شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ساهم/ ي في صياغة المستقبل!
النمر الفراتي... هل يعود إلى الظهور بعدما كان مهدداً بالانقراض؟

النمر الفراتي... هل يعود إلى الظهور بعدما كان مهدداً بالانقراض؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

بيئة ومناخ نحن والبيئة

الاثنين 19 فبراير 202403:22 م

أرخت الحرب بظلالها على الحياة البرّية في المنطقة الشرقية من سوريا، وسُجّل عدد كبير من حالات اقتراب اللواحم من الحيوانات مثل الذئاب والضباع من التجمعات السكانية، الأمر الذي كان نادر الحدوث في سنوات ما قبل الحرب، وتفسير ذلك على لسان السكان المحليين يعود إلى بحث هذه الحيوانات عما تأكله، بعد تجنب الكثيرين منهم التجوال بقطعان المواشي في مناطق البادية أو بعيداً عن التجمعات بسبب الخوف من الألغام والعمليات القتالية.

عدا أن السنوريات التي كان يعتقد أنها انقرضت مثل النمر أو الفهد الفراتي، عادت للظهور في المناطق القريبة من القرى في حوض الفرات والجزيرة السورية، وهي حيوانات تشير المعلومات المنشورة عنها إلى أنها "مهددة بالانقراض". والنمر أو الفهد الفراتي هما اسمان متداولان لنفس الكائن الذي يعيش في هذه المنطقة المميزة من الجغرافيا السورية.

مشاهدة هذا الحيوان نادرة، وقد صادفته مرة خلال جمع الأسماك من بحيرة السد.

الظهور مجدداً

يقطن فايز الجدوع في قرية عجاجة في ريف الحسكة الجنوبي، قال لرصيف22: "أول الأمر كنت أسمي النمر أو الفهد الفراتي بالقط البرّي، فهو يشبه القط تماماً أكبر حجماً. اعتاد سكان المنطقة القريبة من نهر الخابور الذي يصب في الفرات قرب مدينة الميادين، قتل هذا الحيوان في اعتقاد منهم أنه خطر على الطيور الداجنة التي يربونها أو حتى المواشي، وعلى الرغم من عدم تسجيل حالات دخول له إلى القرى بعكس الذئاب والضباع، فإن الصيادين أو غيرهم يطلقون النار بشكل مباشر عليه بمجرد مشاهدته".

وتابع: "الحرب والقتال المتواصل قرب نهر الفرات، وعمليات إطلاق النار المستمرة على الحوائج أو الجزر النهرية، بوصفها أماكن مشبوهة بالنسبة للقوى المسيطرة على طرفي النهر، هي السبب في دفع نمر الفرات للترحال نحو المناطق الأقل ضجيجاً، مثل حوض نهر الخابور، والذي على الرغم من تحوله إلى نهر موسمي مع بقاء برك مائية في المناطق العميقة من مجراه، ما زال يحتوي على أسماك وكثافة نباتية مقبولة، وتعيش بالقرب منه حيوانات صغيرة مثل الأرانب وفئران الحقل وما يشببها، وهي حيوانات يعيش على صيدها النمر الفراتي".

النمر الفراتي... هل يعود للظهور بعدما كان مهدداً بالانقراض؟

الصياد يوسف السلامة، والذي يعمل بشكل أساسي في صيد السمك من بحيرة السد الجنوبي في محافظة الحسكة، يقول لرصيف22 إن مشاهدة هذا الحيوان نادرة، وقد صادفه مرة خلال عملية جمع الأسماك من بحيرة السد، إذ شاهده على جسم السد المكون من الأحجار البازلتية، عندما كان يصيد الأسماك التي تستريح بين هذه الأحجار، كما إنه يعيش في الجزر الصغيرة التي تتواجد ضمن البحيرة، وخاصة تلك التي تكون أعواد القصب "الزل" فيها كثيفة، وقد رُصد في إحدى هذه الجزر وهو يصطاد طيور الحجل.

ويضيف: "هناك من يقتل الحيوان لشبهة إنه مفترس أو خطر، وهو عادة يهرب سريعاً إذا ما أحس بوجود البشر قريبين منه، ويقول بعض كبار السن إنهم شاهدوا النمر أو الفهد الفراتي يطارد الأرانب البرية في بعض المناطق القريبة من نهر الخابور حينما كان حال النهر أفضل من حيث منسوب المياه والجريان، أما الآن فهو يقترب من المسطحات المائية فقط لاصطياد الأسماك أو التقاط النافق منها، وهو حيوان يجيد السباحة على ما يبدو لكن لم يشاهده أحد يسبح".

