موسيقى "المزود" التونسية... رحلة فن المهمّشين من الخمارات والسجون إلى الأندرغراوند

الخميس 30 يناير 202012:10 م

يُعتبر "المزود" الفن الشعبي الأول في تونس من حيث الجماهيرية، ويقوم على الآلات الإيقاعية وأساسها "آلة المزود"، التي تتكون من قرني الماعز وجلده، وقصبة في أسفل الآلة، ويشبه صوتها صوت المزمار.

يمكن تناول الموضوع من خلال ثلاث حقب لمحاولة قراءة تطوره، الحقبة الأولى ما قبل عرض "النوبة"، أي فترة الحضر الإعلامي، وفترة ما بعد "النوبة" سنة 1991، العرض التاريخي الاستعراضي الذي تمثل في جمع أكبر فناني هذا الفلكلور، بصحبة الراقصات والراقصين الشعبيين على مسرح قرطاج الأثري، وهو حدث تاريخي استعراضي لم يحصل في تاريخ الفن الغنائي وفن الرقص في تونس، أشرف عليه الملحن والفنان الوتري التونسي سمير العقربي، والمسرحي المخرج فاضل الجزيري، ومثل حدثاً فارقاً في تاريخهما الفني، ويمكن اعتبار ذلك العرض بمثابة الاعتراف الرسمي وردّ الاعتبار لهذا الفن، وتمثل الحقبة الثالثة فترة ما بعد الثورة و"التطور" الذي طرأ على هذا الفن.


 "طيح لتالي" - وهي أغنية تتغزل بالحبيبة للفنان الهادي حبوبة، من عرض النوبة

المزود فن المهمشين

أكثر الأعمال التي تجد امتداداً شعبياً هي تلك التي تحاكي واقعهم، وتمتلك مصداقية أكثر عندما يكون ممارسوها من رحم ذلك الواقع، وهو ما ينطبق على المزود، فكلما سألت مريداً له أجابك على الفور ودون تفكير أنه تعبير حي وصادق لواقعه ويتحدث لغته، فعندما نرجع إلى الإنتاجات الفنية لموسيقى "المزود" نجدها تتحدث عن الفقر، التهميش، الهجرة السرية، الغربة، مشاكل الأسرة، ألم الحب وما إلى ذلك.

وعلى الأغلب ومن باب التنسيب، نشأ "المزاودية"، أي ممارسو هذا الفن، في الأحياء المفقرة المهمشة، ولهم تحصيل علمي متواضع، وأغلبهم يكتبون كلمات أغانيهم بمفردهم، والتي تكون نابعة عموماً من تجاربهم الخاصة المحملة بالوجع، وللتعبير عن ذلك يجب على المغني أن يمتلك صوتاً شجياً وإحساساً عالياً لينقل "حالته الفنية" لمستمعه.

أكثر الأعمال التي تجد امتداداً شعبياً هي تلك التي تحاكي واقع الناس، وتمتلك مصداقية أكثر عندما يكون ممارسوها من رحم ذلك الواقع، وهو ما ينطبق على المزود، فكلما سألت مريداً له أجابك على الفور ودون تفكير أنه تعبير حي وصادق لواقعه ويتحدث لغته

نشأة المزود في الأحياء الحزامية، وهويته الفنية جعلته يمتد أساساً في الأحياء الشعبية، وهو المعبر الأساسي عن مشاعرهم وخاصة أتراحهم في حقبة الديكتاتورية السياسية، وانحصار النضال على مستوى الدفاع عن جموع المهمشين، فتقريباً حتى بداية الألفية وقبل عولمة الفن بالشكل الجماهيري الحالي، نجد في كل حي شعبي في تونس أحد ممارسي هذا الفلكلور، سواء كان عازفاً أو راقصة أو مغنياً، ومن النادر أن يغيب المزود عن أفراح الزواج والختان، حتى وإن تغنى بأغان حزينة، خاصة وأن إيقاعه راقص بسبب حضور آلة "الدربوكة" الإيقاعية، ويمكن الاستدلال على ذلك بالأغنية الشهيرة التي لم تفقد بريقها عبر الزمن للفنان صالح الفرزيط، "قالولي روح براني"، وهي أغنية تتحدث عن الإقصاء الاجتماعي في علاقة بالزواج.

 أغنية "قالولي روح براني" لصالح الفرزيط

ومن الشائع في تونس أن شاربي الخمر يسكرون في الأحياء على أغاني المزود، يرقصون تارة ويبكون تارة أخرى على واقعهم الصعب، ما يمكن أن يعبر عنه بمتلازمة الفرح والحزن للمزود، حيث يقومون بحالة إسقاط وتماثل مع معيشتهم ويلجؤون إلى أعماقهم ووجدانهم، ويعيشون حالة "تخميرة" تدفعهم للبكاء والضحك، بل والعنف أحياناً تجاه أنفسهم، بتجريح أيديهم مثلاً، أو تجاه الآخرين، وللإشارة، كتبت عدة كلمات أغاني في السجون، سواء من المغني نفسه أو من مساجين آخرين.

في هذا السياق، شهد المزود في حقب سابقة نوعاً من الاحتقار من الطبقة الاجتماعية الأكثر رفاهية، وهذا ينطبق على أغلب الفنون الشعبية، إذ كانوا يرون فيه نوعاً من الهبوط والانحراف الذوقي، لا يليق بذائقتهم "العالية"، وتعاملوا بتعال وأحكام مسبقة مع مستمعيه، وهذا ما يفسر منع السلطة الرسمية بثّه في وسائل الإعلام قبل فترة التسعينيات، وهي المتأتية من الوسط البرجوازي والتي اعتبرت المزود أحد العناصر الثقافية المعرقلة لمسار "تحديث" المجتمع.

