه مع مصر والأردن عبر مشروع الشام الجديد، بهدف تحقيق التكامل الاقتصادي بين دوله الثلاثة في إقامة مشاريع اقتصادية، إلى جانب الربط الكهربائي واستكمال بناء خط الغاز العربي، ومع دول مجلس التعاون الخليجي من خلال الربط الكهربائي، وغيره من مجالات التعاون، وجميعها مشاريع سوف تسمح بتطوير الاقتصاد العراقي، ومزاحمة الاستثمارات العربية نظيرتها التركية والإيرانية.

من وجهة نظر الشمري، ينطوي تصريح طهران الخاص بمنطقة التجارة الحرة المشتركة على جزئية عملية دمج العراق بإيران، مع محاولة الأخيرة إبعاد الدول المنافسة لها في الساحة العراقية، كتركيا والدول العربية، والخليجية تحديداً، كونها "دول الارتكاز العربي"، والسعودية منها على وجه الخصوص، كونها دولة ارتكاز مالي واقتصادي، تقدّم المزيد من الفرص الاستثمارية للعراق. لذا، تحاول طهران الاستحواذ على الجغرافيا الاقتصادية العراقية. 

زحمة مشاريع 

مطلع آذار/ مارس الحالي، وقّعت مصر والإمارات صفقة استثمار عقاري تستحوذ بموجبها شركة "القابضة" (ADQ) على حقوق تطوير مشروع رأس الحكمة مقابل 24 مليار دولار بهدف تنمية المنطقة، مع استثمار 11 مليار دولار من ودائعها في مشاريع رئيسية بهدف دعم نمو الاقتصاد المصري وازدهاره. فالاستثمار في منطقة "رأس الحكمة" الساحلية الممتدة على بعد 350 كيلومتراً شمال غرب القاهرة، يمثّل خطوةً محوريةً نحو ترسيخ مكانة المنطقة كوجهة لقضاء العطلات على شواطئ البحر الأبيض المتوسط، ومركزاً مالياً ومنطقةً حرةً مجهزةً ببنية تحتية لتعزيز إمكانات النمو الاقتصادي والسياحي في مصر.

وبحسب الباحث في العلاقات الدولية، رمضان الشافعي غيث، جاءت صفقة "رأس الحكمة" في توقيت ازدادت فيه التحديات الاقتصادية على مصر مع أزمة نقص العملة الأجنبية والتزامات القاهرة المتعلقة بالقروض وفوائدها، بالتزامن مع تحديات جيو-سياسية أهمها الحرب الإسرائيلية على غزة وتداعياتها على المنطقة. لكن حتى الآن تفاصيل الصفقة غير واضحة، ما يطرح تساؤلات بشأن توقيتها وغموض تفاصيلها.

يضيف الشافعي غيث خلال حديثه إلى رصيف22: "بالطبع الصفقة الإماراتية داعمة للحكومة المصرية، في سياق تعاون ممتد بين الجانبين، ومع دخول 24 مليار دولار إلى مصر، ستتمكن الحكومة من الإيفاء بالتزاماتها الداخلية والخارجية. إلى جانب ذلك، سيزيد الاستثمار في مساحة رأس الحكمة الشاسعة من فرص العمل، وقد يساعد على زيادة طلب السلع والخدمات المرتبطة بالبنية التحتية للمشروع، مع إمكانية زيادة السياحة. ومن ناحية الإمارات، فإن أرض رأس الحكمة واعدة، فهي واحدة من أفضل الإطلالات على البحر المتوسط. مع ذلك، فإن إدراك الجدوى الاقتصادية للمشروع يمكن بلوغها حينما تعلَن التفاصيل كاملة".

بدورها، وقّعت الهند يوم الأحد الفائت، اتفاقاً يلغي معظم رسوم الاستيراد على المنتجات الصناعية القادمة من أربع دول أوروبية، تعهدت بموجبه سويسرا والنرويج وأيسلندا وليختنشتاين، باستثمار 100 مليار دولار على مدى 15 عاماً في الهند، التي وقّعت خلال العامين الماضيين اتفاقيات تجاريةً مع أستراليا والإمارات، مع إشارة مسؤوليها إلى اتفاق صار في مراحله الأخيرة مع بريطانيا، ضمن مساعي رئيس وزرائها، ناريندرا مودي، إلى تحقيق صادرات بقيمة تريليون دولار بحلول عام 2030.

