شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

انضمّ/ ي إلى ناسك!

"كارنيه الكريدي"، فيلم إباحي للفقر

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مجاز نحن والفئات المهمشة

السبت 13 يناير 202412:07 م




يسأل راسكولينكوف نفسه في بداية رواية "الجريمة والعقاب": "هل أنا قملة أم رجل عظيم؟". إنه مجرد شخصية روائية طبعاً، وإذا كنا نورد اسمه هنا فذلك محض احترام لدستويفسكي، الرجل المؤمن، القلق، الشجاع، الذي يملأه الظلام المألوف لروح تفكر.

تصنع الأسئلة في القلب بعض الفجوات السيئة، أكون القملة أو أكون من يَسْحَقُ القمل ويعلو، ولكن ذلك ما يقوده إلى مصيره السيئ بالنهاية. تلك المخلفات الاعتيادية للفقر، أو ذلك الضباب الذي يلقيه أمامك فيحجب الطريق والاحتمالات التي توشك أن تظهر.

ما الذي قد يفعلونه بنا وهم يضحكون؟

يكتب خوسيه ساراماغو أيضا مشهداً سريالياً تقريباً من حياة الفقراء في رواية "ثورة الأرض"، حيث يتعارك الأب وابنه لتسلية الجنود الذين يهددونهما بالسجن والضرب، بعد أن أمسكا بهما وهما يسرقان بعض الثمار للأكل. يبدأ العراك على استحياء شديد، ثم ينمو من تلقاء نفسه كأي نزاع عادي لغريمين، وسط ضحك الحراس المستمتعين، ويكتشف الوالد وابنه خلال ذلك بأن كلاهما يبكي.

كيف تبدو مشاعر الفقراء؟ يمكن أن يسلي هذا من يحب اللهو بألعاب علم النفس قليلاً: الابن الذي يَجِبُ أن يقتل والده كي يحيا؛ غير أن هذه حكاية عن القهر، حيث لا يمكن أحياناً أن يحيا لا الابن ولا والده.

قال كاتب مغربي مؤخراً لجمهور من المستمعين، إن "للفقر أبعاداً جمالية أيضاً". كانت الغرفة مكيفة وكنا نصغي إليه باحترام تام، وعندها أطلق جملته الزئبقية، قفز الضباب إلى رأسي وأنا أرى مجموعة من الحضور وهم يومئون برؤوسهم مع تعابير حكمة بالغة... مجاز

قال لي س: كانوا يطلبون منا أن نبات الليلة وقوفاً على قدم واحدة، وكانوا يحلقون رؤوسنا بشكل مضحك قبل مغادرة مخفر الشرطة. لقد كان الرجل عامل بناء مياوم في مدينة سبتة المحتلة خلال الثمانينيات حينها، وكان يتسلل إليها كما غيره عن طريق الجبال والغابات، أما سوء الحظ فكان الظهور المفاجئ لرجال الشرطة. والآن فلننظر إلى ملامح الرجل السبعيني وهو يحكي لي القصة محرجاً ويكاد يضحك. ابك يا سيدي، ابك حتى لا يبدو الوضع أسوأ.

فيلم إباحي للفقر

في فترة ما، كان الرجل قد غدا عنيفاً جداً. لم يقل لي ذلك بنفسه، وربما لم يكن يعي الأمر أصلاً. أظهر لي ابنه آثاراً قديمة لإبزيم حزام على جسده، وكان يريد بذلك أن يجعلني أفهم عمق أساه الشخصي: "كان أبي يدخل إلى البيت كعاصفة"، غير أنه كان قملة في مكان آخر طبعاً، وكانوا أحياناً ما يجبرونه على مجاراتهم في الضحك من شعره المحلوق أمام المرآة، مع أن ذلك لم يحدث إلا مرات قليلة جداً كما أخبرني هو بنفسه: مجرد تربية لنا، وكان الرجال يصمدون.

هللويا إذن، ها هو ظهور ساطع لأخلاقيات الفقراء مرة أخرى، ذلك العالم الذي كتب عنه الكثيرون وصوروه تصويراً "فاضحاً" ومستفيضاً، اعتبره المؤرخ البريطاني تيم هيتشكوك، مثل "فيلم إباحي للفقر".

كتب تشارلز ديكنز رائعته "أوليفر تويست" خلال القرن التاسع عشر، وقدم لنا أغلب الصور النمطية للفقر التي تم تناولها في الأدب فيما بعد؛ الطفل الجائع بضراوة والضواحي المتوحشة الآثمة، ثم تلتها أعمال حزينة شهيرة أخرى خلال تلك الأزمنة التي كان الكتاب الواقعيون فيها يسجلون دقائق الملحوظات وهم يتجولون في الحارات والشوارع الخلفية الضيقة.

إن هذا يبدو كاستغلال للفقر تقريباً، ولكن لا ضير؛ يتحمل الفقراء كل شيء بشكل رائع عادة كما يحملون النظام العالمي الجديد كمصطبة قوية لا تئن، أما ظهورهم المُنفر، فأمر يمكن تجنبه بالالتفات الحساس واللبق إلى الناحية الأخرى.