سرديات أخرى

تقول بعض الحكايا غير المدونة إن السكان في مناطق حوض الفرات كانوا يربّون الفهود والنمور في منازلهم، وتبدأ العملية من خلال البحث عن أوكار هذه الحيوانات في الجزر النهرية المعروفة باسم "الحوايج"، في دير الزور والرقة، ومن ثم التقاط الفراخ الصغيرة وتربيتها على الحليب البقري واللحم المسلوق، مع منعها من أكل اللحوم النيئة خشية تحولها إلى حيوانات شرسة عند البلوغ.

ومن ثم تدرب هذه الحيوانات على تنفيذ عمليات الصيد من خلال ملاحقة الطرائد من الحيوانات البرية كالأرانب، أو حتى الثعالب الصحراوية التي تعرف محلياً باسم "الحصيني"، وفي مناطق أخرى باسم "الجقل".

لكن هذه السردية غير مثبتة محلياً، إذ إن السؤال عنها بين سكان المنطقة يُجاب عنه بـ"يقال إن الأمر صحيح"، والأمر محتمل الحدوث قياساً على تجربة تربية الطيور الجارحة مثل صقر الشاهين، وتدريبها على صيد الطرائد.

هناك من يقتل الحيوان لشبهة إنه مفترس أو خطر، وهو عادة يهرب سريعاً إذا ما أحس بوجود البشر قريبين منه، ويقول بعض كبار السن إنهم شاهدوا النمر أو الفهد الفراتي يطارد الأرانب البرية في بعض المناطق القريبة من نهر الخابور حينما كان حال النهر أفضل من حيث منسوب المياه

تقول المعلومات المتوافرة عن نمر أو فهد الفرات، في مراجع البحث عبر الانترنت، إنهما حيوانان متشابهان من حيث البنية الجسدية، فارتفاع كل منهما يصل إلى 60 سنتيمتراً، وطول الجسد يصل إلى 90 سنتيمتراً، في حين أن طول الذيل في أبعد تقدير 30 سنتيمتراً، والفرق الوحيد بينهما هو اللون، فالنمر هو المخطط بالنسبة للسكان، والفهد هو المنقط، والأمر يقاس على الصفات العامة للحيوانات التي تحمل الاسمين ذاتهما في إفريقيا وسواها.

نمور لكن أصغر حجماً

تواصل رصيف22 مع الباحث البيئي إياد السليم، الذي أجاب عن أسئلة متصلة بهذين الحيوانين: "النمر الفراتي موجود بأعداد كبيرة في مناطق الجزر النهرية الموجودة في نهر الفرات والتي تعرف شعبياً باسم الحوايج، لكن من النادر أن يُرصد من قبل السكان، وذلك لكونه كيّف حياته لصيد الأسماك والطيور المائية ليلاً، خاصة الطير المعروف شعبياً باسم زيغة الماء، فيكمن للطيور ويتحرك بخفة النمر ذاتها لينفذ عملية الانقضاض على الطريدة بسرعة فائقة، كما أنه يقتات على الأسماك التي تستريح بين القصب النهري ليلاً، حتى إنه في بعض المناسبات لا يتعب نفسه بالصيد لأن هناك الكثير من الأسماك النافقة على ضفاف الجزر في نهر الفرات".

بذلك، فإن أسلوب حياة النمر الفراتي جعلته غير مرئي حتى لصيادي الأسماك العاملين في نهر الفرات، لكن هناك صيادون أكدوا في مرات عدة مشاهدته بأعداد وافرة.

النمر الفراتي... هل يعود للظهور بعدما كان مهدداً بالانقراض؟

النمر الفراتي نوع مميز من السنوريات كما يشير السليم، وهو يتحدر من نوع فرعي في السنوريات أو من الأنواع المستقلة، ويتميز بالنقشات على جسده، فهي ليست بالواضحة جداً، وليس هناك تباين بين النقش على الجسم وألوان المحيط، بل يمكن القول إن هناك نوعاً من الاندماج اللوني بينه ومكان وجوده، ما يساعد على تخفيه بين أعواد القصب التي تنمو على ضفاف الجزر النهرية.

ينفي الباحث الذي أجرى عملية رصد ميدانية للنمر الفراتي عام 2004 في الجزر النهرية في نهر الفرات ضمن محافظة الرقة، وجود اختلاف بين النمر الفراتي والفهد الفراتي، إذ يعتبرهما اسمين لنفس الحيوان، وخلال عملية الاستكشاف التي نفذها، درس سلوك النمر الفراتي ورصد تحركاته لمدة شهر كامل، وتبين إنه من الممكن أن يطلق عليه أسماء السنوريات الأصغر حجماً، مثل الوشق، لكن استخدام تسمية النمر الفراتي جاءت لاعتمادها من قبل السكان.