بجانب ذلك، أشعلت إثيوبيا خلال الشهرين الماضيين تجاذباً إقليمياً، باستئجارها ميناء بربرة في إقليم أرض الصومال الانفصالي، على شواطئ البحر الأحمر، مع تضمّن المشروع إشارةً إلى إمكانية إنشاء منطقة تجارية في محيط المرفأ، وقاعدة عسكريّة، بالإضافة إلى ممر برّي يتصل بالداخل الإثيوبي. مع ذلك، أعلنت شركة "موانئ دبي العالميّة" عن رغبتها في مشاركة إثيوبيا في تطوير الميناء، ما يجعلها طرفاً مساهماً في المشروع، فهذه الشراكة بالإضافة إلى علاقة الإمارات الجيدة بإقليم أرض الصومال، تكمل تطلّعات الإمارات ودورها الاستثماري في الإقليم.

هذا الاستئجار، أو الاتفاق أو الاتفاقية، غير شرعي ويجب ألا يُقبل أو يمرّ، حسب الخبير المصري في الشؤون الإفريقية رامي زهدي، لأن إقليم أرض الصومال إقليم انفصالي منذ عام 1991، وغير معترف به من أي دولة أو هيئة دولية، مشيراً إلى نظرة إقليم أرض الصومال إلى الاتفاق كداعم لاقتصاده المستقل عن الحكومة الفيدرالية الصومالية، من خلال امتلاكه جزءاً من أسهم شركة الطيران الإثيوبية والحصول على عوائد الاستئجار، والأهم من ذلك، أنه يمهد الطريق أمام الاعتراف بالإقليم.

وعن العوائد الإثيوبية، يقول زهدي لرصيف22: "يمنح هذا الاتفاق إثيوبيا ممراً حيوياً مائياً إلى البحر، عبر ميناء سيادي وقاعدة عسكرية إثيوبية، وتالياً من وجهة النظر الإثيوبية يتيح المشروع لها دعم اقتصادها، والمساهمة في فرض الأمن في البحر الأحمر، مع تحقيق جهود التنمية وفتح آفاق للعمل والتربح للشعب الإثيوبي، ودعم صادرتها وواردتها". 

وبرأيه، "لا يمكن لعاقل رفض اتفاق يجلب الخير والرفاهية لشعوب عانت ولا تزال من ظروف اجتماعية واقتصادية صعبة، وغياب لأبسط مبادئ الحياة الكريمة. إلا أن تحقيق منفعة شعب عبر الإضرار بشعب آخر، أو انتهاك القوانين الدولية وسيادة الدول، أمر مرفوض. لذا، فإن معارضي الاتفاق المبدئي بين إثيوبيا وإقليم أرض الصومال يمتلكون دوافع منطقيةً عادلةً ومنصفةً، إذ يمثل الاتفاق تحركاً منفرداً لم يتم إعلام الدول ذات المصالح المشتركة به مسبقاً. كما يمثل تعدّياً على سيادة الصومال، وخرقاً للقانون الدولي بصفة عامة وأساسية. ويقدّم أسوةً سيئةً لدول أخرى في ظروف مشابهة لتسير على النهج نفسه. وهو إلى ذلك احتلال إثيوبي ناعم للإقليم الصومالي وتغيير لديمغرافيا الإقليم، بالإضافة إلى ما يمثله من تغيير لجغرافيا المنطقة وتهديده للأمن والسلم فيها، مع الإخلال بموازين القوى والأمن في البحر الأحمر، ما يولّد مشكلةً دوليةً قد تؤدي إلى صراع دبلوماسي أو مواجهة عسكرية كبيرة وربما إلى حرب متعددة الجهات والتوجهات. ويذكّر زهدي في ختام حديثه، باحتلال إثيوبيا أرض الفشقة السودانية المبني عليها سد النهضة، وسابقاً إقليم أوغادين الصومالي، بالإضافة إلى التدخل العسكري الإثيوبي لأكثر من مرة ولسنوات في الصومال.

