شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

قدّم/ ي دعمك!
هل أصبحت أمريكا صديقة لنا؟… زاوية مغايرة للفهم

هل أصبحت أمريكا صديقة لنا؟… زاوية مغايرة للفهم

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

رأي نحن والمشرّدون

الخميس 28 مارس 202408:21 ص

بامتناع الولايات المتحدة الأمريكية عن التصويت على مشروع قرار وقف إطلاق النار في غزة، وتفضيلها هذه الخطوة على استخدام حق النقض الفيتو، فإن المشروع الذي تم تقديمه من الدول العشر غير الدائمة العضوية قد مٌرّر بنجاح، وتم اعتماده من المجلس كقرار ملزم للطرفين. 

يدعو هذا للتساؤل: هل تغيرت سياسة الولايات المتحدة بهذه السهولة تجاهنا - نحن الفلسطينيين - وتجاه حقوقنا؟ وهل هي بذلك تقف فعلاً معنا وتتخلى عن حليفتها إسرائيل؟ أو على الأقل هل يمكن اعتبار ذلك تغييراً في سياستها تجاه إسرائيل؟ وفي المقابل، كيف يمكننا فهم التصريح السريع، الذي جاء مباشرة بعد تصويت مجلس الأمن، أن هذا "لا يُعد تحولاً في سياسة الولايات المتحدة"؟

لقد انتهيت في المقال السابق، هنا، عند فكرة أن الولايات المتحدة تطيل أمد الحرب في غزة من أجل إنهاك الطرفين، أعني الفلسطينيين والإسرائيليين، وتخفيض سقف توقعاتهما، وبالتالي سهولة فرض حل يقبلان به. وأن هذا الحل لا بد أن يكون مقبولاً، وبالتالي مدعوماً من الدول التي طبّعت علاقاتها مع إسرائيل وتلك التي تسعى إلى ذلك. أما من جانب إسرائيل، فعلاوة على هدية العلاقات الطبيعية مع جيرانها العرب فسوف يتم إهداؤها أمناً مستداماً من جهة إيران.

هل تغيرت سياسة الولايات المتحدة بهذه السهولة تجاهنا - نحن الفلسطينيين - وتجاه حقوقنا؟ وهل هي بذلك تقف فعلاً معنا وتتخلى عن حليفتها إسرائيل؟ أو على الأقل هل يمكن اعتبار ذلك تغييراً في سياستها تجاه إسرائيل؟

لنعد في الزمن إلى الوراء قليلاً، أي إلى تولي الرئيس الديمقراطي جو بايدن رئاسة الولايات المتحدة عام 2021، ولنتذكر شخصية لمعت لأكثر من سنة ثم اختفت فجأة. هل تذكرون روبرت مالي؟ الدبلوماسي الأمريكي الذي عيّنته الإدارة الأمريكية برئاسة جو بايدن، مسؤولاً للمفاوضات مع إيران حول برنامجها النووي؟ فمن هو روبرت مالي هذا، وأين ذهب؟

إنه صديق أنتوني بلينكن منذ مرحلة شبابهما في باريس. وهو الذي عمل مع وزير الخارجية الأسبق جون كيري في المفاوضات مع الإيرانيين، وكان واحداً من ألمع مهندسي الاتفاق النووي مع إيران في عام 2015، أي في عهد الرئيس باراك أوباما. في تلك الفترة كان روبرت مالي يفاوض الإيرانيين، وكان أنتوني بلينكن نائباً لرئيس مجلس الأمن القومي الأمريكي، وكان التنسيق فعالاً بين المنصبين الحسّاسين، والصديقين القديمين المقربين اللذين يشغلانهما.
لنعد أكثر قليلاً، ونتساءل من هو جون كيري؟ نعم، إنه وزير الخارجية في عهد أوباما، متبني نظرية الشرق الأوسط الجديد. لكنه قبل ذلك، أي في العام 2004، كان المرشح الرئاسي الخاسر أمام الجمهوري جورج دبليو بوش. وهو قبل أن يترشح للرئاسة عن الحزب الديمقراطي كان عضواً في مجلس الشيوخ، وكان تحديداً عضواً في لجنة الخارجية والأمن في المجلس، وهو الذي ترأس جلسات الاستماع والتحقيق في قضية إيران-غيت، بين الأعوام 1987 و1989 وأثبتها فأصبحت فضيحة.
عودة قليلاً في الزمن إلى إيران-غيت أو إيران-كونترا، إنها الاتفاقية التي تم بموجبها بيع صواريخ تاو المضادة للدبابات، وصواريخ هوك المضادة للطائرات من أمريكا إلى جمهورية إيران الإسلامية، لاستخدامها في الحرب ضد العراق، وذلك في 1985 و1986 أي في عهد الرئيس الجمهوري رونالد ريغان. أيامها جرى شحن هذه الأسلحة بمعظمها من إسرائيل وعلى متن طائرات إسرائيلية.

