شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

لنبدأ من هنا!
من رسائل

من رسائل "كافكا" إلى "علي جمعة"... عن الحب والإيمان

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

رأي نحن والخطاب الديني

الاثنين 25 مارس 202401:22 م

جدل جديد يدور حول فتاوى الشيخ علي جمعة، هذه المرة فيما يخصّ حرمانية أو جواز البوح بمشاعر الحب بين طرفين لم يتزوجا بعد، ما جعله يتعرّض لهجوم كبير بسبب فتواه بإباحة ذلك، لكنه هجوم معتاد كلما حلّل أحد الشيوخ أمراً يضعه عامة الناس -نفسياً- في مصاف الحرام بشكل تلقائي، والحب هو أول تلك الأمور.

إلا أن هذا المقال لا يتحدث عن علي جمعة وفتواه، بل عن الحب والإيمان، لأنه من الواضح أن الحب مجرّداً يمثل مشكلة للبعض، حتى وإن قالوا عكس ذلك واختصروا اعتراضهم على ما يُمكن أن يتبع الحب، كالجنس خارج إطار الزواج، فحتى اعتراض بعض من مهاجمي علي جمعة، كان سببه ما أجازه من البوح بمشاعر الحب بمعرفة الأهل، قبل الزواج. مجرّد النطق بكلمة "أحبك" أغضبهم، والأفضل بالنسبة لهم تخطي مرحلة المشاعر تماماً، والانتقال مباشرة إلى الزواج.

في عنوان المقال "رسائل كافكا إلى علي جمعة" أردت أن أسخر من فكرة وساطة فتاوى الدين في مسألة الحب من الأصل، فتصوّرت أن كافكا كان يجب أن يمرّر رسائله للشيخ علي جمعة أولاً قبل أن يوجهها إلى "ميلينا"، ليستفتيه إن كان الحب والبوح به حلالاً أم حراماً، لأن، وفقاً لما يريده بعض الناس، على الدين، ممثلاً في رجاله، منع الحب كشعور وليس فقط ما يتبعه من فعل، ولذلك فقد بادر هؤلاء بنشر مقاطع فيديو للشيخ محمد حسين يعقوب، يعتبر فيها أن الحب، ولو كان سراً بين الرجل ونفسه، هو زنا، قد لا يكون المقصد الكامل هو ما شاهدناه في المقطع القصير، لكن المقطع كاف لشرح رغبة من نشروه في إيجاد فتوى تُحرِم الحب كشعور في الأساس.

لا أحد سيسأل رجل دين ما، هل يجوز لشاب مصارحة فتاة بكراهيته لها، فالناس لسبب ما يؤمنون بأن قول "أنا أكرهك" لن يكون حراماً أبداً، لكن "أنا أحبك" لا بد أن ذلك حرام

وقبل الحديث عن ماهية المشاعر بصفة عامة، أريد أن أتأمل فكرة أنه لا أحد سيسأل رجل دين ما، هل يجوز لشاب مصارحة فتاة بكراهيته لها، فالناس لسبب ما يؤمنون بأن قول "أنا أكرهك" لن يكون حراماً أبداً، لكن "أنا أحبك" حرام.

هذا الإيمان غير المبني على معلومة دينية غالباً، ربما يعكس ما يمثله الدين لصاحبه، سجن لا حديقة، والكراهية هي ما تناسب السجن لا الحب.

ماهية المشاعر

كما أفهم، فالحب والغضب والكره والخوف والجوع، هي مشاعر لا دخل لنا بها بدرجة كبيرة، ربما نستطيع التحكم بأفعالنا رغم تأثرنا بتلك المشاعر، لكن المشاعر نفسها تقع خارج دائرة إرادتنا، وإن كان الإنسان مخيراً في الفعل، فهو مُسير في الشعور بغض النظر عن أسباب ذلك، فهل يُحاسَب الإنسان على ما فُرِض عليه؟

في الحقيقة، أحياناً ما يكافح أحدهم للتخلص من مشاعره دون أن يفلح، الحزن كمثال، والتعلق كمرض، والغضب، حتى أن بوذا عندما سُئِل عن عقوبة الغضب، رد بأن الغضب ذاته هو العقاب، لأنه يُدرك أننا لا يجب أن نُحاسِب الناس على مشاعرهم، والأهم، أنه عرف ماذا يتملك من، فالمشاعر هي ما تتملك الإنسان لا العكس.

أما من يرى بأن الحب يُمكن خلقه والتخلص منه والتحكم في توقيتاته، بل ويطلب منك حتى تحديده وتوجيهه لآخرين، كالأهل والرب مثلاً، بالتالي أنت مسؤول عنه، فهو ربما يخلط بين الحب كما هو والحب كما كان يجب أن يكون، لذلك فلن أُبالغ إن قلت بأن من يقع في ذلك الخلط، سيجد نفسه في انزعاج يصل حد المرض لمجرّد شعوره بالحب ناحية إحداهن، فهو الآن يظن أنه قد وقع في خطيئة بلا شك، خاصة إن لم تنتهِ تلك القصة بالارتباط والزواج.

