شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

قدّم/ ي دعمك!
امرأة بطفولة أقصر من الجميع

امرأة بطفولة أقصر من الجميع

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مجاز نحن والنساء

السبت 20 يناير 202412:11 م




تقول لي فتاة التقيتها صدفة في الحديقة: "تبدو حياتك جميلة"، فأبتسم.

جثثي التي تشاركنا الجلسة غير مرئية إذن. ألملمها وأنسحب، وأبحث عن مقعد لا أحتاج فيه لاختراع ابتسامات وللتغطية على تلك الجثث التي أحملها معي أينما ذهبت.

هذه الجثث تخرب عليّ كل محاولة للنجاة، أشعر بها دائماً وفي كل لحظة، أحسّ كيف تعبث بداخلي، وكيف تتسلى برمي الحجارة في برك الوحل المتشكلة داخل أعماقي، وأسمعها كيف تتبارى بقذف الحجارة أبعد، وصنع دوائر أكثر، حتى أنها تجعلني عاجزة عن صنع حديث كامل واحد مع أحد غيرها.

في الطريق إلى مكان ما همستُ في أذن صديقتي: " كم من الجميل ألّا نصل، أن نستمر بالركوب إلى الأبد". كنت أريد أن أقول شيئاً آخر لكني عجزت.

أخرجت هاتفي وكتبت ما كنت أرغب أن أقوله لها.

كم من الجميل ألّا تمتلك حياة تعود لها، كم من الجميل أن تكون خفيفاً كريشة وفارغاً كطبل، كم من الجميل أن تفتح باباً لتجد باباً آخر، وآخر، وآخر... لا أحلام تؤنبك، ولا ماض يلف حبله حول عنقك، ولا ذكريات تحمل فأسا وتقطعك، ولا رغبة تقودك نحو الاحتراق دائماً. لا لشيء، إلا لأن الخطر صار طريقتك الوحيدة للشعور بأنك تعيش.

أعرّف مرة عن نفسي بأني "ساعة مجنونة تغني أوقاتاً قديمة ميتة"، يضحك السائل، أما أنا فأبكي دون أن يراني، كم من الصعب أن تشرح لأحد كيف تتوه امرأة داخل قصيدة... مجاز

أحدق من نافذة الباص، يداهمني فجأة وجه سيلفيا بلاث، أفكر بالفرن، بصنع الفطائر، بالباب المغلق من الداخل، بأطفالها، وصحن الطعام الذي وضعته لهما، وكثيراً بحزنها، ثم مجدداً بالفرن، لكن هذه المرة ورأس سيلفيا داخله. هذ الموت كان آخر قصيدة كتبتها سيلفيا، وربما أجملها. هل كانت سيلفيا مثقلة بالجثث؟ وعلاقة تيد اقتصرت على تذكيرها بوجودهم داخلها دائماً.

أتمنى مجدداً في سري، ألا نصل، لكننا نصل في نهاية المطاف.

لماذا لا نستجب لنداء الريح فينا

للخفة التي تمنحها الحجارة لأرواحنا في الماء

للخلاص من عار العيش بعد أن اكتشفنا مكيدة الإشارات.

وأنا أعدّ وجبة الغداء، أضع سماعات في أذني، أعيد قصيدة لوركا نفسها في كل مرة، (أوجع من مطر خفيف). اسمي يعني المطر الخفيف، تختلط عليّ الأمور، فأضيّع بين حياتي والقصيدة.

أعرّف مرة عن نفسي بأني "ساعة مجنونة تغني أوقاتاً قديمة ميتة"، يضحك السائل، أما أنا فأبكي دون أن يراني، كم من الصعب أن تشرح لأحد كيف تتوه امرأة داخل قصيدة، وكيف تموت قبل أن تجد المخرج وترجع لحياتها، امرأة في داخلها جثة.

أردّد العبارة ذاتها مرة أخرى بصوت عالٍ: "ساعة مجنونة تغني أوقاتاً قديمة ميتة". أحاول أن أبتلع دموعي، أفشل.  تسألني طفلتي: "ما الأمر؟". "أحرقت الشعيرية للمرة الثالثة". تبتسم طفلتي ساخرة، وتركض باتجاه أخيها: "أمي تبكي مجدّداً لأنها أحرقت الشعيرية".

أتمنى من كل قلبي ألّا تشبهني أبداً، وأتساءل هل كانت لتفهم لو أخبرتها أني أبكي لأني أردت دائماً أن أكون تلك المرأة التي لا يفهم أحد عطر زهر الماغنوليا الداكنة في أحشائها، ولكني صرت الساعة المجنونة التي تغني أوقاتاً ميتة.