يعود سبب قتل النمر الفراتي لعدم وجود وعي بيئي عند السكان، وربما يمكن ربط خوفهم منه مع اسمه المقرون بالرعب نتيجة أفلام الحياة البرية، لذا يكون رد الفعل المباشر إطلاق النار عليه، ولكن هذه الحيوانات مفيدة جداً للتوازن البيئي في المنطقة، وتخدم البشر من خلال قتل الأفاعي والجرذان

ويضيف: "يتميز نمر الفرات بطريقة سير تشبه تماماً مسير النمر، ومن المسافة البعيدة يبدو من خلال سلوكه الحركي كأنه أحد النمور الكبيرة، لكن بالاقتراب منه نكتشف بأنه صغير من حيث الحجم. النمر الفراتي ليس حيواناً خطراً، وهو من الحيوانات الجبانة التي تهرب مباشرة حين إحساسها بوجود أية حركة قريبة منها، وخلال محاولتنا لرصدها، لم تكن تقترب من البشر على الرغم من محاولات الإغراء بالأسماك أو اللحوم، وحتى إذا اقتربت من التجمعات السكانية بحثاً عن الطعام فهي غير مؤذية، لكن نادراً ما يحدث ذلك لكونها تعتمد على أطعمة يسهل الحصول عليها".

قتله خطأ شائع

يعود سبب قتل النمر الفراتي وفق السليم لعدم وجود وعي بيئي عند السكان، وربما يمكن ربط خوفهم منه مع اسمه المقرون بالرعب نتيجة أفلام الحياة البرية، حيث يظهر النمر بأنه من الحيوانات الخطرة، لذا يكون رد الفعل المباشر إطلاق النار عليه، ولكن هذه الحيوانات مفيدة جداً للتوازن البيئي في المنطقة، وتخدم البشر من خلال قتل الأفاعي والجرذان وافتراسها إذا ما تصادف وجودها، ولا يوجد تأكيد لتداول أي قصة لمهاجمة أي من هذه النمور لأي إنسان في المنطقة.

هذه المعلومات تترافق مع غياب وجود إحصائيات أو دراسات فاعلة حول هذا الحيوان في المؤسسات المختصة مثل مديريات الزراعة أو مديريات البيئة في المنطقة الشرقية لسوريا، وهناك محاولات فردية لدراسة هذا الحيوان وإحصائه، حاله في ذلك حال بقية الحيوانات البرّية المستوطنة أو المهاجرة في سوريا، إذ لا توجد عمليات إحصاء أو دراسات معتمدة أو يمكن البناء عليها في هذه المؤسسات، وهذا ليس استنتاجاً، وإنما خلاصة سؤال عدد كبير من المصادر في المحافظات الشرقية الثلاث أي الحسكة والرقة ودير الزور، حتى إن بعض المهندسين الزراعيين والأطباء البيطرين في المنطقة نفوا وجود حيوان بهذا الاسم، واعتبروا أنه وشق بألوان مختلفة عن الوشق التقليدي.

وبغض النظر عن تسميته مجتمعياً بالنمر أو الفهد، فلا بد من توثيق حياته وتقديمها بالشكل العلمي الصحيح، وأيضاً التطبيق الصارم للقوانين الناظمة لصيد الحيوانات البرية، ليكون هذا الحيوان محمياً من عمليات القتل التي لا تجدي نفعاً، فقتله يحدث لمجرد وهم شائع من وحشيته، إذ إن جثثه غالباً ما تترك في العراء حسبما يؤكد السكان، ما يزيد من المخاطر البيئية في المنطقة التي يمكن وصفها بأنها "مهملة"، منذ ما قبل الحرب في سوريا.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

ما أحوجنا اليوم إلى الثقافة البيئية

نفخر بكوننا من المؤسّسات العربية القليلة الرائدة في ﻣﻴﺪﺍﻥ ﺇﺫﻛﺎﺀ ﺍﻟﻮﻋﻲ البيئيّ. وبالرغم من البلادة التي قد تُشعرنا فيها القضايا المناخيّة، لكنّنا في رصيف22 مصرّون على التحدث عنها. فنحن ببساطةٍ نطمح إلى غدٍ أفضل. فلا مستقبل لنا ولمنطقتنا العربية إذا اجتاحها كابوس الأرض اليباب، وصارت جدباء لا ماء فيها ولا خضرة.

Website by WhiteBeard