شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اشترك/ ي وشارك/ ي!
تراجع بعد الريادة… ما الذي يمنع انتشار العلاج بالموسيقى في تونس؟

تراجع بعد الريادة… ما الذي يمنع انتشار العلاج بالموسيقى في تونس؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

حياة نحن والتنوّع

السبت 2 مارس 202405:23 م

"مرّت سنة منذ أن اكتشفت أنني أعاني مرض السرطان. في البداية، شعرت بامتعاض وخيبة أمل من هذا الشيء الذي أجهل طبيعته ولا أعلم سوى أنه قاتل لا تجوز محاسبته. لكن خشيتي منه قلّت حين أقنعني أحد الأطباء المختصين بـ‘العلاج بالموسيقى‘ وبدأت أتّخذ من المقاطع الموسيقية الهادئة والأغاني التي تعبّر عن إحساسي رفيقاً لي وسنداً في لحظات الألم والوحدة والإحباط"، هذا ما يقوله لرصيف22 الشاب التونسي معاذ الذي أنهك السرطان جسده وضاعف العلاج الكيماوي ألمه.

بعيداً عن الوصفات الطبية والأدوية، بات العلاج بالموسيقى - وأشكال أخرى من الفنون - ملاذاً يلجأ له بعض المرضى لمواجهة بعض الأمراض أو على الأقل للتخفيف من حدّة أعراضها. والعلاج بالموجات الصوتية أو كما يسميه أهل الاختصاص "musicothérapie" أظهر تفوّقاً في تونس من خلال قدرته على خلق مناخ نفسي يؤهّل المريض لمواجهة ما يُعرف أحياناً بـ"الحالات المستعصية" في الطب الحديث أو تلك التي تتطلب دعماً نفسياً خاصاً مثل الأورام والحروق والاكتئاب وغيرها قبل أن يتراجع. وهو ما يدفعنا للتساؤل: كيف يمكن أن يكون للفن دور في احتواء المرضى؟ وهل من الممكن التعويل على الموسيقى كطب بديل لتحقيق الطمأنينة النفسية والصحة الجسدية؟ وما أسباب عدم انتشار مثل هذا العلاج في العيادات الطبية والمستشفيات بتونس؟

في الألحـان شفاء

تؤكد رئيسة الجمعية الوطنية للعلاج بالموسيقى بتونس، الدكتورة رحاب الجبالي، في حديث لرصيف 22، أن التداوي بالفنّ كعلاج تكميلي أصبح ملاذاً اليوم للعديد من المرضى لمقاومة الصدمات الجسدية والنفسية وتحقيق الاستشفاء المجتمعي. كما يعتمد الأطباء النفسيون والأخصائيون في علم النفس الإكلينيكي على هذا الصنف من العلاج الروحي لتحسين الصحة العقلية والجسدية والنفسية للفرد.

وفي تطبيق لمقولة فيكتور هوغو التي تقول "تفصح الموسيقى عن تلك الأشياء التي لا نستطيع الحديث عنها، ولا نقدر السكوت عليها"، توضّح محدثة رصيف22 أن "الموسيقى لا تُشفي المرضى من أمراضهم، إنما دورها يكمن في تهيئة المناخ الصحي والنفسي واستكمال عملية الشفاء وتسريعها بعد تلقي تدخلات علاجية محددة سواء كانت جراحية، أو وصفات دوائية كيمائية أو غيرها".

"كلما استمعت للموسيقى، ينتابني شعور بالقوّة لا يقل عن الشعور الذي تمنحني إياه حقنة مسكّنة أو حبة دواء… هو شعور يحملني في رحلة من الاسترخاء والاستشفاء من المرض"... عن تجربة العلاج بالموسيقى في تونس

وعن دور الموسيقى العلاجية بالنسبة له، يقول العم زهير، وهو قامة موسيقية مقدّرة في مدينة سيدي بوسعيد التونسية، لرصيف22: "أعاني من ألزهايمر منذ خمس سنوات. ولم أكن أصدق أنني سأتمكن من استثمار موهبتي ومهنتي في تجاوز صعوبات هذا المرض".

ويضيف "للحماية من تدهور وضعي الصحي، نصحني أحد زملائي بالتواصل مع أحد الأطباء المختصين في العلاج بالموسيقى. راقتني الفكرة وأنا الذي طالما تجوّل بين النوتات والآلات الموسيقية، بل ودرّس الهواة والمبتدئين فنون الموسيقى في أحد المراكز التعليمية".

"تكرار جلسات العلاج بالموسيقى مع الطبيب المختص لم يكن صعباً أو مرهقاً. كنت أتلقى جلسة واحدة في الأسبوع في العيادة الطبية وأواصل الاستماع للموسيقى بقية أيام الأسبوع في المنزل. لاحظت فرقاً شاسعاً في مستوى التركيز العصبي. لم أعد مشوشاً كما في السابق بل وأصبحت أتحكم في التقلّبات المزاجية التي تنتابني بسبب الإحساس بألزهايمر وأتحرك بتناسق مع المقامات الموسيقية حتى أن رجفة اليدين أصبحت محدودة نوعا ما"، يختم العم زهيّر حديثه.

لن أقتل السرطان لكن سأتعايش معه

أما مُعاذ، العشريني القاطن بأحد أحياء محافظة بن عروس (جنوبي العاصمة تونس)، فيدرك أن الموسيقى لن تشفيه وإنما يقدر التحسّن وشعور الارتياح اللذين تساعده على الشعور بهما. يقول: "كان لا بدّ لي من أن أتجاوب مع التغيّرات التي ستحصل في جسدي بعد مدة من بدء العلاج الكيماوي. لكنني أدركت أن المشكل ليس في المرض في حدّ ذاته، بل في الشفقة التي لحظتها بأعين كل من حولي. أصبحت أكثر تعايشاً وتقبلاً لوضعي الصحي بفضل سماعي لسيمفونيات الألماني بيتهوفن".

ويروي: "كنت أضع السماعات في أذني قبل كل جلسة علاج إشعاعي، وأظل أتودّد للألحان الكلاسيكية أو أتمايل على نغمات تركية هادئة أو حزينة رغم إحساس الغثيان والدوار الذي يراودني كل مرّة. في الحقيقة، كنت أتأمل كيف هو الإحساس بالموت وأقتنع بفكرة التعايش مع ذلك الخبيث الذي اختارني رفيقاً له بفضل المقطوعات الموسيقية وما تتركه بداخلي من أحاسيس مركّبة بين الهدوء والسكينة حيناً والتأمّل والرضا حيناً آخر".

ويختم معاذ: "فضّلت مشاركة آلامي ومخاوفي من فكرة الموت مع شخصيات فنية لا تعرفني ولا تبادلني نظرات الشفقة والفقد. فإيماني بالتداوي بسماع المقامات والأغاني زاد من إصراري عوّضني عن شكوى الألم للناس. وكلما استمعت للموسيقى، ينتابني شعور بالقوّة لا يقل عن الشعور الذي تمنحني إياه حقنة مسكّنة أو حبة دواء… هو شعور يحملني في رحلة من الاسترخاء والاستشفاء من المرض".

النغمات... متعة وعلاج للجسد والروح

خلال توضيحها التفسير العلمي للعلاج بالموسيقى، تقول الدكتورة رحاب الجبالي إن "التركيز معاً إلى 23 %، والإحباط والاكتئاب إلى 25% لأن النبضات العصبية في الجهاز العصبي المركزي للجسم تتأثر بعمليات تفكيرنا وعواطفنا. فقد يساعد أي شيء يصرف انتباهنا عن الألم على تقليل تركيزنا عليه، وبالتالي قد تكون الموسيقى فعالة جداً في هذا الصدد".

وكانت تونس رائدة في مجال العلاج بالموسيقى حيث حظي باهتمام أهل الاختصاص في البلاد منذ عام 1970. وفي عام 2021، جرى إطلاق أوّل وحدة علاجية في تونس، وتطوير تجربة علاج لفائدة الأطفال المصابين بأورام سرطانية داخل قسم أمراض السرطان في مستشفى "بشير حمزة" للأطفال بتمويل من سفارة ألمانيا بتونس وبالتعاون مع جمعية سليمة لمرضى السرطان.

وبحسب أستاذة العلاج بالموسيقى والدكتورة بقسم أورام الأطفال بمستشفى بشير حمزة، فاتن فضيلة، فإن الوحدة نجحت في صنع السعادة لـ20 طفلاً مقيماً في المستشفى بطرق علمية مستحدثة تمثّلت في القيام ببحث مفصل حول رغبات كل مريض بعد أخذ الموافقة من والديه، ومن ثم فرز اهتماماته الفنية فكان هناك من يفضّل سماع المزود التونسي، وهناك من تستهويه أغاني الرسوم المتحركة فيما يحبّذ البعض الآخر الأغاني الحديثة والراب وغيرهم.

