شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اترك/ ي بصمَتك!

"خسيس شرير همجي"... صورة العربي في إمبراطورية هوليوود

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

ثقافة نحن والتنوّع نحن والحقيقة

السبت 20 يناير 202412:03 م
Read in English:

The savage, evil, barbarian: Arabs in Hollywood

لا يزال العدوان الإسرائيلي على غزة، يطرح أسئلته السياسية والفكرية العميقة التي يبدو أنها ستتواصل لسنواتٍ عديدة. من ضمن هذه الأسئلة الصورة المتخيلة للشرق عموماً والعرب على وجه الخصوص لدى الغرب.

في مقالة بعنوان "غزة ونهاية الخيال الغربي"، نشرتها صحيفة التايم الأمريكية، للكاتب برونو ماسايس، بتاريخ 10 كانون الثاني/يناير الجاري، يقف برونو، الوزير السابق للشؤون الأوروبية في البرتغال، على تخوم السياسة والثقافة، ويمد بينهما حبل الخيال الغربي الإجرامي، وعبر قراءة تحليلية للواقع الدموي الذي يُباد فيه الفلسطينيون في قطاع غزة، يُمزق الكاتب هذا الحبل، ويستهزئ بالخيال الغربي (السياسي والثقافي)، تجاه العرب والشرق عموماً، ويقول بشكلٍ قاطع: انتهى.

ثمة سؤال يطرح نفسه: ما هو هذا الخيال الغربي؟ وما هي خطورته على العرب؟ حتى نُجيب عن هذا السؤال، لا بد أن نعود إلى بدايات نشوء وبلورة فكرة "الآخر"؛ قبل تَشّكُل القارة الأوروبية لم يكن هناك "آخر"، بالمعنى المتعارف الآن، لكن صنّاع الفكر الغربيين، رأوا بحسب تعبير إدوارد سعيد، "أن الثقافة الغربية ستكتسب المزيد من القوة ووضوح الهوية بوضع نفسها موضع التضاد مع العرب والشرق". وكان الآخر العربي على وجه التحديد هو من وقع عليه الاختيار.

رصد الناقد السينمائي، جاك شاهين، كيف أن أكثر من نصف الأفلام التي صورت الفلسطينيين عُرضت خلال حقبتي الثمانينيات والتسعينيات، لكنه يستنكر ويدين بشدة الصورة الزائفة التي صنعتها هوليوود للفلسطيني على وجه التحديد

وإذا كانت قوة الغرب مقترنةً بعلاقة تصادمية مع هذا الآخر، فإن من مصلحتها إضعافه، ثم استعماره، وتشويهه وتزييف تاريخه ومعتقداته، ثم تجريده من إنسانيته، وعند هذا الحد سيكون هناك مسوغٌ لعملية قتله، وإبادته.

لعب الخيال الغربي دوراً شيطانياً في عملية التشويه والتزييف التي طالت الإنسان العربي، وكذلك الثقافة العربية بمكوناتها كلها. في المقال السابق، تناولنا عملية التزييف التي لحقت بالتاريخ العربي والفلسطيني في الرواية الأمريكية المعاصرة، واستعرضنا الدور الملعون للآلة الدعائية والثقافية الأمريكية في ترسيخ الصورة النمطية السلبية للعرب في العقل الجمعي الغربي، وحيث أن "هوليوود" قلبت هذه الآلة، ولعبت الدور الأخطر في ترسيخ هذه الصورة المريعة عن العرب، رأينا أن نتناول في هذا المقال صورة العرب في السينما الأمريكية، كي نرى بوضوح كيف ذُبح العرب من جميع الجهات، عبر الخيال الغربي.

جاك شاهين (1935-2017)، ناقد سينمائي أمريكي من أصول عربية، تجول وعاش لسنوات في أكثر من 15 مدينةً عربيةً، عبر منحة كان قد حصل عليها، وفي طريق عودته إلى أمريكا، كان -حسب ما روى- يشعر بالظلم الرهيب الذي وقع على هؤلاء العرب المسالمين الذين كان في ضيافتهم قبل ساعات عدة، "هؤلاء العرب اللطفاء المسالمون، كيف حولتهم السينما الأمريكية إلى مجموعة من الهمج القتلة المتوحشين؟". وهنا بدأت فكرة مشروعه الموسوعي "العرب الأشرار في السينما الأمريكية" تتبلور.

صدرت الترجمة العربية لموسوعة جاك، في جزأين عن المركز القومي للترجمة في القاهرة. وقد قضى جاك سنوات عديدةً من حياته في إتمامها، حيث عكف على نقد وتحليل ما يزيد عن 900 فيلم أمريكي منذ عصر السينما الصامتة وحتى عصر الأفلام التي تعتمد على أعقد التقنيات، ومن بين هذا العدد الهائل، لم يجد المؤلف إلا اثني عشر فيلماً تقدّم صورةً إيجابيةً للشخصية العربية، بينما قدمت البقية الكاسحة صورةً شديدة السلبية والوحشية والعدوانية باعتبار العربي مصدراً للتهديد، مكشراً عن أنيابه على الدوام. لذلك فإنه يستحق القتل بلا شفقة ولا رحمة.