في الليل، وقبل النوم، وربما كمحاولة للشرح أحكي لطفليّ قصصاً تنتصر بها الضفادع والغيلان والقرود على الأميرات والأمراء، أحكي لهم عن الأحدب وأجعله البطل، وعن فتاة تضيع في القصور، وتنجو في الغابة، وعن صديقة البطلة لا البطلة ذاتها. نضحك معاً، نضحك على العالم المجنون وعلى الذئاب وليلى وجدتها وأمّها، وما إن يغفوا، أبكي، فجثة الطفلة داخلي تغلبني دائماً.

وجدت نفسي في عالم الكبار فجأة، أحدهم زجّ بي داخله دون أن أنتبه، وقتل الدهشة من عيون طفولتي، فكنت مجبرة أن أكبر، وأن أنسى نوم الأطفال الرحيم وأحلامهم الناعمة، وأن أحمل جثة الطفلة التي كنتها للأبد.

في الأيام القاسية تحدثني من خلف المرآة، فنبكي معاً، أشفق عليها وأخرجها، أربت على كتفها، أسرّح شعرها الطويل، أقلم أظافرها، وأهديها العناق الذي كانت تحتاجه لتبقى حيّة، ثم أعيدها لمكانها بكل هدوء دون أن أنظر في عينيها، ودون أن أخبرها كما تمنيت أن تعيش أكثر، وكم أرهقني غيابها مبكراً، وكيف جعل مني امرأة بطفولة أقصر من الجميع، وها أنا أشيخ قبل أن أصل إلى الخامسة والثلاثين، وأفقد أي رغبة بمعرفة المزيد حول أي شيء، فكل ما يحيط بي فقد سحره مبكراً، وصار دون أي معنى، وكأني داخل متاهة ولا أكترث للخروج، فأنا أينما ذهبت أحمل جدراني معي، كخطة استباقية للتغلب على الرغبة بالحياة.

ليتني أعرف كيف أشرح لهم جميعاً، قسوة الألم الذي يأتيك من الداخل دون أن يرتبط بأي حدث خارجي، وليتني أستطيع أن أخرج لهم الجثث التي تسكنني واحدة تلو أخرى... مجاز

*****

" تؤلمني الحياة"، أدوّنها في كل مكان وأتدرب سراً على قولها بصوت عالٍ، لكل من يحتج على حزني.

ليتني أعلم كيف أقولها، دون أن أنكمش على نفسي كدودة خائفة، ودون أن أشوّه القشرة الخارجية للوحة، وأصنع فجوةً في جدار العائلة.

يستطيع الجميع أن يروا الحياة الجميلة والمنزل الجميل والعائلة الجميلة، والأصدقاء الرائعين، ولكن لن يستطيع أحد أن يرى الريش المكوم في زوايا الأمس، ولا الندوب على أعضائك الداخلية، ولا الكلمات التي ما زالت عالقة في حلقك، لم تجرؤ مرة أن تقلها، لذلك أنت تتألم.

ليتني أعرف كيف أشرح لهم جميعاً، قسوة الألم الذي يأتيك من الداخل دون أن يرتبط بأي حدث خارجي، وليتني أستطيع أن أخرج لهم الجثث التي تسكنني واحدة تلو أخرى، وأحكي لهم قصصهم جميعاً، ليتني أستطيع أن أتحرّر من كوني مقبرة، وأصير لو لمرة امرأة حرّة، لا يتسمّر جسدها وينسحب من الحياة كقطعة خشب مبللة عندما تجرب أن تداويه بالرقص.

ربما، لا شيء يحدث هنا معي الآن ولا شيء مهماً حدث في الماضي، وهذا بالضبط ما يرهقني، فأنا لا أتوقف لحظة عن ملاحظة الأشياء التي لا تحدث والانحناء لها.

كم تمنيتَ مرّة أن تعجز عن حل الأحجية؟

وكم تمنيت مرة أن تقطع يديك قبل أن ترمي الفكرة الأخيرة في البحر؟

ماذا بعد؟

وها أنت قد اكتشفت خدعة النوافذ واخترت بنفسك الجدران.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

بالوصول إلى الذين لا يتفقون/ ن معنا، تكمن قوّتنا الفعليّة

مبدأ التحرر من الأفكار التقليدية، يرتكز على إشراك الجميع في عملية صنع التغيير. وما من طريقةٍ أفضل لنشر هذه القيم غير أن نُظهر للناس كيف بإمكان الاحترام والتسامح والحرية والانفتاح، تحسين حياتهم/ نّ.

من هنا ينبثق رصيف22، من منبع المهمّات الصعبة وعدم المساومة على قيمنا.

Website by WhiteBeard