لنتقدم مجدداً إلى العام 2021 أي العام الذي تولى فيه بايدن الديمقراطي سدة الحكم في أمريكا وعيّن روبرت مالي مبعوثاً خاصاً للمفاوضات مع الإيرانيين (هل هو الذي عيّنه أم أوباما من خلف الستارة؟ لا يهم كثيراً). أيامها كان في إسرائيل حكومة مطاوعة للديمقراطيين، وهي حكومة بينيت-لابيد، بإمكاننا القول أيضاً إنها حكومة يرأسها أشخاص غير مخضرمين سياسياً! لا يهم أيضاً. ما يهم هو أن لا أحد احتج جدياً على روبرت مالي، أو على إعادة فتح المفاوضات مع إيران حول ملفها النووي، والتي كان قد انسحب منها الرئيس السابق دونالد ترامب في 2018 وسط تذمر الديمقراطيين والأوروبيين ووكالة الطاقة الذرية.
في العام 2023 جاء نتنياهو اليميني إلى الحكم في إسرائيل، أي جاء حليف المحافظين في أمريكا. وتحت الضغوط الإسرائيلية وضغوط الجمهوريين وصراع تياريّ اليمين واليسار في الحزب الديمقراطي، تمت تنحية روبرت مالي دون إبداء أسباب مقنعة. لا يملك كاتب هذه السطور أية أدلة على هذا السيناريو، لكنه يؤمن بنظرية البحث عن المستفيد.

والمستفيد الأول من تعثر المفاوضات مع إيران هو نتنياهو، الدليل هنا فاقع وصارخ... فلم تكد تنفضّ جلسة مجلس الأمن حتى خرج وزير الدفاع الإسرائيلي غالانت، في إطلالة صحافية ملوّحاً بحرب مع حزب الله حليف إيران الأقرب. وكأنه يقول لأمريكا: تريدون تخريب خطتنا في غزة؟ إذن سنخرب لكم خطتكم في المنطقة بجرّكم إلى حرب مع إيران. أما المستفيد الثاني فهو الجمهوريون الذين لا يؤمنون باحتواء إيران بل بإنهائها. أما المستفيد الثالث فهو التيار اليميني في الحزب الديمقراطي والذي يمثله بايدن الرئيس وجو كيربي، منسق شؤون الأمن القومي في البيت الأبيض، ولهذا السبب تم تسليم ملف المفاوضات مع إيران لمسؤول الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي بريت ماكغورك، دون أي ترحيب من بلينكن الذي يتولى حقيبة الشؤون الخارجية.

هل أصبحت الولايات المتحدة صديقة لنا على حساب إسرائيل؟ بالطبع لا. فكل ما هنالك لا يتعدى "فرك أذن" لنتنياهو، هذا من دون أن نخوض في جوهر القرار الذي تم تمريره في مجلس الأمن، وإمكانية تطبيقه من عدمها. وهل إذا جرى تطبيقه يمكن أن نعتبره انتصاراً سياسياً لنا أم مجرد استراحة للضحايا من إجرام الآلة العسكرية في رمضان

هل هناك خلافات بين الخارجية الأمريكية وبايدن؟ بالتأكيد، وهي واضحة في تصريحات الطرفين منذ بداية الحرب، وهي كانت واضحة في الفيديو الذي تم نشره لتصريحات بايدن حول الرئيس الصيني، والامتعاض الذي أظهرته الكاميرا على وجه بلينكن. وهي واضحة منذ تولي الإدارة الحالية مهامها، فحين سُئل بلينكن عن العقوبات على إيران، أجاب بكل وضوح: "أنا مع عقوبات على إيران، ولكن ليس بسبب ملفها النووي، بل بسبب سوء سلوكها في مجالات أخرى". ما هو سوء السلوك هذا؟ إنه دعم الفصائل التي تعوق الترتيبات الأمريكية للشرق الأوسط. ولنكن أكثر دقة: الترتيبات الديمقراطية، وتحديداً ترتيبات تيار أوباما في الحزب الديمقراطي، ونظريته لشرق أوسط جديد.
لكن نتنياهو وحكومته اليمينية المتطرفة يعوقان أيضاً هذه الترتيبات. إذن لنتخلص منه، لكن دون الإضرار بالعلاقة الإستراتيجية مع إسرائيل. علينا أن نخلق إسرائيل جديدة تتوافق مع هذه الترتيبات وترى فيها مصلحة إستراتيجية لها، أفضل وأطول من مصالح اليمين، سواء كان هذا اليمين أمريكياً أو إسرائيلياً.
إذن هل أصبحت الولايات المتحدة صديقة لنا على حساب إسرائيل؟ بالطبع لا. فكل ما هنالك لا يتعدى "فرك أذن" لنتنياهو، هذا دون أن نخوض في جوهر القرار الذي مُرّر في مجلس الأمن، وإمكانية تطبيقه من عدمها. وهل إذا طُبّق يمكن أن نعتبره انتصاراً سياسياً لنا أم مجرد استراحة للضحايا من إجرام الآلة العسكرية في رمضان. على الأقل هذا ما قالته مندوبة الولايات المتحدة في مجلس الأمن، وهو "هذا القرار يهدف إلى تخفيف معاناة سكان قطاع غزة".

يتبع في مقال مقبل...

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

لعلّ تعريفنا شعوباً ناطقةً بالعربية لم يعد يستقيم من دون الانتباه إلى أننا صرنا شعوباً متفلّتةً من الجغرافيا. الحروب الدائرة في منطقتنا والنزاعات الأهلية والقمع، حوّلتنا إلى مشردين، بين لاجئين ونازحين، وأي تفكير في مستقبلنا لم يعد ممكناً من دون متابعة تفاصيل حياة الجميع، أينما كانوا، وهو ما نحرص عليه في رصيف22. اكتبوا قصصكم. أخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا.

Website by WhiteBeard