شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

لنبدأ من هنا!
لو كنت أعيش مثل عنترة بن شدّاد

لو كنت أعيش مثل عنترة بن شدّاد

لعل ما يحدث حالياً في فلسطين هو ما دعاني حقاً لإعادة العمل على مقال هجرته منذ سنة. مرت حوالى الثلاث أو اربعة سنوات منذ أن توقفت عن كتابة مقالات الرأي والخواطر، منذ أن كتبت بيت شعر بالعربية. التهمتني دراسات القانون الجامدة التي لا روح فيها بالرغم من حبي الشديد لها، وابتعدت تدريجياً عن ما كان مهرباً في سنوات الثانوية: الكتابة والأدب.

كنت ولا زلت من المولعين باللغة العربية، اللغة الوحيدة القادرة على فهم عمق ما يخالج المرء، ألمه، هواه، وحدته، شوقه، وحدها أغاني وردة الجزائرية تشعرني بالمعنى الحقيقي للحب الأول و الأخير في زمن صار فيه الحب رأسمالياً مسلعناً، شبه مرغوب فيه. وحدها أغاني أم كلثوم في ليالي كانون الأول/ديسمبر القارسة تؤنس وحدتي. ووحدها أغاني الشاب خالد لها نكهتها الخاصة في الغربة.

كانت علاقتي مع انتمائي للعالم الثالث سيئ السمعة، معقدة بعض الشيء ككلّ أقراني، بين نقمة باطنية وولع طائش بالغرب، لم أفهم أي تيار سالك، قومية عربية مدافعة بشراسة عن الانتماء لدرجة التغافل عن لحظات النقد البناء الضرورية وعن تيار الأنتليجنسيا النخبة الناكرة عروبتها.

صار الرحيل عن أوطاننا، هاجسنا و هدفنا الأول، لا رغبةً ولكن ضرورة، لأن العبء الذي نحمله صار مضنياً منهكاً

كان الأمر بمثابة البحث عن الذات، لأن جزء من الذات هو هذا الإحساس الدفين بالانتماء لهذا العالم مشوّه السمعة.

صار الرحيل عن أوطاننا، هاجسنا و هدفنا الأول، لا رغبة ولكن ضرورة، لأن العبء الذي نحمله صار مضنياً منهكاً.

كانت "نظريات المؤامرة" عن سبب سوء حال العالم الثالث، غير مرحب بها من قبل الأنتليجنسيا، النخبة الانتهازية التي ترفض أن يذكر اسم الولايات المتحدة أو المملكة المتحدة، ولا يزال الاستعمار مبرراً من قبل البعض، لا تزال بشاعة ما قامت به ما يطلق عليها بالحماية الفرنسية من وجهة نظر أكاديمية لها دواعيها وأسبابها.

على مقاعد الكليات، أو في اللقاءات الأدبية، قد يصبح لغو بعض شبه الأكاديميين، عبثاً ويغدو دفاعهم المستميت عن بعض المنظمات والأجندات واضحاً للعلن.

ما يحدث حالياً في فلسطين، أزاح ربما هذه الغيمة التي أعمت بصيرتنا، هذا الولع المرضي بغرب لم تطأه أقدامنا قط، هذا الولع بعالم صار هويتنا.

غدا مفهوم العالم الثالث مقترناً بالعجز والوهن، الانتماء إلى بلدان الجنوب تجاوز التهمة ليرتقي إلى مرتبة الشتيمة, صار العالم الثالث مرادفاً للهجرة الغير الشرعية، للعبور خلسة من الحدود التركية، بقوارب الموت المتجهة نحو لامبيدوزا.

نحن ضدّ "الهُم"؛ هم المثقفون والمبدعون وأبناء الحضارة. أما نحن أبناء الحروب اللامتناهية، أبناء الفقر المدقع و الحقوق المسلوبة و الحكام البلطجية، هكذا يعيش أطفال العالم الثالث مولعين" بأسياد الحضارة و ثقافتهم" في قطيعة مع "النحن".

قطيعة مع ذواتنا، مع ثقافتنا المشوهة، مع انتمائنا، مع لغتنا، مع أدبنا، مع شعرنا، مع فلسفتنا ونظرتنا للحياة.

هذه الهرولة اليومية نحو الحصول على التأشيرة، الوقوف لساعات في طوابير مراكز التأشيرات أو السفارات على أمل قبول الطلب بعد دفع مبالغ طائلة، والعودة للمرة الثانية والثالثة بعد الرفض.

نحن أبناء الحروب اللامتناهية، أبناء الفقر المدقع و الحقوق المسلوبة و الحكام البلطجية، هكذا يعيش أطفال العالم الثالث مولعين" بأسياد الحضارة و ثقافتهم" في قطيعة مع "النحن".

الهرب من غد مجهول، من تبعية دائمة لصندوق النقد الدولي، من أزمات اقتصادية متتالية، من مطاردة متزامنة للمعارضة، من إبادات جماعية.

حلم المواطن العربي بسيط في أعين الغربي، الرحيل الى آخر بقاع الأرض، عله يظفر بيوم واحد دون غارات جوية او صواريخ، يوم واحد دون تشييع جثة أخ أو صديق.

هذه النظرة الاستشراقية للعالم الثالث عززت الكليشي المسوق حول سكان الجنوب، متقاعسون، لا يتقنون عملهم، فشلهم ليس إلا نتيجة لتخلفهم الجيني، مما يجعلهم في حاجة دائمة إلى منقذ: رسول غربي، متقن لشتّ فنون الحياة، متحضر ومثقف، مؤمن بالقيم الديمقراطية.