ما سبق قد يكون تفسيراً لتشكك عامة الناس في الحب كشبهة على أقل تقدير، لكن ماذا عن رجال الدين، الذين يستمتعون بمجاراة سائليهم في الرد والنُصح والإباحة والتحريم، بدلاً من الإجابة بأن الأمر لا يخصهم؟

رجال الدين والحب والإيمان

واحدة من المشكلات الكبرى مع الأديان، أو ما يخبرنا به رجال الدين عنها، أنها تضع شروطاً غير منطقية لكي تكون مؤمناً صالحاً، مثل أن تُحب الله ورسوله أكثر من أهلك، أو أن تُحب يسوع لكي يشملك الخلاص الذي قدمه، وكذلك أن تحب قيامك بالصلاة والذكر والقداس والحج، لا فقط أن تفعلها، إنما أن تحبها.

لكن، ورغم وضوح فكرة عدم منطقية الحساب وفقاً لمشاعرنا، إلا أنه لا يجب أن تتعجب من تمسك بعض رجال الدين بتلك الفكرة، التحكم في الحب، فذلك يرجع لأمر آخر، وهو علمهم أن الإيمان نفسه شعور ضمن بقية المشاعر، وإن صح القول بأننا لن نُحاسَب على مشاعر كالحب، فذلك يعني ضمناً أننا لن نُحاسَب أيضاً على إيماننا، فالإيمان هو أيضاً محض شعور داخلي لا يتقابل مع عالم التجربة إلا مرات نادرة مشكوك في أمرها، لذلك، لا يُمكنك مثلاً إجبار إنسان على الإيمان بشيء ما، بالطبع يُمكن إجباره على الصلاة والركوع والصوم، لكنه حتى وإن أراد، فلن يستطع الإيمان أو عدم الإيمان بشيء طواعية، وللتأكيد، تخيل أن يقوم شخص ما بتعذيبك مراراً كي تؤمن بأن الشمس هي خالقك والقمر رسولها، هل ستؤمن بذلك حتى وإن نطقت ما أراد؟ والعكس أيضاً، فستجد أن بعضاً ممن كفروا بوجود إله، ثم أصابتهم برودة العدم والعبثية، لا يقدرون بضغطة زر على الإيمان، حتى ولو أسماها فيلسوف ما قفزة إيمانية، ستصبح على الأغلب مجرّد تكتيك نفسي لا يلامس حقيقة المشاعر.

الإيمان هو ما يحدث لك وليس ما تقوم به، مثله مثل الحب تماماً

ببساطة، الإيمان هو ما يحدث لك وليس ما تقوم به، مثله مثل الحب تماماً، ولا تقع في خطأ أن الناس تؤمن لأن الدين أثبت صحته بالإعجاز العلمي، ليس فقط لأن ذلك غير صحيح، لكن لأنهم مؤمنون دون الحاجة لتلك الإثباتات المزعومة أو الإلمام بالعلوم وإعجاز الدين فيها، هم فقط يشعرون بالإيمان، مهما كان قدر علمهم.

ولأن رجال الدين يُدركون بأن مهماتهم في عالمنا تتناقص كثيراً، بسبب العلوم غالباً، فمن الطبيعي أن يتشبثوا بأي مهمة باقية لهم، حتى وإن كانت وساطة في الحب، تتمثل في تحليل وتحريم ما لا يُمكن المحاسبة عليه، والتي تبدو كعمل أحد العاطلين لا أكثر، وأيضاً لأن ملاحظة الناس لتلك الفكرة، فكرة مماثلة الحب للإيمان، من المفترض أن تجعل دور رجال الدين في المسألة الإيمانية برمتها هامشي للغاية، وعندها سيتبقى لهم فقط أعمال تلقين الطقوس والشعائر، بعد خسارتهم للمشاعر. وكما كتب ميشيل دي مونتيني: "إذا كانت هناك عرافة، فثمة آلهة، وإذا كان ثمة آلهة، فهناك عرافة"، فإذا كان هناك رجال دين، فيجب أن يكون ثمة عمل لهم، وإذا كان ثمة عمل لهم، فهناك رجال دين.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

لا سلطان على الإنسان إلّا عقله

أُنزِلت الأديان رحمةً للعالمين، لكن هل كنّا نعلم أنّها ستُستعمل لمآرب متطرّفة لا تُشبه غايتها السامية؟ هل كنّا نعلم أنّها ستُستخدم ضدّنا، وعلينا، لتصبح خنجراً في الخاصرة، ليس بإمكاننا انتشاله كي لا يتفاقم نزفنا؟

بالإيمان الصوري، والتدين وجاهيّاً، والذكورية الصفيقة، والقداسة الموزعة "غبّ الطلب"؛ استعملت السلطات الدين، وسلّحته ضدّنا في العالم العربي، لتفريقنا، والسيطرة علينا وقمعنا.

"هذا ممنوعٌ وهذا مسموحٌ وذاك مرغوب، هذا حرامٌ وهذا حلال". لكن في رصيف22، شعارنا الوحيد هو "لا للعيش وفق تفسيرات الآخرين". 

Website by WhiteBeard