الممر الاقتصادي يثير هواجس وتساؤلات مصريةً، حول تأثيره على حركة التجارة في قناة السويس، التي تمر عبرها تجارة جنوب آسيا وأوروبا، ويمثّل تحدياً لطموحات الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان، بتحويل بلاده إلى مركز إقليمي لإعادة تصدير غاز شرق المتوسط إلى أوروبا

الممر الهندي ورسم خرائط جديدة للمنطقة

إنشاء منطقة تجارة حرّة مشتركة في الظروف الطبيعية، هي مبادرة ممتازة، حسب الشعار، فأي مبادرة لإزالة عوائق التجارة بين الدول، هي مبادرة واجبة الدعم، من وجهة النظر الاقتصادية، وعلى الرغم من إيذائها لبعض الأطراف على المدى القريب، نتيجة منافسة قد تخرجها من السوق. لكن على المدى البعيد ستؤدي هذه المبادرات إلى تحسين إنتاجية الكل، من خلال ذهاب كل دولة من هذه الدول نحو التخصص في ما هي قادرة على تقديم قيمة مضافة أعلى فيه. 

يبقى مشروع الممر الاقتصادي الهندي الشرق أوسطي الأوروبي، الذي تم الإعلان عنه مطلع أيلول/ سبتمبر الماضي، خلال قمةG20  في نيودلهي، ذروة المشاريع الجيو-اقتصادية والجيو-سياسية المقترحة في المنطقة، وقد يعيد رسم خطوط تجارتها الإقليميّة، حسب فنك، وفق مصالح دول المشروع، حيث تمتلك جميع الدول الموقعة عليه اعتبارات جيو-سياسية واقتصادية، تدفعها لدعم المشروع، ما يفتح باب التساؤل عن التحولات التي ستطرأ على المشهد الإقليمي، في حال نجاح المشروع على المدى البعيد. في المقابل، تتوجس دول تم استبعادها من المشروع، كمصر والعراق وإيران وتركيا، من نتائجه مستقبلاً.

فالممر الاقتصادي يثير هواجس وتساؤلات مصريةً، حول تأثيره على حركة التجارة في قناة السويس، التي تمر عبرها تجارة جنوب آسيا وأوروبا، ويمثّل تحدياً لطموحات الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان، بتحويل بلاده إلى مركز إقليمي لإعادة تصدير غاز شرق المتوسط إلى أوروبا. فالممر، سيربط إمدادات الطاقة في إسرائيل مباشرةً بالسوق الأوروبيّة، دون المرور بتركيا. كذلك يمثل تحدياً على جميع المستويات لإيران، فمن جهة، يزيد التقارب الاقتصادي بين إسرائيل وجيرانها العرب، ويمكن أن يُترجَم لاحقاً إلى تقارب سياسي يقضم من نفوذها في المنطقة، ومن جهة أخرى، يتخطى الممر الجديد دور إيران، كوسيط جغرافي بين الهند ومنطقتي الشرق الأوسط وأوروبا. فيما يبرز العراق كطرف أقلّ ضرراً، برغم تأثير الممر على مشروع "طريق التنمية"، الهادف إلى تحويل العراق إلى مركز إقليمي للنقل بين دول الخليج العربي وتركيا وأوروبا، فيما الممر الهندي يربط دول الخليج بأوروبا دون المرور بالأراضي العراقية.

هناك مفاوضات دول مجلس التعاون الخليجي مع الصين لإنشاء منطقة تجارة حرة بين الجانبين.

وبحسب الشمري، منطقة التجارة الحرة وما تتطلبه من ربط سككي، قد ينسفان طريق التنمية الذي لم يبدأ بعد. وعليه، هذه المشاريع -ومن يتماهى معها- تعمل على عدم إحراز تنمية اقتصادية في العراق، خصوصاً أن العراق لم يصل إلى الآن إلى المستوى الإنتاجي الذي يضعه في كفة متساوية مع الآخرين خلال عمليات التبادل التجاري.