من هو العربي الذي قدّمته هوليوود؟

يقول جاك شاهين، إنه منذ بدأت كاميرات السينما في الدوران وحتى اليوم، وَصَم المخرجون على نحو جماعي كل العرب بتهمة العداء للجماهير وبأنهم متوحشون، لا قلوب لهم، وهمجيون، ومتعصبون دينياً، ومهووسون بالأموال. وعلى المستوى الثقافي يُمثلون الآخر الذي دأب على إرهاب الغربيين المتحضرين، خصوصاً المسيحيين واليهود. وعلى الرغم من أمور كثيرة جرت منذ العام 1896، من حروب وسقوط دول بأكملها وصعودها، وكذلك المنجزات الحضارية الخاصة بالحريات وحقوق الإنسان، إلا أن -بحسب جاك- "العرب طوال هذه المراحل جالوا وصالوا فوق الشاشة الفضية بحثاً عن فريسة وحتى يومنا هذا ما زالوا منفرين وغير مشرفين، مثلما كانوا إلى الأبد".

ويتتبع الناقد السينمائي، بدايات عملية التنميط وصناعة هذه الصورة الزائفة عن العرب، حيث يرى أن المخرجين الأمريكيين لم يصنعوا بأنفسهم الصورة النمطية للإنسان العربي وإنما ورثوها عن الأوروبيين الذين كانوا أول من نشروا الصور الكاريكاتورية للعرب. يقول: "في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ساعد الكتاب والفنانون الأوروبيون على اختزال المنطقة العربية إلى مجرد مستعمرة، فقدموا عبر أعمالهم صوراً للصحاري الفاصلة المهجورة المليئة بالفساد والأسواق العامة القذرة التي يسكنها الآخر ثقافياً، وذلك الإنسان العربي الكسول ذا اللحية والهمجي. وكذلك حشد هؤلاء الكتاب في حكاياتهم النمطية، صوراً من الباعة الغشاشين والفتيات اللواتي تم اصطيادهن في أسواق العبيد". هذا التصوير الخرافي للغرباء البرابرة الذين يقمعون الصبايا الحِسان في عالم الحريم -كما يقول جاك- تلقاه الناس كصور حقيقية وصحيحة، حتى أصبحت هذه الصور محفورةً في العقلية الغربية وراسخةً في الثقافة الشعبية الأوروبية.

لعب الخيال الغربي دوراً شيطانياً في عملية التشويه والتزييف التي طالت الإنسان العربي، وكذلك الثقافة العربية بمكوناتها كلها.

ويعرّج الكاتب على التأثير الهائل لحكايات "ألف ليلة وليلة"، على الرؤية الغربية تجاه العرب، وعلى المفاهيم الغربية بشكلٍ عام؛ ففي عام 1979، كانت هذه الحكايات قد تُرجمت إلى عدد من اللغات يفوق أي كتاب آخر ما عدا الإنجيل، ولم يتوقف تأثير الليالي العربية على الرؤية فقط، بل إنها قد أشعلت الخيال الغربي تجاه العرب حد الشطط، وعبر ذلك تمت فبركة الكثير من الصور والحكايات.

وفي السنوات العشر الأولى من القرن العشرين -بحسب شاهين- كان صنّاع الصور المتحركة مثل الفرنسي جورج ميليس، يُقدّم صور الراقصات من الحريم ومن العرب بأشكالٍ قبيحة، وكان العرب يظهرون في هذه الصور الأسطورية وهم يمتطون الجمال ويلوحون بالسيوف المعقوفة ويقتلون بعضهم بعضاً، بينما يسيل لعابهم على البطلات الأوروبيات ويهجرون نساءهم. "في شريط ميليس (ليالي القصور العربية 1905)، تطل الفتيات الصغيرات الجميلات الخانعات وهن يُرفهن عن الملك الجشع ذي اللحية السوداء، وعلى مقربة منهن يقف الحراس وهم يُمسكون بمراوح عملاقة من الريش لتلطيف الجو من حوله".

يُشير جاك إلى تيمات عدة تعتمد عليها الأفلام الأمريكية في تصوير الشخصيات العربية؛ بالإضافة إلى الصورة الرديئة الهمجية التي يظهر عليها الإنسان العربي في عمل سينمائي أمريكي، فهو لا بد أن يُقتل في النهاية باعتباره شريراً وغير آدمي ومن ثم يستحق القتل على يد الإنسان الغربي النبيل حارس الحضارة والبشرية من هؤلاء العرب الهمج، وإذا كان ثمة شيخ في الفيلم، فلا بد أن يسيل لعابه على النساء الغربيات، وهو دائماً كسول، يُنفق أمواله من أجل متعته سواء كانت امرأةً غربيةً يريدها، أو رجلاً يُريد قتله.

