شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ضمّ/ ي صوتك إلينا!

"نسوان جدعة"... أربع حكايات عن نساء شارعنا

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مدونة نحن والنساء

الثلاثاء 26 مارس 202411:38 ص

بالتأكيد أنتم لا تعرفون شارعي. عموماً، أنا أنتمي إلى منطقة اسمها "العمرانية"، تبعد دقائق بالسيارة عن الأهرامات، والحي الذي أسكنه يُدعى "الزهور"، ورغم شعبيته لكن جميع البيوت أمامها أشجار زرعها السكّان منذ سنوات، حين كانوا يملكون أن يفعلوا ذلك، فطالت الأفرع وصارت أنيس النوافذ والشرفات.

بيوت شارعي عادية، ليس هناك برج بطوابق متعدّدة أو شقة لا نعرف سكّانها ومما يعانون، أما أسفل البيوت، فمحلات تدير معظمها نساء قرّرن، وسط منطقة شعبية، أن يخرجن لسوق العمل، وكنوع من التناقض غير قابل للتفسير من رجال المنطقة الذين يعتنقون نظرة دونية للمرأة، لكنهم يقدّسون هؤلاء النسوة ويصفونهن بـ "نسوان جدعة"، ومن بين "النسوان الجدعة" اخترت أربع لأسرد حكايتهن التي تلخص صلابة المرأة وفِطرتها دون أن تحصل على شهادة أو تقرأ مقرّرات عن حقوقها.

أسفل البيوت، محلات تدير معظمها نساء قرّرن، وسط منطقة شعبية، أن يخرجن لسوق العمل، كنوع من التناقض غير قابل للتفسير من رجال المنطقة الذين يعتنقون نظرة دونية للمرأة

أم عبير

تترأس أم عبير نسوة شارعنا باعتبارها الأقدم، فهي صاحبة مطعم "الفول والفلافل" لأكثر من 25 عاماً حتى الآن، ورغم أني لا أذكر متى افتتحت مطعمها بالضبط، لكني كنت أحصل على سندوتشاتي منها قبل الذهاب إلى مدرستي الابتدائية في عصر ما قبل "اللانش بوكس"، ومرّت السنوات وواظبت على ذلك حتى تخرجت من الجامعة وذهبت إلى العمل.

لعقود طويلة، تستيقظ أم عبير يومياً في الخامسة صباحاً، وتقف على "فرشة الطعام" حتى الرابعة عصراً لتتابع طلبات الزبائن التي تحفظها: هذا ملحه خفيف، هذا لا يحب الطحينة وهكذا. بمجرّد أن تذهب إليها مرتين لن تحتاج إلى قول ما تريد، لأنها حفظته، إضافة إلى ذلك، تفهم ألاعيب الصنايعية وتتشاجر معهم أحياناً، وتعرف كيف تصرّف أمورها مع الأجهزة المحلية حتى لا يضايقونها.

ورغم تخطيها سن السبعين، ما زالت تعمل وتدير وتحاسب، وقد يظن البعض أن ذلك بمنطق "العوز" أو لأنها لم تنجب سوى عبير/ التي لم نرها حتى شككنا إن كان هناك فعلاً بنت لها بهذا الاسم، المهم أن تلك الظنون خاطئة، فلديها أولاد وافتتحت لهم مطاعم "فول وفلافل" في مناطق مجاورة، ورفضت أن تترك العمل وتستريح في البيت أو حتى أن يشاركوها، وحين سألتها مرة: "لماذا لا ترتاحين"، ردت: "لو قعدت من الشغل هموت".

أم محمد

لا نعرف في شارعنا أسماء النساء، لذلك فكلهم "أم"، لكن أم محمد لم تبدأ حياتها عاملة، بل ربة منزل لا نراها إلا وهي تشتري حاجيات البيت كباقي النساء، لكن حياتها انقلبت حين قُبض على زوجها بسبب إتجاره في المخدرات، وكانت التهمة صحيحة، ثم مكث في السجن 5 سنوات، تاركاً لها تِركة ثقيلة ما بين "الشحططة" في الأقسام والسجون وبين تربية 4 أبناء.

لم تستسلم أم محمد أو تنتظر المنّ من قريب أو جار، بل سرعان ما وجدت لها محلاً صغيراً فتحته لبيع المنظفات ثم أضافت إليه بضائع أخرى،  ورغم عدم سوابقها في سوق العمل ولا التعامل مع تجّار التجزئة، لكنها تمكّنت في وقت قصير من أن تصبح "أشهر محل منظفات" في شارعنا، ويجيئها الناس من مناطق مجاورة بسبب أسعارها العادلة وجودة ما تقدمه من بضائع، وعلى مدار خمس سنوات كنت أتابعها وهي تفتح في العاشرة صباحاً ولا تغلق قبل الحادية عشر ليلاً، حتى مرّت خمس سنوات وكبر أولادها وأكملوا مراحلهم التعليمية وبعضهم التحق بالجامعة، ناهيك عن أنهم ازدادوا  أدباً واحتراماً تحت قيادة المرأة التي أصبحت أماً وأباً.