 قال كاتب مغربي مؤخراً لجمهور من المستمعين، إن "للفقر أبعاداً جمالية أيضاً". كانت الغرفة مكيفة وكنا نصغي إليه باحترام تام، وعندها أطلق جملته الزئبقية، قفز الضباب إلى رأسي وأنا أرى مجموعة من الحضور وهم يومئون برؤوسهم مع تعابير حكمة بالغة. يمكن للناس أن يسايروك حتى وأنت تشطح بخيالك، إذا كنت رجلاً ذا منصب طبعاً. أما في طريقي إلى البيت فقد استمعت إلى صوت محمد رويشة الأمازيغي، في أغنية " إيناس إيناس"، وصنعت الموسيقى الوترية التراثية حالة جديدة من التوازن والفهم في رأسي. كان الصوت الشجي يردّد بهدوء واستسلام كل مرة:

ماذا سيفعل من لا يجد ما يمنحه لأحبابه؟

قل له، قل له!

لم ينقص من كبرياء المرء سوى جيبه الفارغ

وظهرت عندها أمام عيني صورة س مجدداً وهو يحكي لي عن ماضيه ويحاول أن يضحك.

كارنيه الكريدي 

كان الجانب الأسوأ من طفولة أبناء الرجل هو " كارنيه الكريدي"، دفتر الدين الذي كانوا يحملونه كل مرة كصخرة سيزيف إلى محلات البقالة. حكى لي صديقي عن لحظات الانتظار الطويلة تلك في الدكاكين ولم يكن يبتسم. كان البائع يتجنب وجوده لفترة وهو يخدم الزبائن الذين يدفعون مباشرة أو ينقدونه ماله بانتظام على الأقل. أحياناً كان يصرفه وأحياناً كان يتدخل برحمة من نوع ما: ثلاث كيلوغرامات من الطحين كثير جداً؟ لماذا تأكلون كل هذا؟ تأخذ كيلوغراماً ونصفاً وفيها البركة. وشامبو أيضا! لا ينقصكم سوى الشامبو.

لقد كان هذا الكلام يُقال بصوت عال جداً، وكان الزبناء يسمعونه بوضوح وقد يجودون بإضافاتهم هم أيضاً، أما في المنزل، فكان الطفل يعاقب أحياناً لأنه لم يأت بالمطلوب كله: كنا أطفالاً كثيرين للغاية، وكان ثمة دائماً حَمْل جديد ينتظر.

صاح به والده وهو يطرده من البيت العائلي: هل تريدون أن تطبخوا العالم في مقلاة؟ وبدا الأمر شِعْرِياً تماماً للابن... مجاز

حدث عندها تقريباً أن بدأ يشعر بأنه قملة. لم يكن قد قرأ أدباً بعد، ولكن الشعور بالضآلة كان يلازمه حتى فيما بعد كنوبات قاهرة قد تستمر لساعات، ويحس حينها بأنه يجب أن يجد أي حفرة حتى يختبئ، أما في الجامعة فقد قرّر أن يظهر فجأة كنجم ملتهب.

كان يلتهب من الداخل فعلاً لأشياء كثيرة جداً، إلا أنه قد نظم غضبه قليلاً حالَ أن شرع يقرأ. يحمل كتباً من المكتبة تحت إبطه دائماً، ويطيل لحيته قليلاً ويفكر باعتيادية في أمور كثيرة جداً. جريمة البطل وتلك النهاية المثالية لرواية "الجريمة والعقاب" مثلاً، وذلك الظهور الشفاف للمومس السليمة الطوية التي "من كان منا بلا خطيئة فليرمها بحجر".

يكون المرء فقيراً وقد رأى صنوف الشقاء، ويكون عليه بالنهاية أن يتطهر في ثلوج سيبريا و"يجد الخلاص" مرة أخرى عن طريق الألم. إن هذه مازوشية تقريباً، عدا عن أن قمل المجتمع لا يفكرون بقتل أحد غالباً. تأتي احتجاجات حراك شعبي بعدها، وينضم إليها صديقي بكل عواطفه وذهنه المتقد، ولكن ليس ليثبت لنفسه بأنه "رجل استثنائي" أبداً، إذ إن الانصهار في الجموع هو ما يدفئ قلبه.

إن الكثير من الأمور الاعتيادية تحدث عندها: الخوف والترهيب وزيارة أعوان السلطة إلى المنازل حتى يكيلوا النصائح للآباء بشأن أبنائهم المارقين، وحينها يظهر صراع الأب والابن في الأجواء مرة أخرى، وكذلك ربما صورة الجنود الذين يضحكون. صاح به والده وهو يطرده من البيت العائلي: هل تريدون أن تطبخوا العالم في مقلاة؟ وبدا الأمر شِعْرِياً تماماً للابن، حتى وهو يجيبه ببضع كلمات غير مهذبة ويجمع أغراضه القليلة في حقيبة ظهره ثم يصفق الباب خلفه.

إن هذه مآلات ممكنة دائماً. قال لي س بعد أن اعتقلوا ابنه وتلقى حكماً بالسجن لسنوات طويلة:  بالنسبة لي، كنت أعلم أن هذا بالضبط ما سيحدث.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

بالوصول إلى الذين لا يتفقون/ ن معنا، تكمن قوّتنا الفعليّة

مبدأ التحرر من الأفكار التقليدية، يرتكز على إشراك الجميع في عملية صنع التغيير. وما من طريقةٍ أفضل لنشر هذه القيم غير أن نُظهر للناس كيف بإمكان الاحترام والتسامح والحرية والانفتاح، تحسين حياتهم/ نّ.

من هنا ينبثق رصيف22، من منبع المهمّات الصعبة وعدم المساومة على قيمنا.

Website by WhiteBeard