شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ضمّ/ ي صوتك إلينا!
مرثية متأخرة لأمي

مرثية متأخرة لأمي

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مجاز نحن والتنوّع

السبت 16 مارس 202412:03 م



خرجت بغير ما استعداد، أو ربما بغير ما معرفة أن هذه سفرة ستطول، وستنتهي إلى ما تنتهي إليه سفرات مشابهة، بغير ما استعداد كاف حتى لدرء البرد، وما يستتبعه من نخر جاف في الصدر. خرجت بأشياء قليلة ظانّاً أني لن أحتاج شيئاً من حياتي الماضية، وتركت كل ما عدا ذلك، وتفاجأت، أن كل ما لزمني، كان هناك، يحيا بعيداً عني، بدون أمل في استعادته.

لم تكن الحمامات تسير خلف أمي حينما تسير، ولم يكن "قميصها كرزاً" ولا خطواتها ارتعاشات ملائكة. كانت أمّاً عادية، تطعم أطفالها قبل أن تشبع وتدفئهم قبل أن تدفأ، تحتال على الحياة لتبدو كالحياة، وعلى الخبز ليبدو كالخبز. كانت ماهرة في الحفاظ على الأسرة، في بلد ينتج قطاعي طرق ولصوصاً وقوادين كما ينتج الليمون اليوسفي والزيتون والغيم الماطر.

كانت أمّاً عادية، لكن لديها هذه الموهبة: تقطير الضوء ليصبح صالحاً للأكل، وحياكة الهواء ليصبح أشد كثافة.

كانت تعيد تدوير كل شيء ليلائم حياة القلّة التي عشناها، وعاشها السوريون جميعاً، في ثمانينيات القرن المنصرم، فكانت تقصّ الثياب القديمة غير الصوفية شرائط طويلة، تلفّها على شكل كبكوبة وتعاملها بسنارات الصوف الثخينة، لتخرج من تحت يديها سجّادات صغيرة، تصلح كطرّاحات للكراسي، أغطية للبرد، أو للزينة فحسب، في أيامنا الرمادية التي لا تنتهي، سجّادة تصلح لأغراض متعدّدة، ليس منها الصلاة بالتأكيد، إذ لا يجوز أن نُجلس الأبد على بولستر ملوّن.

لم تكن الحمامات تسير خلف أمي حينما تسير، ولم يكن "قميصها كرزاً" ولا خطواتها ارتعاشات ملائكة. كانت أمّاً عادية، تطعم أطفالها قبل أن تشبع وتدفئهم قبل أن تدفأ، تحتال على الحياة لتبدو كالحياة، وعلى الخبز ليبدو كالخبز... مجاز

هذا ما خرجت به من سوريا، سجّادة ملونة، فيها دفء يد أمي وذكريات حيواتنا السابقة ورائحة طفولتنا، يأسنا الضاحك وعجزنا البهلوان، تحايل أمي على الفقر الذي كان يسكن معنا مثل آية كرسي على الجدار، وها هي سجّادة أمي المصنوعة من فيض طويل من البكاء والمعصية، تحدجني الآن بنظرة طويلة حزينة، رغم الألوان المبتهجة.

أخاطبها: يا سجّادة أمي، يا كبكوباتها الملونة كالكنائس في عيد الصعود، يا طعم سكّرها الذي يشي بالمغفرة الصعبة، يا دفء عينيها الكليلتين من الحياكة في الليالي المعتمة، هبيني القوة لأستمرّ، مثلما فعلت تلك المرأة المتخفّفة من أحمال الرب، من دفعت ضرائب الحكومة برضا وتلقت ذلّها باستغفار، من صلّت لإله غامض بصمت، ففهم واستجاب لها بصمت. يا سجّادة أمي، يا نظر عينيها وحنوّ أصابعها، يا يأسها من غدٍ لا يختلف عن أمس لا يختلف عن أمسه، دفّئي ساعاتي القليلة في هذه البلاد الجارحة، فالأخوة ذهبوا لقبض شيكات التقاعد بوجوه متجهّمة، والليل طويل في هذه الأنحاء.

كانت أمّاً عادية، لكن لديها هذه الموهبة: تقطير الضوء ليصبح صالحاً للأكل، وحياكة الهواء ليصبح أشد كثافة

*****

كنت أعيش في الطابق الثالث من بناء العائلة، أقصد في الطابق الثالث من جحيم غني بالثرثرة والنميمة المرعبة، والحسد الذي يجعل الدرج يتكسّر تحت أقدام الصاعدين الهابطين، والضيق الذي يدفع جاراً لأن يترقب نموّ الخضروات القليلة التي أنبتها الفقر، ليسرق أوراق البصل والنعنع النامية في الليل.

كنت أحتلّ طابقاً بأكمله بمفردي، احتلال حقيقي بقدر ما هو حقيقي الألم الذي يأتي من جهة المزروعات الصغيرة التي اعتنى بها والدي، كتعويض عن حياة ريفية سابقة، في ريف سابق.

النعنع والبصل الأخضر والبندورة والفليفلة الحمراء، كانت هذه جنّته الصغيرة. ومرّات عديدة سمعته وهو يحادثها، يمسح أوراقها ويسوي تربتها ويمدح يفاعتها، يسقيها بالإبريق المعدّ لصنع الشاي الثقيل، ويشكو لها مرّات ضيق الحال والطقس والحرب البشعة والأبناء القساة، وأحياناً يحدثها عن الإمام علي والحسين، ويخلط، كما تسعفه ذاكرته القليلة المتبقية، قصص الأئمة الاثني عشر بقصص سندباد وسيف بن ذي يزن، وأحياناً يغضب من زائر الليل الذي يقطف بقسوة أوراقها على عجل، ليقتلع الجذر مع بواقي التربة، كعادة اللصوص الصغار.

قلت لأمي إن أبي يبالغ أحياناً بغضبه ممن يقطفون ثمار مزرعته الصغيرة، مبدياً استعدادي لأن أدفع ثمن ما يقطفه هذا اللص غير الظريف على الإطلاق، مقابل أن يكفّ أبي عن غضبه المستمر، فالسرطان قد أكل قسماً كبيراً من جسده، والعلاج الكيماوي يفتّت البقية. قلت: "ليحتفظ ببعض الغضب ليقابل به علي بن أبي طالب على الأقل".

يا أم، يا أمي: لو تعرفين كم لزمني من الوقت لأدرك أن أبسط الطرق في الحب هي طريقتك، ألطف كلمات لعزل الألم هي كلماتك وأكثر الأحضان دفئاً هي ضحكتك... مجاز

قالت لي: "كل هذه الكتب عندك ولم تفهم بعد؟ ليس مجرّد نعنع أخضر. هي ذاكرته بأكملها. إذا اخضرّت يخضرّ وإذا ماتت يموت. إنها حياة كاملة في أصيص بلاستيك".

توفي والدي بعد وفاة أمي بأقلّ من سنة، أضرب عن الطعام بعد أن تمكّن المرض منه، وفضّل أن يموت من أن يكون تحت براثن الضعف الذي فرّ منه طوال حياته، توقف عن تناول طعامه ودوائه ومات بعد ثلاثة أيام، وانتهى طعم النعنع في ذاكرتي للأبد.

*****

جلست أمي أمامي. قالت: "هل ستستمرّ هكذا للأبد؟ الحياة لا تتوقف".

كنت خارجاً من خسارات عديدة، أستحقّ بعضاً منها بالتأكيد، وبعضها الآخر كان تتمة فحسب، كالشرح الذي يُلحقه الكتاب في نهاية الرواية لتبيان مصير شخوصها، دليلاً على أن القسوة هي مصير القساة مثلما الحزن مصير الحزانى. غادرني الجميع، وغادرت بدوري من تبقى، ونسيت من أنا، وماذا أفعل بقمصاني الكثيرة التي كويتها ولم ألبسها، وكتبي التي طبعتها ولم يقرؤها أحد، وماذا أفعل في مسرح جريمة كبير، كهذا الطابق الذي أحتلّه بمفردي؟ كيف أنجو إذا نجوت، والأهم، لماذا أنجو؟

أعتذر يا أمي، أعتذر لأني لم أعرف كتابة شيء يصل لقلبك بسرعة، كما وصلت كلماتك إلى قلبي، أعتذر لأني لم أصل بأيٍ مما كتبته في حياتي إلى درجة عاطفتك الصلبة

قلت لها هذا كله. قلت إني ما عدت أعرف من أنا اليوم، ومن كنتُ البارحة، وأنني وحيد وفقدت كل ما أحيا لأجله، وأن الصور على الجدران تؤلمني والذكريات تؤلمني والألم بأكمله يؤلمني. قلت إن الفواتير تتراكم وأنا بالكاد أستطيع إطعام نفسي، وأن لا أصدقاء في حصّالة الأيام ولا أخوة في تراتيب العائلة. قلت العديد من الجمل الجارحة والجمل الناقصة والجمل التي تحتاج حرف جرّ فقط لتصبح سكاكين مشحوذة، وأنا أشكو ضعفي وانهياري أمامها، وقلت إني أحيا بلا أمل في شيء، وأني أحاول أن أغنّي فلا يخرج من فمي غير الضفادع اليابسة، وأحاول أن أكتب فلا ينطبع على الورق إلا الجثث والرماد.

قلت العديد من الحجج المنطقية، والتي، بمنطقيتها، يجب أن تدفع أحداً مثلي لإطلاق النار على رأسه فوراً، إن توفّر له الحصول على مسدس، وإلا فالقفز من شرفة الطابق الثالث، الذي أحتلّه بمفردي، كجيش من جندي واحد ومهزوم.

كانت جالسة هناك، بشال "المسلوبة" الساحر، على الكرسي الكبير، في الصالون المعدّ لاستقبال مآتم كثيرة وحفلات زفاف. تبدو كأنها امتداد للمكان. باسمة إلى حدٍّ لا يشي باحتمال أنها لا تأخذ موضوعاً مثل آلام رجل وحيد على غير محمل الجد، ولا عابسة كأنها مقتنعة تماماً بجدوى البكاء على ماض انتهى فعلاً.

قالت: "الفواتير الشهرية، كالكهرباء والماء والإنترنت، أنا أدفعها، وتأكل مما أطبخ لأبيك. هذا عن الدنيوي، أما ما يتعلّق بما في رأسك، فمهمتك وحدك". ثم أضافت: "ألا تكتب قصيدة في الشهر؟ هذا يكفي، ويمكن للنساء أن يزرنك باستمرار، لكن فقط لا تكسر قلوبهن، ولا تجعل الجيران ينتبهون إلى ذلك. لا نريد فضائح جنسية في هذا العمر".

يا سجّادة أمي، يا كبكوباتها الملونة كالكنائس في عيد الصعود، يا طعم سكّرها الذي يشي بالمغفرة الصعبة، يا دفء عينيها الكليلتين من الحياكة في الليالي المعتمة، هبيني القوة لأستمرّ... مجاز

قالت أشياء عديدة أخرى، لم أحفظها لأني كنت مأخوذاً حينها بدقّة مشاعرها، بصواب حبها، بنفاذه إلى قلبي كخطيئة ممتعة، بنعمة حصولي على أم مثلها، بعدما أيقنت أني لم أحصل على شيء في حياتي.

أعتذر يا أمي، أعتذر لأني لم أعرف كتابة شيء يصل لقلبك بسرعة، كما وصلت كلماتك إلى قلبي، أعتذر لأني لم أصل بأيٍ مما كتبته في حياتي إلى درجة عاطفتك الصلبة.

أعتذر لأني غششت دائماً عندما كنت تطلبين مني أن أقرأ قصائدي عليك، فأؤلف، خجلاً من تعقيدي السخيف وادّعائي الثقافة والغموض، قصائد من أغاني فيروز التي تحبينها، فتبتسمين وتومئين بأنك فهمت حقاً ما أريد قوله، وكأن "طير النوم" ليس معقداً كفاية. أعتذر لأن تعقيدي كان مبهماً حتى لي، ولم أستطع شرحه لك، لكنك فهمتيه بلا مقدمات ولا دموع إضافية.

أعتذر لأني كنت أخفي ما يجب قوله تحت سيل من الكلمات التي كنت ماهراً بنسجها، وها أنذا لا أعرف أن أقول ما أريد أن أقول، لأني ظننت أن الأدب هكذا، أن تدسّ إبرة ما ترغب بكتابته في كومة قش ما تُحسن قوله، فخسرت نعمة أن أصل لقلبك حتى بكلمة شكراً. أعتذر لأني كنت هشّاً لدرجة أني لم أبكيك بعد، ولأن الدموع تنتظر زيارة قبرك لأسقي بها شالك الذي يغطي حياتي كطائر.

يا أم، يا أمي: لو تعرفين كم لزمني من الوقت لأدرك أن أبسط الطرق في الحب هي طريقتك، ألطف كلمات لعزل الألم هي كلماتك وأكثر الأحضان دفئاً هي ضحكتك. يا أم، يا أمي: كان أمراً لطيفاً حصل لي أن أكون ابنك، لقد استمتعت بكل دقيقة منه طوال أعوامي تلك. كان لي من الحظ ما يكفي لتكوني أمي، لكني أنا الملعون، المطرود من جنّة الأمهات والموسوم بالخيبة المديدة، لم أدرك ذلك حتى فقدتك.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

قد لا توافق على كل كلمة ننشرها…

لكن رصيف22، هو صوت الشعوب المضطهدة، وصوت الشجعان والمغامرين. لا نخاف من كشف الحقيقة، مهما كانت قبيحةً، أو قاسيةً، أو غير مريحة. ليست لدينا أي أجندات سياسية أو اقتصادية. نحن هنا لنكون صوتكم الحرّ.

قد لا توافق على كل كلمة ننشرها، ولكنك بضمّك صوتك إلينا، ستكون جزءاً من التغيير الذي ترغب في رؤيته في العالم.

في "ناس رصيف"، لن تستمتع بموقعنا من دون إعلانات فحسب، بل سيكون لصوتك ورأيك الأولوية في فعالياتنا، وفي ورش العمل التي ننظمها، وفي النقاشات مع فريق التحرير، وستتمكن من المساهمة في تشكيل رؤيتنا للتغيير ومهمتنا لتحدّي الوضع الحالي.

شاركنا رحلتنا من خلال انضمامك إلى "ناسنا"، لنواجه الرقابة والترهيب السياسي والديني والمجتمعي، ونخوض في القضايا التي لا يجرؤ أحد على الخوض فيها.

0:00 -0:00
Website by WhiteBeard