كانت تونس رائدة في مجال العلاج بالموسيقى حيث حظي باهتمام أهل الاختصاص في البلاد منذ عام 1970. لكن هذا الاهتمام تراجع لأسباب عديدة من أبرزها ارتفاع تكلفة الجلسات وعدم تكفل شركات التأمين الصحي بتغطية العلاج بالموسيقى

ويتم حينذاك دراسة ملفات المرضى والعمل على تنزيل الأغاني والموسيقى المناسبة لكل منهم. إضافة إلى توفير معدات تحفيزية تساعد الطفل على التناغم مع النغمات التي يستمع إليها من خلال تقليدها سواء عبر الغناء أو العزف على الآلات الموسيقية أو حتى الرقص.

وقد ساهمت هذه التقنية، والحديث ما يزال لفضيلة، في تحسين مزاج وتعديل ضربات القلب لعدد من الأطفال الذين جرى إخضاعهم لهذا العلاج التكميلي الذي يأتي مباشرة قبل جلسات الإشعاع الكيميائي الذي يزيد ضعفهم. "أن تراهم يتمايلون فرحاً في استبدال مؤقت للتلوي من الألم... هذا ممتع، ويحفّز على نشر هذا النوع من العلاجات في باقي المستشفيات"، تزيد فضيلة.

عراقيل تمنع انتشاره

الخبر المؤسف أن وحدة العلاج الآنفة الذكر توقفت عن العمل منذ قرابة السنة ونصف السنة بسبب عدم توفر طبيب مختص، بحسب فضيلة التي تردف بأنه جاري البحث حالياً عن طبيب مختص جديد لشغل المنصب.

وهي تنوه بأن الإقبال على العلاج بالموسيقى ليس كبيراً بسبب عدم اقتناع شريحة من الأطباء أو أولياء المرضى به سيّما في ظل غياب المبادرات لتفعيل اتجاه التداوي بالموسيقى. يزيد على ذلك أن بعض العائلات تعجز عن سداد تكاليفه الباهظة، وأيضا لعدم توفّر الكادر المتخصص الذي يغطي كل العيادات والمستشفيات فضلاً عن عدم تكفل شركات التأمين الصحي بتغطية العلاج بالموسيقى.

"ندعو إلى نشر ثقافة العلاج بالفن غير الرائجة في دولنا مقارنة بالرواج الكبير الذي عرفته في الدول الأوروبية. المطلوب اليوم إنشاء جمعيات وإصدار منشورات تسلّط الضوء على أهميته ومرتكزاته العلمية بالاستناد إلى عينات حقيقية جرى العمل عليها ولقيت تحسناً ملحوظاً"، تختم فضيلة.

أسلوب جديد... هل يمكن تعميمه؟

تمكنت الدكتورة الجبالي من إرساء أول تجربة للعلاج الموسيقي في إحدى المصحات الخاصة المختصة بطب الأورام لتكون الثانية بعد إحداث أول وحدة علاجية في مستشفى عمومي يتبع الدولة. عن ذلك تقول: "من خلال استعمال تقنيات الاسترخاء والصوت والصور الموجّهة، تمكنت من ابتكار طريقة جديدة لمداواة الأشخاص القادمين للعلاج الكيميائي. كما أسست رفقة الدكتور أشرف كمون سنة 2014 الجمعية الوطنية للعلاج بالموسيقى لتعزيز التقنيات المعتمدة كطب بديل وعلاج تكميلي. تعدّ هذه الجمعية الآن مدرسة لتأطير الباحثين ومنصة لتنظيم مؤتمرات وندوات ودورات تكوينية وورشات تطبيقية في محافظات صفاقس والمنستير والمهدية والحمامات وغيرها، بما يمكننا من تصدير كفاءات وخبرات تونسية تروّج لقدرة بلادنا للنهوض بهذا العلاج في الخارج".