مثار إعجابي بأم محمد ليس نجاحها في اختبار العمل، بل في أنها لم تتحدث عن زوجها بسوء أو تخجل من ذِكره أبداً، بل يوم خروجه استقبلته بالطبل والمزمار من ناحية، وبأولاده الذين كبروا في أحسن حال من ناحية أخرى، وكأنها تقول له: "أتممت المهمة"، وتضرب لنا مثلاً بالتفاني والوفاء دون قول كلمة واحدة.

أم شعبان

ثالث نساء شارعنا هي أم شعبان، التي أجزم أن بداخلها سيدة أعمال وهي لا تدري، فمنذ زمن تعمل في مختلف الأنشطة، تارة تبيع الملابس، وتارة تفتتح محل بقالة، ومرة عطارة، وهكذا، ورغم أن زوجها ظل بجوارها فترة  طويلة، لكنه "صنايعي" يوم يعمل وعشرة لا، فتولّت هي المهمة في حياته قبل أن يموت منذ سنوات لتستقر على نشاطها في بيع الجبن والبيض.

بجانب عملها، تمتلك "أم شعبان" شبكة علاقة قوية في المنطقة، ورغم تواضع حالها، لكنها قادرة على تدبير أي مبلغ لـ "فكّ ضيقة" من يلجأ إليها، فهي تعرف من يملك أموالاً ومن يفعل الخير وبإمكانه الإقراض، والمثير أنها الضامن الوحيد في أي عملية "سلف"، ويثق فيها الكل بمجرّد وجودها، وأتعجّب كثيراً من لجوء رجال كثر من المنطقة إليها لتحل مشاكلهم، ودوماً تحلها.

هؤلاء النسوة ليسوا حِكراً على شارعنا، ففي كل شوارع مصر ملايين "أم عبير وأم محمد"، يعملن يومياً دون كلل، يتحملن مسؤولية أسرة بالكامل دون شكوى، بل ودون أن يشعرن أن ما يفعلنه خارق

أم ماضي

رابع النسوة في شارعنا لم تختلف ظروفها كثيراً عمن سبقها، وإن كان زوجها تلك المرة ليس بمسجون أو متوفى، بل هارب من ثأر يترصده في قلب القاهرة، ما اضطرّه إلى الهروب، تاركاً زوجته الصعيدية التي لم تعرف سوى الطهي وتربية الأولاد.

وكالعادة، بمجرّد أن هرب الرجل، تولّت هي المهمة، ففتحت محلاً لتبيع الخضروات رافضة العيش على الإحسان من هنا أو هناك، وفي فترة وجيزة تمكنت من تكملة التربية وحدها، لتجاور زميلاتها "أم عبير وأم شعبان وأم محمد".

هؤلاء النسوة ليسوا حِكراً على شارعنا، ففي كل شوارع مصر ملايين "أم عبير وأم محمد"، يعملن يومياً دون كلل، يتحملن مسؤولية أسرة بالكامل دون شكوى، بل ودون أن يشعرن أن ما يفعلنه خارق، وهذا أعظم ما فيهن، ربما هذا سبب كتابتي، أردت قول إنهن مستحقات للتكريم، وربما أردت أن أصارحهن بأن مشاهدتهن يعملن كل صباح بحيوية وابتسامة ورضا، تدفعني إلى الخجل من نفسي حين أتذمر من عمل أو أنزعج من استيقاظ مبكر أو أمتعض بسبب طلبات مدير سخيف، أقول لنفسي: فلتكن "امرأة جدعة" مثلهن تماماً. 

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

فعلاً، ماذا تريد النساء في بلادٍ تموج بالنزاعات؟

"هل هذا وقت الحقوق، والأمّة العربية مشتعلة؟"

نحن في رصيف22، نُدرك أنّ حقوق المرأة، في عالمنا العربي تحديداً، لا تزال منقوصةً. وعليه، نسعى بكلّ ما أوتينا من عزمٍ وإيمان، إلى تكريس هذه الحقوق التي لا تتجزّأ، تحت أيّ ظرفٍ كان.

ونقوم بذلك يداً بيدٍ مع مختلف منظمات المجتمع المدني، لإعلاء الصوت النسوي من خلال حناجر وأقلام كاتباتنا الحريصات على إرساء العدالة التي تعلو ولا يُعلى عليها.

Website by WhiteBeard