وفي هذا السياق، تحرص الإمارات على تطوير تبادلاتها التجارية مع دول محدّدة كالهند، التي أبرمت معها اتفاقيّة تجارة حرّة واسعة النطاق خلال العام 2022، تأمل أبو ظبي منها زيادة تبادلاتها التجارية مع نيودلهي بين عامي 2023-2027، إلى 100 مليار دولار. كذلك وقّعت في آذار/ مارس 2023، اتفاقية تجارة حرة مع تركيا، بهدف زيادة التجارة بينهما إلى 40 مليار دولار خلال السنوات الخمسة المقبلة. كما أقامت علاقات دبلوماسيةً مع إسرائيل في أيلول/ سبتمبر 2020، ما أتاح تطوير العلاقات التجارية بين البلدين. وفي نيسان/ أبريل 2023، دخلت حيّز التنفيذ اتفاقيّة الشراكة الاقتصاديّة الشاملة بين الطرفين، والتي تنص على خلق بيئة تجارية مفتوحة وغير تمييزيّة بينهما، مع إعطاء مقدّمي الخدمات في كل دولة فرصة الاستفادة من الخدمات المحلية في الدولة الأخرى.

وفقاً لعلي نجات، يحقق إنشاء مناطق تجارة حرة، في حال نجاحها، العديد من الفوائد، کجذب ونقل التكنولوجيا إلى اقتصادات الدول، وجذب رؤوس الأموال الأجنبية إلى قطاعات الإنتاج، مع زيادة دخل الدول، من خلال الأنشطة الخدمية والمساعدة على دخول السلع الوسيطة ورأس المال، ما يساعد الدول على دخول الأسواق العالمية والتعرف على التجارة الخارجية وتوسيع وتنويع الصادرات وزيادة الإنتاج والقيمة المضافة للقطاعات الاقتصادية، خاصةً قطاع الصناعة للاقتصادات المغلقة وغير الفعالة. إلا أن إنشاء المنطقة التجارية يتطلب توافر المتطلبات اللازمة، بما في ذلك إنشاء الرصيف البحري أو إنشاء وتطوير مطار، وإنشاء محطات، وإنشاء مستودعات مناسبة في الميناء، وتوفير وسائل النقل والماء والكهرباء والوقود للمنطقة التجارية المطلوبة. ما يعني أن إنشاء منطقة تجارية مشتركة يتطلب استثمارات كبيرةً وضخمةً.

ختاماً، لا بد من الإشارة إلى مفاوضات دول مجلس التعاون الخليجي مع الصين لإنشاء منطقة تجارة حرة بين الجانبين، إلى جانب دعوة مجموعة "بريكس" خلال قمتها الأخيرة في جوهانسبرغ في جنوب إفريقيا، كلاً من السعودية ومصر والإمارات وإيران وإثيوبيا والأرجنتين للانضمام إليها، وهو ما لم تظهر معالمه أو تأثيره على اقتصادات المنطقة أو اقتصادات الدول الخمس المنتمية للمنطقة حتى الآن، في ظل الانشغال بالحرب على غزة، وما تبعها من احتكاك ساخن في بعض الساحات الإقليمية، كالعراق وسوريا ولبنان واليمن، حيث بات تهديد الحوثيين لحركة الملاحة والتجارة العالمية، مؤرقاً وباعثاً على البحث عن حلول أكثر استدامةً لسلاسل التوريد العالمية.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

بالوصول إلى الذين لا يتفقون/ ن معنا، تكمن قوّتنا الفعليّة

مبدأ التحرر من الأفكار التقليدية، يرتكز على إشراك الجميع في عملية صنع التغيير. وما من طريقةٍ أفضل لنشر هذه القيم غير أن نُظهر للناس كيف بإمكان الاحترام والتسامح والحرية والانفتاح، تحسين حياتهم/ نّ.

من هنا ينبثق رصيف22، من منبع المهمّات الصعبة وعدم المساومة على قيمنا.

Website by WhiteBeard