شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ضمّ/ ي صوتك إلينا!

"أقاصيص أقصر من أعمار أبطالها"... واقع يُمحى وعالم يتّسع

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

رأي نحن والتنوّع

الأربعاء 3 أبريل 202410:28 ص

كأنما طارق إمام يفتح باباً للسرد كل مرة، منذ بداية مشروعه، لكن ثمّة علامات بارزة لفكرة الباب المشرع على جديد، في مدينة الحوائط اللانهائية، وماكيت القاهرة، وأخيراً تلك المجموعة الفريدة "أقاصيص أقصر من أعمار أبطالها"، وهي أقاصيص مكثّفة، تقف بين تخوم القص وقصيدة النثر، كقصة مكتملة الأركان وقصيدة مكتملة الأركان، لكن بجوار ذلك الشكل الذي يفتح إمكانية لا يحوزها إلا شاعر بالفطرة وقاص بالفطرة، في ذلك الخرق بين الأجناس الأدبية، يمكن أن نقرأ تلك المجموعة، التي تبدأ بمفتاح لافت لديفيد كورنويل: "نحن لا نعيش في الواقع وإنما نزوره".
يخترق طارق إمام الواقع، ليمحوه، وربما ليضاعف من احتمالاته الضيقة.
أنت لا تنتظر من طارق إمام أن يضيء لك الواقع عبر الخيال، رغم أن القصص/ القصائد بالتأكيد قد استلت منه، ولكن بعد تمزيقه، فالواقع هنا ضيق الأفق، يصير صغيراً ومسوراً بجدران أربعة، الخيال ينسف الجدران، ويضيء آلاف الاحتمالات الأخرى لذلك الواقع، كأنما العالم يتسع، لكن أليس هذا هو هدف الأدب أيضاً؟ كل قصيدة أو قصة أو رواية، تصير هي في ذاتها خرقاً لحدود العالم وإضافة منتزعة لرقعته.

كأن طارق إمام هو ذلك الطفل الذي يرفض عبر الأدب أن يكبر، متشبثاً بالطفولة إلى حد الهدم الشرس للواقع، حد أن مسألة استدعاء الابنة والأب والشقيق، بل وصورة الأم وابنتها في واحدة من القصص، تتعلق أكثر ما تتعلق بلعبة الأعمار، فيتبادل الجميع الأدوار، يستكمل الطفل شيخوخة أبيه، والأب طفولة الابن
قُسِّم الكتاب إلى ثلاثة أقسام "لأننا نولد عجائز" و"هايكو المدينة" و"لأننا نموت أطفالاً". وفي الأقسام الثلاثة ترى الشيء عينه: ليست في المعجزات خدعة، الخداع الوحيد هو الواقع، كأن طارق إمام هو ذلك الطفل الذي يرفض عبر الأدب أن يكبر، متشبثاً بالطفولة إلى حد الهدم الشرس للواقع، حد أن مسألة استدعاء الابنة والأب والشقيق، بل وصورة الأم وابنتها في واحدة من القصص، تتعلق أكثر ما تتعلق بلعبة الأعمار، فيتبادل الجميع الأدوار، يستكمل الطفل شيخوخة أبيه، والأب طفولة الابن. أما الموت فالمسافة بينهما تُلغى ببساطة في الإهداء الرهيف للأب السيد إمام، بل وتُقلب فيه العلاقة: أنت فوق التراب... أنا تحته.
كما أن المسافات، كل المسافات، تتلاشى عبر معجزة الكتابة، إذ تصغر القدمان وتتسع الأحذية، حتى يصير التجول بها كافياً لإلغاء الطريق، أما الأحلام فتصير مرتَّبة في أحداث تتطور كالواقع، بينما الواقع نفسه يصير ممزقاً يحتوي "أحداثاً مجتزأة مبسترة، غامضة وغير مرئية"، كالأحلام، في تبديل آخر للأدوار، حد أن جسده الواقعي لم يعد يجرح، وحدها الجروح الباقية والتي تترك أثراً حقيقياً هي الباقية من مشاجرات المنام، إنها الكتابة إذ تؤمن أن لا شيء حقيقي خارجها، وأن لا شيء خارج الفن، ودور الكاتب ليس مضاعفة الواقع، بل مضاعفة عالم الفن.
ومنذ القصة الأولى، "الحياة"، وما يتكرر على مدار النصوص، لأنه شرط اللعبة، تختلط الحيوات بسهولة، تسيل وتندمج وتعيد إنتاج حيوات جديدة، كشأن عملية الخلق الفني في جميع الفنون - "كل مرة، الشخص نفسه، لكن بحياة جديدة، بمهنة مختلفة، بمزاج مغاير، بأسرة سابقة تبخرت وبأسرة لاحقة حلت من العدم لتحط على كتفي حياته: حياته التي تنتهي إلى الأبد كلما تركت بيتاً، وحياته التي تبدأ على عجل مع كل بيت جديد أدخله".
وهو ما يحدث أيضاً في قصة "متطابقون"، إذ يتجاوز مسألة خلط الحيوات، للفكرة الأثيرة عند طارق منذ "ماكيت القاهرة" عن القوة الإيجابية للنسخة المحرّفة التي لا تعود كذلك، بل تنفي الأصل والنسخة.