الانفتاح الجماهيري

كما ذكرت سابقاً، مثّل عرض "النوبة" والذي كان لحظة فارقة في تاريخ المزود ومسار جماهيريته وتحدي الجانب المحافظ، حيث دخل هذا الشكل الفني الفضاء العام في المناسبات الاحتفالية في الإعلام والمهرجانات، وشهد حقبة ثراء فني في العشريتين الأخيرتين، على مستوى الفرق والمضمون، وعلى مستوى تحرر المشروعية المجتمعية والرسمية، واقتحمت النساء القادمات أساساً من الوسط الريفي هذا المجال، ونجحن في تحصيل مكانة جماهيرية عالية، على غرار الفنانة الراحلة فاطمة بوساحة، التي شاركت في عرض "النوبة" وتحدت بيئتها الاجتماعية التقليدية، ما سهل دخول الفنانات هذا المجال، وانعكس إيجاباً على مقبوليتهن الاجتماعية.

فاطمة بوساحة من عرض النوبة

وقد أدت عملية الانفتاح إلى "انحراف" عدد من الفنانين عن الالتزام بقضايا المهمشين نحو التوجه التجاري، كما أثّرت بالضرورة على تقنية هذا النوع الموسيقي، حيث تم إدخال آلات صوتية على غرار آلة "الأورغ"، وفي فترة ركود الموسيقى الوترية المحلية في العشريتين الأخيرتين، استنجد عدد من الفنانين الوتريين بـ"المزاودية" في إنتاج أغانٍ ثنائية، للمزج بين الموسيقى الصوتية والوترية والمزود.

ومن الشائع في تونس أن شاربي الخمر يسكرون على أغاني المزود، يرقصون تارة ويبكون تارة أخرى على واقعهم، ما يمكن أن يعبر عنه بمتلازمة الفرح والحزن للمزود، حيث يقومون بحالة إسقاط وتماثل مع معيشتهم ويلجؤون إلى أعماقهم ووجدانهم، ويعيشون حالة "تخميرة" تدفعهم للبكاء والضحك

بيد أن فترة الصعود والثراء لحقتها فترة ركود وأفول بعد الثورة، على مستوى الإنتاج والكم، وهذا يتناقض مع الزخم الاجتماعي السياسي الذي شهدته تونس، إذ من الملاحظ أن مغني المزود بشكل عام لم يستغلوا حالة حرية التعبير المتقدمة، وتطور الاتجاه الفني الملتزم المعبر عن قضايا الشعب التونسي، وولادة أشكال فنية جديدة في ذات السياق، عكس موسيقى الراب وتيار ''الأندرغراوند"، وانحصر فنانو المزود في اجترار أغانيهم القديمة رغم الواقع المحفز، وهناك أصلاً من تخلى عن الآلة في فرقته، لكنه يعتبر نفسه ويعتبره الكثيرون "مزاودياً".

رغم أن أغلب مغني الفرق الموسيقية الملتزمة والمسماة بـ"الأندرغراوند" والتي احتلت مكانة جماهيرية مهمة لدى الشباب، يغنون أغاني مزود نجحت في السابق، ولكن بموسيقى صوتية متجددة، وبسؤال مجموعة من الشباب عن ذلك، يرى البعض أن مضمون أغاني المزود الملتزم يعبر عن "هويتهم الاجتماعية"، لكن على مستوى الموسيقى بقي كلاسيكياً لم يجدد نفسه، لذلك يفضلون الإعادة بأشكال جديدة، بينما يرى آخرون أن المزود لا يكون إلا بالمحافظة على آلاته الأصيلة، لأنه مبني على هذا الأساس، لكنهم منزعجون من حالة الأفول التي يشهدها.


 إعادة توزيع لأغنية "ارضي علينا يا لميمة"

تتحدث أغنية "ارضي علينا يا ليمة" عن عناء السجن والاشتياق للأم، للفنان صالح الفرزيط، قام بإعادتها الثنائي صبري مصباح وفهمي الرياحي، وهما ينتميان إلى تيار "الأندرغراوند".

أما أسماء العثماني هي فنانة وترية، قامت بإعادة أغنية الفنان صلاح بمصباح "يمّى الأسمر دوني"، وتتحدث عن العنصرية، بدون آلة مزود وبمزج آلات صوتية ووترية كـ"الكمنجة" و"الدربوكة".


وفي الحقيقة، انخرط جزء من مغني المزود المحافظين في الرأي الثاني، لأن أي تيار موسيقي قائم بالأساس على آلات معينة، وهي هويته الفنية التي لا يمكن أن يستمر في حالة التخلي عنها، مثلاً لا يبقى الجاز كذلك إذا تم التخلي على آلة السكسفون، بالإضافة إلى أن الآلة في حد ذاتها تندرج في إطار ثراء الثقافة الفنية التونسية، وأعتقد أن التجارب التي نشأت بعد الثورة والتي نهلت من هذا الفلكلور في أي جانب من جوانبه، أدت إلى عملية تداخل في الأجناس الموسيقية، ما أدى إلى صعوبة التصنيف لدى الجمهور العريض، وانعكس ذلك على ظروف العمل والإبداع لدى الفنانين الشعبيين المتجذرين، فعملية التطور ضرورية لكن ليس بنسف الأعمدة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard