شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

انضمّ/ ي إلى ناسك!
حسام هو كيلوغرامات شيرين الزائدة

حسام هو كيلوغرامات شيرين الزائدة

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مدونة نحن والنساء

الأربعاء 24 يناير 202411:04 ص

لن تنفعك عبارات مثل: "المهم الأخلاق" أو "ما فيك تاخد زمنك وزمن غيرك" أو "لا مش مبين عليك عمرك"... لا، لن تفيد هذه العبارات بالإحساس بالغضب حيناً والحزن، على درجاته، حيناً آخر، وأنت تراقب تغير شكلك الخارجي بكل تفاصيله.

نعم، أنت تتحول إلى كائن بشع أو أبشع: المقارنة المستمرة بين شكلك، عشر سنوات خلت، وشكلك الحالي، عملية منهكة، لكنك تقوم بها كل يوم. تنظر ملياً إلى صورك القديمة وتنظر في المرآة -إن كانت لديك الجرأة أن تنظر- تتحسّس اللحم الزائد الممتد على كل جزء من جسدك، الترهّلات التي لا ترحم، شعرك الذي بات خفيفاً من الأمام. نعم من الأمام كي يراه الجميع، حتى العينان يفقدان بريقهما مع العمر. يا للقسوة إن كانت فعلاً "عنينا هني أسامينا" كما غنّت فيروز، فماذا سنسمّي أنفسنا اليوم بعد أن اختفت كل ملامح الجاذبية الني كنا نملكها. تبعاً لهذه المعادلة الفيروزية ستنتشر أسماء مثل: شاحب، أصفر، غائم، منهك، مبهم، الخ...

ما يريح قليلاً أنك لست وحدك. الكل يشاركك نفس الأحاسيس. إن أنصتَّ قليلاً ستعرف أن الجميع يحزنون عندما يكبرون. لا أحد لا يهمه أن الصورة القبيحة منه هي المسيطرة الآن.

نعم، أنت تتحول إلى كائن بشع أو أبشع: المقارنة المستمرة بين شكلك، عشر سنوات خلت، وشكلك الحالي، عملية منهكة، لكنك تقوم بها كل يوم

حتى أصحاب البوتوكس والفيلر وعمليات الشد والتنحيف وزرع الشعر هم كائنات كئيبة، حزينة. يعرفون جيداً بأنهم ليسوا هم. أن مهمّا وضعوا على وجوههم من مساحيق، مهما حشوا صدورهم من سيليكون. عيونهم تكشفهم. عيون بلاستيكية شاحبة.

يصل بنا هذا الألم من مواجهة كل هذه التغييرات/ القبح أن نهرب من الناس عند رؤيتهم، خاصة إذا كان قد ولّى زمن بعيد على اللقاء بهم. نفضّل أن لا يروا بأننا أصبحنا أكثر قبحاً، أكثر ألماً،  أشدّ كآبة.

طالما ربط الناس، بتحليل سريع منهم، زيادة الوزن لديك، التجاعيد الكثيرة على رقبتك، عدم تناسق ألوان ملابسك ولجوءك إلى الملابس المريحة الواسعة، ربطوا هذا التغيير بأنك كئيب ومهمل بحق نفسك، أو أن مصيبة كبيرة قد حلت بك.

هكذا فعل جمهور شيرين عندما ظهرت على المسرح أول مرة وقد كسبت الكثير من الوزن. انتشرت صور لها، كيف كانت قبل بجسدها الممشوق وكيف هي الآن، سمينة، قبيحة، حتى لو لم يكونوا بهذا الوضوح في توصيفها. فكرة مقارنتها بنفسها حين كانت أجمل/أنحف هي إدانة بحد ذاتها. الكل ربط هذا التغيير المثير للشفقة بمشاكلها مع طليقها. محبوها تمنوا لو لم تتعرّف على هذا المسخ الذي كان سبباً بكسبها كل هذه الكيلوجرامات، أو الآلام على شكل لحم زائد.

لا تحسب الجماهير عنصر التقدم بالعمر. لا وقت لديها إلا للصق صور مقارنات بين الشيرنتيين: شيرين القديمة وشيرين الآن.

قد تكون في مرحلة معينة شيرين وقد تكون حسام، وقد تكون الاثنين معاً في نفس الوقت، الأهم أن تبقى لعينيك ذاكرة، وبقايا بريق ما

يا ليت شيرين ترجع كالسابق، بعودها المشدود النحيف، بضحكتها الجذابة، دون ما سبّبه لها حسام من آلام، قبح، بكاء هستيري على المسرح، عدم قدرة على الغناء، الضحك. هم بذلك، بدعواتهم وأمنياتهم، يبصمون بالعشرة بأن شيرين كانت أكثر سعادة وطمأنينة وأماناً وثقة، والدليل واحد أحد لا يمكن أن تكذبه العين: كانت خفيفة بوزنها أي خفيفة بآلامها (حسب الجمهور).

فاجأت شيرين الجمهور بآخر ظهور لها في حفل جوي أوورد في السعودية برجوعها إلى وزن مقبول. خسرت العديد من الكيلوجرامات. علق الجمهور جزلاً على هذا التغيير المفاجئ: تخطت حسام أخيراً، غير منتبهين إلى أن شيرين هي أنا وأنت وحسام هو الزمن.

هل هناك من تصالح مع نفسه، مع تأثير رأي الناس به، تصالح أو اندمج مع شكل جسده، الاحتواء الجديد لروحه، المتغيّر سنة عن سنة.

هل هناك فعلاً من سيقوى على هذه الطعنة/ الغدر التي نشعر بها فجأة ونحن في منتصف الأربعينيات عادة، ثم تغوص وتغوص فينا يوماً بعد يوم؟

أغلبنا ليس لديه هذه المقدرة أو نقاء الرؤية لهذا التغيير اليومي البطيء الذي يشبه سم أفعى يتوغل داخل جسد الملدوغ، من لا يشعر بها إلا بعد أن حدوث تورّم وكدمات وتشوه ما قد يبدأ بأي مكان ويمتد على كلنا، من شعرنا حتى أخمص قدمينا.

لدغة الأفعى هي الزمن نفسه. الزمن الذي يسير بسرعة كونية كما يقول العلماء. أما حسام، الذي أسميناه أيضاً سابقا بالزمن، فهو الزمن الذي لا وجود له من الأصل، بل هو مجرد وهم متعدّد الأشكال.

قد تكون في مرحلة معينة شيرين وقد تكون حسام، وقد تكون الاثنين معاً في نفس الوقت، الأهم أن تبقى لعينيك ذاكرة، وبقايا بريق ما.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel


* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

رصيف22 من أكبر المؤسسات الإعلامية في المنطقة. كتبنا في العقد الماضي، وعلى نطاق واسع، عن قضايا المرأة من مختلف الزوايا، وعن حقوق لم تنلها، وعن قيود فُرضت عليها، وعن مشاعر يُمنَع البوح بها في مجتمعاتنا، وعن عنف نفسي وجسدي تتعرض له، لمجرد قولها "لا" أحياناً. عنفٌ يطالها في الشارع كما داخل المنزل، حيث الأمان المُفترض... ونؤمن بأن بلادنا لا يمكن أن تكون حرّةً إذا كانت النساء فيها مقموعات سياسياً واجتماعياً. ولهذا، فنحن مستمرون في نقل المسكوت عنه، والتذكير يومياً بما هو مكشوف ومتجاهَل، على أملٍ بواقع أكثر عدالةً ورضا! لا تكونوا مجرد زوّار عاديين، وانزلوا عن الرصيف معنا، بل قودوا رحلتنا في إحداث الفرق. اكتبوا قصصكم، وأخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا!.

Website by WhiteBeard