هذا الظن المترسخ بأن أزمة بلدان الجنوب قد تتعمق لولا الحضور الخانق للغرب، سوبرمان الشرق الأوسط و زورو أمريكا اللاتينية.

هو توهم مرضي، قد صار جزءاً من المعادلة، العالم الثالث في شلل تام لولا منقذنا. عقدة المنقذ الأبيض، هو الاعتقاد بأن العالم الثالث في حاجة ماسة إلى الانتشال من أزماته المتواصلة، بأنه عاجز عن بلوغ أقصى درجات التحضر لولا يدعون الغرب.

منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، أثبتت السردية الغربية مدى خوائها بل تناقضها، بين المناداة اليومية لإرساء القيم الديمقراطية وضرورة احترام حقوق الإنسان، والصمت الرهيب أمام مجازر الاحتلال.

مشاهد المجازر اليومية من تفجيرات لمستشفيات، غارات جوية، رضع مقتولة ومخطوفة، نساء مغتصبات ورجال عراة في الشوارع، لا تبدو مخالفة لمنظومة حقوق الإنسان ما دام الغرب لم يحرك ساكناً، ما دام نفس السؤال العقيم يطرح للمرة الألف "do you support Hamas".

من المعضلات الفكرية التي لا أنفك عن التفكير فيها، هي أسطورة النسوية البيضاء وسردية تحرير نساء العالم الثالث وخاصة نساء الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، عن المرأة العربية المقموعة التي تنتظر يد عون هيلاري كلينتون أو تايلور سويفت لإنقاذها.

هي نظرة اكتسبت قاعدتها الجماهيرية الواسعة عقب أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001، و خاصة بعد نشر البيت الأبيض لتقرير تحت عنوان حرب طالبان ضد الأفغانيات في 17 من تشرين الثاني/نوفمبر 2001. في نفس اليوم استغلت السيدة الأولى وتوجهت للشعب في مداخلة إذاعية مشددة على تحرير المرأة الأفغانية.

عمقت النسوية البيضاء الفجوةَ بين مشاكل المرأة الغربية ومشاكل مرأة العالم الثالث وساهمت في تعميم معاناتها وترويجها على أساس نموذج المعاناة العالمي وهو ما ساهم في إسكات نساء العالم الثالث وغلق أفواههن.

معادلة تحرير المرأة العربية سهل للغاية: ملعقة تبني لاستبطان الفكر الاستعماري + ملعقتان نكران عروبة + كوب خلع حجاب، وتترك على نار هادئة .

حلم المواطن العربي بسيط في أعين الغربي، الرحيل الى آخر بقاع الأرض، عله يظفر بيوم واحد دون غارات جوية او صواريخ، يوم واحد دون تشييع جثة أخ أو صديق

ولا يخلو الخطاب النسوي الأبيض من تناقض ومفارقات، فالمرأة الأفغانية مضطهدة من قبل طالبان، أما المرأة الفلسطينية فتعدّ إرهابية بالرغم من انتهاك حقوقها من قبل إسرائيل.

ولا تزال المرأة العربية تروَّج على أساس الزوجة الرابعة المطيعة التي لا تجيد إلا فنون الطبخ والإنجاب، أما عن العلوم والفنون، فهي غريبة عن المخيلة العربية، وهو ما كان شديد الوضوح في الحوار التلفزيوني بين كلٍّ من مصطفى البرغوثي وجوليا هارتلي بروير، والتي تعللت بمقاطعته لها في عديد المرات "ربما لست متعوداً على نساء تتكلم ".

خبراء شؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا،  خريجو يال و هارفارد وشعبيتهم في صفوف الأنتليجنسيا الغربية, عباراتهم الأكاديمية المنمقة ومقالاتهم التي لا تمت لواقع العربي بصلة، هوة واضحة بين ما نعيشه وما يكتب عنا في شرفات نيويورك أو في مقاهي الزمالك.

كان بودي حقاً أن أعيش كعنترة بن شداد سابقاً، بيد أن العالم العربي لم يعد قبائل او خلافة، بل دول يحكمها القانون: برلمانات و رؤوساء حكومات بعضنا خاضع للحكم الملكي وبعضنا الرئاسي الذي غدا رئاسوي.

كم بودي لو كنت أجوب الصحراء بناقة، لكننا مجموعة بشرية أبرمت عقداً اجتماعياً في ما بينها لتعلن عن قيام الدولة و صياغة مفهوم المواطنة.

فلماذا يستغرب الغرب من رؤية طرقات وسيارات ومدارس؟


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel


* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

لا ليل يطول، ولا خريف

بعد ربيعٍ عربي كان يزهو بفورات الأمل ونشوة الاحتجاج، ها هي نوستالجيا الحريّة تملأ قلوب كلّ واحد/ ةٍ منّا حدّ الاختناق.

نوستالجيا أفرغها الشلّل القسريّ الذي أقعدنا صامتين أمام الفساد العميم والجهل المتفشي. إذ أضحت الساحات أشبه بكرنفالاتٍ شعبية، والحقيقة رفاهيةً نسيناها في رحلتنا المضنية بحثاً عن النجاة.

هنا في رصيف22، نؤمن بالكفاح من أجل حياةٍ أفضل لشعوب منطقتنا العربية. ما زلنا نؤمن بالربيع العربي، وربيع العالم أجمع.

Website by WhiteBeard