يُشير جاك شاهين إلى تيمات عدة تعتمد عليها الأفلام الأمريكية في تصوير الشخصيات العربية؛ بالإضافة إلى الصورة الرديئة الهمجية التي يظهر عليها الإنسان العربي في عمل سينمائي أمريكي، فهو لا بد أن يُقتل في النهاية باعتباره شريراً وغير آدمي 

أما النساء العربيات فيظهرن وقد تعرضن للإهانة أو مصابات بالمس الشيطاني والانتهاك الجنسي وقد ظهرن بهذه الصورة في أكثر من خمسين فيلماً روائياً طويلاً بحسب موسوعة الكاتب، ستة عشر فيلماً من هذه الأفلام تضم نساءً نصف عربيات أو نساء من العبيد لا ينطقن. وغالباً وربما دائماً لا تتزوج العربية من الغربي بل إنه لا يُعانقها سوى في عدد قليل جداً من الأفلام السينمائية، ويقول الكاتب هنا: "يبدو أن زواج سيدة عربية من رجل غربي من محرمات هوليوود. فلم يحدث ذلك إلا في عدد قليل جداً من الأفلام".

صورة الفلسطيني

رصد جاك شاهين، كيف أن أكثر من نصف الأفلام التي صورت الفلسطينيين عُرضت خلال حقبتي الثمانينيات والتسعينيات، لكنه يستنكر ويدين بشدة الصورة الزائفة التي صنعتها هوليوود للفلسطيني على وجه التحديد. من خلال مشاهدته وتحليله لعدد كبير من هذه الأعمال، رأى أن أفلام هوليوود التي تناولت الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، غاب عنها تصوير الدراما الإنسانية التي تظهر الفلسطينيين باعتبارهم أناساً عاديين، مشيراً إلى أنه لم يحدث أبداً أن قدّمت السينما الفلسطينيين باعتبارهم ضحايا أبرياء للقمع الإسرائيلي الوحشي، كما لم يحدث أبداً أن أظهرت المستوطنيين وهم يقتلعون بيارات الزيتون ويقتلون ببنادقهم المدنيين الفلسطينيين في المدن الفلسطينية، وكذلك لم تُصوّر هذه الأفلام العائلات الفلسطينية وهي تُقاتل من أجل البقاء تحت نير الاحتلال أو وهي تعيش في معسكرات اللاجئين، وتُناضل من أجل أن يكون لها وطن وجوازات سفر تحمل اسم فلسطين.

وذكر الناقد السينمائي أنه بعد سنة واحدة من قيام دولة إسرائيل، ظهر فيلم "السيف والصحراء"، ويُقدّم فلسطين حسب الشعار الصهيوني الشائع بوصفها أرضاً بلا شعب على الرغم من أن غالبية من كانوا يعيشون فوق أرض فلسطين وقتذاك هم في الواقع فلسطينيون. وهذه الأسطورة التي تروّج لمقولة: "لا يوجد فلسطينيون يعيشون في فلسطين"، وجدت تكريساً لها في فيلمين: "سقوط الظل العملاق"، و"جوديث" 1966.

ووفقاً لموسوعة جاك، هناك سبعة أفلام من بينها: "أكاذيب حقيقية" و"مطلوب حياً وميتاً"، تعرض الفلسطينيين بوصفهم إرهابيين يستخدمون غازات الأعصاب. وفي أكثر من 11 فيلماً منها: "شارع هافامون"، و"رعب في بيفرلي هيلز"، و"موعد مع الموت"، يقوم الفلسطينيون -حسب السيناريو الملعون- بإيذاء وتعذيب الأطفال والنساء الغربيين.

وبعد مشاهدته لكل هذا الزيف والعُهر، يطرح جاك سؤالاً استنكارياً: هل يوجد قانون غير مكتوب ينص على أن تُقدّم هوليوود الفلسطينيين بوصفهم أناساً غير عقلانيين وأشراراً، وكل الإسرائيليين باعتبارهم عقلاء وأخياراً؟ ثمة أسئلة استنكارية لا حصر لها نودّ أن نطرحها حول هذا الكذب والضلال، وتزييف الحقائق، وشيطنة الضحية، وإنصاف المجرم، لكن الإبادة الجماعية للفلسطينيين في قطاع غزة، تكفي لإنهاء أي حديث، وهي قطعاً ليست إجابةً. 

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

منبر الشجعان والشجاعات

تكثُر التابوهات التي حُيِّدت جانباً في عالمنا العربي، ومُنعنا طويلاً من تناولها. هذا الواقع هو الذي جعل أصوات كثرٍ منّا، تتهاوى على حافّة اليأس.

هنا تأتي مهمّة رصيف22، التّي نحملها في قلوبنا ونأخذها على عاتقنا، وهي التشكيك في المفاهيم المتهالكة، وإبراز التناقضات التي تكمن في صلبها، ومشاركة تجارب الشجعان والشجاعات، وتخبّطاتهم/ نّ، ورحلة سعيهم/ نّ إلى تغيير النمط السائد والفاسد أحياناً.

علّنا نجعل الملايين يرون عوالمهم/ نّ ونضالاتهم/ نّ وحيواتهم/ نّ، تنبض في صميم أعمالنا، ويشعرون بأنّنا منبرٌ لصوتهم/ نّ المسموع، برغم أنف الذين يحاولون قمعه.

Website by WhiteBeard