تؤكد الجبالي أيضاً أن سعر الجلسة الواحدة يتراوح بين 50 و60 ديناراً تونسياً في المصحات الخاصة (بين 16 و19 دولاراً أمريكياً)، وبين 30 و45 ديناراً تونسياً في المستشفيات العمومية ( بين 9 و15 دولاراً أمريكياً). يُعزى ارتفاع تكلفة هذه الجلسات العلاجية التكميلية إلى كونها تتطلب معدات وتجهيزات خاصة. علماً أنها تعادل تسعيرة الاختصاصات الطبية الأخرى سواء كانت في المستشفيات العمومية أو العيادات الخاصة.

ورغم الجهود الحثيثة التي تقوم بها الجمعية لنشر وتعميم العمل بالموسيقى داخل المستشفيات إلا أن ذلك يظل محدوداً، إذ تفيد الدكتورة رحاب الجبالي أن انتشار التداوي بالموسيقى لا يعدو أن يتجاوز نسبة الـ 40% في العاصمة تونس فقط، وهو لا يقتصر فقط على علاج الأمراض السرطانية بل يشمل الأشخاص الذين يعانون من مشاكل في التواصل الاجتماعي كمرضى التوحد، وكل من لديهم صعوبات في التعلم أو التناسق الحركي أو ذوي الإعاقات الخفيفة وكبار السن ممن يعانون ألزهايمر وما ترافقها من أعراض فقدان الشهية وصعوبة التركيز والتوتر وغيرها.

"تسعى الجمعية الوطنية للعلاج بالموسيقى بالتعاون مع وزارة الصحة إلى إدماج التداوي بالموسيقى في جميع خدمات الرعاية والمستشفيات التونسية العامة منها والخاصة. وقد نتج عن هذه الاتفاقيات نجاحات مهمة من قبيل تكوين عديد الأطباء داخل المستشفيات وفتح آفاق للطلبة الراغبين في كسب مهارات والقيام بتربصات في الأوساط الطبية، فضلاً عن العمل على جعل تونس وجهة للسياحة الطبية واستقطاب أكبر عدد من المرضى الأجانب"

نحو الترويج للسياحة الطبية

وتؤكد الجبالي أن الجمعية الوطنية للعلاج بالموسيقى تقوم حالياً بدراسة مشروع فتح فروع لها في مختلف محافظات تونس الأخرى بالتعاون مع جمعيات ومنظمات تونسية تولي أهمية كبرى للمزيج بين الطب والموسيقى.

وتضيف رئيسة الجمعية: "يسعى أعضاء الجمعية إلى ترسيخ المبادئ الأساسية للعلاج من خلال توقيع اتفاقيات شراكة مثل تلك التي أُبرمت سنة 2020 مع وزارة الصحة بغرض إدماج التداوي بالموسيقى في جميع خدمات الرعاية والمستشفيات التونسية العامة منها والخاصة. وقد نتج عن هذه الاتفاقيات نجاحات مهمة من قبيل تكوين عديد الأطباء داخل المستشفيات وفتح آفاق للطلبة الراغبين في كسب مهارات والقيام بتربصات في الأوساط الطبية، فضلاً عن العمل على جعل تونس وجهة للسياحة الطبية واستقطاب أكبر عدد من المرضى الأجانب".

وفي إطار توسيع نشاطاتها ومزيد من التعريف بهذا الأسلوب الحديث سواء في تونس أو داخل الوطن العربي، قامت الجبالي بتأسيس "مركز هارموني" كأول مركز خاص تحدثه الجمعية في تونس الكبرى لتقديم الخدمات العلاجية بالموسيقى، علاوة على تدريس هذا المجال كتخصّص بعد بحث أول ماجستير مهني في كلية الطب والمعهد العالي للموسيقى بمحافظة سوسة.

وبالنظر إلى تأثير وصفة العلاج بالترانيم والأنغام وما تفرزه من هرمونات على استرخاء الأعصاب والعضلات، فالأمل أن يصبح لها دوراً أكبر في الرعاية الصحية والنفسية لجميع المرضى.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

فلنتشارك في إثراء مسيرة رصيف22

هل ترغب/ ين في:

  • الدخول إلى غرفة عمليّات محرّرينا ومحرراتنا، والاطلاع على ما يدور خلف الستارة؟
  • الاستمتاع بقراءاتٍ لا تشوبها الإعلانات؟
  • حضور ورشات وجلسات نقاش مقالات رصيف22؟
  • الانخراط في مجتمعٍ يشاركك ناسه قيمك ومبادئك؟

إذا أجبت بنعم، فماذا تنتظر/ ين؟

    Website by WhiteBeard