شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ساهم/ ي في صياغة المستقبل!
باشلار يُخرج صوتاً من أنفه

باشلار يُخرج صوتاً من أنفه

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مجاز نحن والتنوّع

السبت 27 يناير 202411:17 ص



قرأت مرة عن اليأس أنه مرض الذات، وأن له صوراً ثلاث: أن تكون لاواعياً بأن لك ذات، ألا تريد أن تكون ذاتك، أن تريد أن تكون ذاتك مهما كان الثمن.

وأنا واجهت اليأس مباشرة في أحد مولات القاهرة، على هيئة شجرة كريسماس لا يكفي وصفها بالكبيرة. تتوسّط ساحة المول. فكرت أني لا أستطيع مواجهة تلك الشجرة بمعناها الاحتفالي، وأن حجمها مرعب حقيقة، مثل الدمية التي تضحك في أفلام الرعب. هي مجرد دمية، لكنها في فيلم رعب، لذلك لابد وأن تكون مخيفة.

الخوف في نهاية عام قد يكون منطقياً لحسابات كثيرة مستهلكة، مثل عدم إنجاز شيء يذكر في السنة المنقضية، ومخاوف أخرى كالتقدم في العمر، استدعاء لأحداث ندرك فجأة أنه مرّ عليها أربع سنوات كاملة (الكوڤيد). لكن الخوف من شجرة لم يكن مبرّراً ولا منطقياً بالنسبة لي.

الخوف في نهاية عام قد يكون منطقياً لحسابات كثيرة مستهلكة، مثل عدم إنجاز شيء يذكر في السنة المنقضية، ومخاوف أخرى كالتقدم في العمر... مجاز

عن الخوف في حالته السائلة تلك يتسرّب لكل نواحي حياتنا اليومية وتفاصيلها البسيطة، كل المحاولات لتأمين أنفسنا من هذا الخوف لا تزيدنا إلا فزعاً، ويتعاظم شعورنا بالهلع الذي لا يمكن إدارته ولا التحكم فيه. لذلك يوصف الخوف الآن بالسيولة، لأنه متواصل ومنتشر. وعند الحديث عن الحداثة وتحريرها للإنسان من أنماط معتادة كنا بحاجه لتجاوزها، لابد من النظر لتحرّر الخوف أيضاً الذي صار يجري كالماء في كل نواحي حياتنا اليومية وصار كل شيء موضعاً له.

"دع هذا الظلام يكن برج ناقوس"

أمام مقر عملي عمارة كبيرة، كبيرة جداً لأنها تتوسط بيوتاً جميلة من أربع أو خمس طوابق. في البداية كنت أصفها بالمزعجة، لكن الآن أرى أنها مخيفة.

ثمة قصيدة لريلكه يقول فيها: دع هذا الظلام يكن برج ناقوس. وهذا الظلام قد صار برجاً بالفعل، برجاً من ثلاثة وعشرين طابقاً، لابد أن أُرجع رأسي 180 درجة للوراء كي أرى نهايته. ثمة تحد ما في المباني العالية كتلك. إيقاع مكسور يُسبب ألماً في أسفل معدتي. هو ليس صرحاً حربياً، ولا مسجداً أُموياً. فقط بناء للسُكنى. ثلاثة وعشرون طابقاً لا تُنير العتمة كبرج ناقوس، لكنها كافية تماماً للقفز من أحد نوافذها مع شعور مؤكد بالموت.

"إذا نظرنا إليه بألفة، يصبح أبأس بيت جميل"

أتذكر بيت جدتي البسيط. في طفولتي كنت أراه جميلاً دون أسباب واضحة، مازال أليفاً لكن ليس كالسابق. لي ذكريات فيه مثل توزيع الإضاءة، والباحة التي أمامه… أراه الآن يقف محاولاً الصمود أمام التغيرات الخارجية. فشل في البقاء تماماً، لكنه أصبح كشاهد على مرحلة جميلة. أفكر لو بيننا شعراء قدامى، لأصابهم الصرع من فرط المحتوى المعروض أمامهم؛ مليون بيت قابلين لأن يوصفوا كمليون طلل. هذا ما يراه باشلار عن البيت والألفة التي تنمو تجاهه، ليس لشيء بالمكان، بل لعين أخرى مُغايرة أليفة نرى الأشياء من حولنا بها. لا أرى وصفة باشلار تلك قابلة للتطبيق الآن، أو على أماكن كتلك التي تحيط بنا. خصوصاً أن كل التغيرات صارت خارجة عن إرادتنا، نقف فقط كمعاينين لهدم عظيم.

اتبع باشلار المنهج الظاهراتي في جماليات المكان، وكان يرى أن المكان كفضاء لا قيمة له، وإنما تأتي قيمته من نشاط الإنسان فيه وارتباطه به. والبيت مثلاً ليس فضاء هندسياً ذا أبعاد فيزيائية فحسب. لكنه المأوى الذي يمنحنا الإحساس بالألفة.

كيف تنمو ألفة بيننا وبين شيء بهذا القبح؟ أفكر في كيف يتشكل وعي جيلي بالمدينة، وهي تبدو وكأنها خرجت من حرب لتوها. نصفها مبانٍ شاهقة، والنصف الآخر بيوت نصف مهدومة لتُفسح الطريق؟

من في أول عشرينياتهم الآن، عاصروا تغيرات سريعة بشكل مخيف في مدة زمنية قصيرة. حتى أن مفهوم المكان أصبح ملتبساً، إذ عند ذكر المكان لابد من تحديد شيء فيه، شيء على الأغلب سيكون أصابهُ خلل حضاري -بهدف التطوير طبعاً- أثناء حديثنا عنه. أغلب تصوراتي عن كيف كانت تلك البقعة، أخذتها من الأفلام والصور والحكايات عنها. أفهم ما يقوله الكبار عن تجوالهم في شوارع منطقة ما ووصفها كأن أعينهم كاميرة فيديو. لن أقدر على أن أفعل مثلهم بعد عشرين عام مثلاً.