طوال الطريق الواصل بين العجز والطفولة، بين قوسي الحياة والموت، ينكشف تفكيكٌ للمتاهة المعقدة للحياة وللحب وللصداقة وللأبوة وللسلطة، واستعادة لفن الأقصوصة على يد كاتب موهوب…
في القسم الثاني، "هايكو المدينة"، الجسر الواصل بين "لأننا نولد عجائز" و"لأننا نموت أطفالاً"، تختفي الأقاصيص، لنصل إلى القصة الومضة التي تختلف عمّا سبقها وما تلاها في الكتاب، إذ يمعن طارق في إخفاء الفارق بين القصة والقصيدة، ويكثف العالم في ثلاثة أو أربعة أسطر، لا تكتمل بذاتها، لكن بخيال قارئها، كقطع عرضي وعشوائي على لقطة في حلم:
" القبلة بقعة دم
خلّفتها شفة خائفة
التصقت بفم قائلها"
--
"يثورون في الميدان الكبير كلما غضبوا
وعندما يرون صورهم في الشاشات
يكتشفون أنهم لم يغادروا البيت"
 طوال الطريق الواصل بين العجز والطفولة، بين قوسي الحياة والموت، ينكشف تفكيكٌ للمتاهة المعقدة للحياة وللحب وللصداقة وللأبوة وللسلطة، واستعادة لفن الأقصوصة على يد كاتب موهوب، إذ طالما كان ذلك الفن ملاذاً للمدعين ومتوسطي المواهب، لكن على يد فنان حقيقي، تتحول تلك المجموعة التي تجمع بين أشكال مختلفة من القصة القصيرة إلى عقد من اللآلئ، وفي العمق هي رؤية جديدة إلى المدينة، مشروع طارق الأثير، منذ "شريعة القطة"، مروراً بـ"ماكيت القاهرة"، وأخيراً في مجموعة "أقاصيص أقصر من أعمار أبطالها" التي تعيد اكتشاف العالم من زوايا مدهشة في عجائبيتها وعميقة في تفجير مفارقات الواقع الذي نظن أننا نعرفه.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel


* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

ثورتنا على الموروث القديم

الإعلام التقليديّ محكومٌ بالعادات الرثّة والأعراف الاجتماعيّة القامعة للحريّات، لكنّ اطمئنّ/ ي، فنحن في رصيف22 نقف مع كلّ إنسانٍ حتى يتمتع بحقوقه كاملةً.

Website by WhiteBeard