عندما قُرّر بأن يوحَّد لون البنايات على الطريق الرئيسي لمنطقتي السكنية، كنوع من التطوير الجمالي، تم دَهن جميع البنايات باللون الكاكي.

وأسأل، كيف تنمو ألفة بين إنسان ما واللون الكاكي؟

"لو كان هذا الشارع لي"

الرغبة في أن تتلاشى أمام شيء هائل، الشعور بالتصاغر كلما رأيت شيئاً يُوصف بأنه الأكبر من نوعه؛ أكبر مطار، أكبر مدينة ترفيهية، أكبر حديقة، حتى الحدائق لم تُغفل في عملية التكبير تلك. أحاول كبح نفسي عن القول بأن وراء من يحبون ذلك المصطلح هوس جنسي ما.

هذا الولع بالخطاب والمبالغة له معنى بالتأكيد، خصوصاً فيما يخص العمارة. المعمار يمكن أن يستدل به على الوجود، في مجال أوسع يمكن استدعاء عمارة الكون وإعجازيته. وفي صورته الأصغر نرى محاولات الإنسان البائسة أحياناً في أن يحاكي جمالاً ما. والجمال لكي يُدرَك لابد له من مُدرِك. إذن فالمقصود ببناء جميل أن يراه إنسان ويستمتع به في هذه الحالة، كون الإنسان هو الغاية، لابد أن تستبعد مفردات كأكبر وأضخم واستبدالها بمفردات أخرى تتعلق بجودة الحياة. أي تؤدي دورها ببساطة.

الرغبة في أن تتلاشى أمام شيء هائل، الشعور بالتصاغر كلما رأيت شيئاً يُوصف بأنه الأكبر من نوعه؛ أكبر مطار، أكبر مدينة ترفيهية، أكبر حديقة، حتى الحدائق لم تُغفل في عملية التكبير تلك... مجاز

الحقيقة أن كل محاولة لجعل المدينة تبدو رومانسية، تكاد تكون بائسة الآن، ويحل محلها شعور بالترقب والقلق.

"كل منّا يبحث فقط عن لحنه"

تنظر الفتاة في أحد الأفلام إلى المبنى أمامها، وترد راسمة خطوط طولية وعرضية بيديها مشيرة إلى خطوط وهمية: "إنه فقط يساعدني، كيف أن وسط كل تلك الفوضى، هناك هذا". تردّ على صديقها بعد أن سألها عن سر ولعها بهذا المبنى بالذات.

يُحيلني هذا إلى عدة أفكار قد تبدو غير مترابطة، مثل الشعور بأن ثمة مكان يمكن أن تجلس أمامه وتصفه بأنه مريح أو يُنقذك أحياناً، أن تسير في شارع ما، ليس لهدفٍ سوى المشي، وتشعر بأنك تمتلك المكان، وقادر على استعادته من الذاكرة فيما بعد، لأن رابطاً ما امتد بينكم. وأفكر كيف أن الأماكن القبيحة كانت تعني شيئاً مختلفاً فيما قبل، وأن الجمال المستعاد دائماً أجمل، إن كان ثمة جمال من الأساس.

يحكي محمد شكري أنه في التسعينيات زاره مترجم "الخبز الحافي" لليبانية، والذي يخبره أنه توقف بعد ثلاثين صفحة من الترجمة، وفضّل أن يعاين الأماكن التي جرت فيها الأحداث لتكون الترجمة أفضل وأدق. يبدؤون بالصهريج، وبعد أن أخذ العديد من الصور يقول لشكري مبتسماً: "في كتابك تصف هذا الصهريج، وما حوله، بكثير من الجمال، مع أنه ليس كذلك، ولا يدل على أنه كان جميلاً".

ليرد عليه شكري بنفس الابتسامة: "إن هذا الصهريج انطبع في ذهن طفولتي جميلاً، ولا بد من أن أستعيده بنفس الانطباع حتى ولو كان بركة من الوحل".

والآن بينما أُفكر في نهاية للنص، أسمع موسيقى تأتي من أحد المقاهي البعيدة غالباً، آخذة في الخفوت تدريجياً. ولا أعرف لماذا تذكرت أنطونيوس الذي قبل سقوط الإسكندرية ومقتله، سمع موسيقى تتلاشى في المدينة.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel

نرفض أن نكون نسخاً مكررةً ومتشابهة. مجتمعاتنا فسيفسائية وتحتضن جماعات كثيرةً متنوّعةً إثنياً ولغوياً ودينياً، ناهيك عن التنوّعات الكثيرة داخل كل واحدة من هذه الجماعات، ولذلك لا سبيل إلى الاستقرار من دون الانطلاق من احترام كل الثقافات والخصوصيات وتقبّل الآخر كما هو! لا تكونوا مجرد زوّار عاديين، وانزلوا عن الرصيف معنا، بل قودوا مسيرتنا/ رحلتنا في إحداث الفرق. اكتبوا قصصكم، فكل تجربة جديرة بأن تُروى. أخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا.

Website by WhiteBeard