شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اشترك/ ي وشارك/ ي!
كيف ضاع صوت:

كيف ضاع صوت: "بس أنا ما عملت شي"، بين أصوات القنابل والموت

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مدونة نحن والطفولة

الأربعاء 17 يناير 202411:39 ص

عادت ابنتي من الروضة وعلى وجهها ملامح الانزعاج وقالت لي: "ماما اليوم عاقبتنا المس". فاجأتني عبارتها، فهي تتعارض تماماً مع سياسة الروضة التي حرصت على اختيارها بعناية. أخفيت استغرابي وسألتها ببرود عن السبب، فكان جوابها بأن طفلة من زميلاتها قد وضعت غرضها في غير مكانه، فقرّرت المعلمة الجديدة أن تعاقب الفصل كاملاً بحرمانه من قضاء الاستراحة في الملعب، والبقاء في الحجرة الصفية بدل ذلك.

كانت المعلمة حديثة العهد، وقد تربت كما تربينا في سوريا جميعاً على نهج تربوي قمعي، نهج يقطع إصبعاً كاملة لمجرد تشوّه في ظفرها، ويبتر ذراعاً بحالها لوأد خلل أصاب إصبعاً فيها.

لهذا السبب ربما تملكني غضب شديد، إذ كنت منذ صغري شديدة الحساسية لمفهوم العقاب الجماعي، العقاب على ذنوب لم أرتكبها، فأحرم بذلك لذة الخطيئة وأتحرّق فوقها في جهنم. لقد جربته مراراً في طفولتي، في البيت والمدرسة، ورغم كراهيتي الشديدة لهذا النوع من الظلم، أعترف بأنني أجد نفسي أتفوّه به دون أن أشعر، كنوع من الموروث المكتسب الذي دخل جيناتي، فأجد نفسي في لحظة غيظ من تصرف واحدة من البنات أقول لهما: "أنتما معاقبتان"، لترد البنت غير المذنبة تلقائياً: "ماما بس أنا ما عملت شي"، فأعي خطورة ما نطقته توّاً، وأفرح بالصوت الرافض لبطشي، ثم أتراجع عن مفهوم العقوبة بشكل كلي.

بالعودة لحادثة الروضة، فقد تحدثت في الأمر مع بعض الأمهات، كان رد إحداهن بأنني أبالغ في انزعاجي، وأن العقوبة طالما أنها كانت جماعية وليست موجهة لابنتي بشكل خاص فلا بأس. قالت لي: "لا تدجّنيها، دعيها تنمو كطير بري ". أردت أن أخبرها أن ما حدث عكس ما تقول، فالفطرة تقتضي رفض الظلم والتدجين هو من يعلمنا قبوله، ثم إن جميع أحداث الطفولة تنحت الصخر في وعي الصغار، وما حدث يؤدي لهم رسالة "من الطبيعي أن تعاقب على شيء لم تفعله".

تربينا في سوريا جميعاً على نهج تربوي قمعي، نهج يقطع إصبعاً كاملة لمجرد تشوّه في ظفرها، ويبتر ذراعاً بحالها لوأد خلل أصاب إصبعاً فيها

قرود المجتمع السوري

على مواقع الإنترنت يتم تناقل تجربة قام بها بعض العلماء الأمريكيين: قاموا بوضع خمسة قرود في قفص يتوسطه سلم يعلوه بعض الموز، وما إن يهمّ أحد القرود فطرياً لصعود السلم وأخذ الموز حتى ترشّ القرود جميعاً بالماء البارد. كرّرت عملية العقاب الجماعي المائي كلما حاول قرد اعتلاء السلم، إلى أن أصبحت القرود تنهال على من يحاول منها صعوده لتردعه وتحمي نفسها من مرشّات الماء. بعد ذلك بدأت عملية استبدال القرود تدريجياً، وعلى الفور يحاول القرد الجديد تسلق السلم واستحصال الموز، فيتلقى العض والضرب والردع من البقية دون أن يعرف السبب، ولكنه عند استبدال قرد ثانٍ يشارك زملاءه ضربه وردعه، وهكذا تبنت القردة الجديدة بانتهاء عملية الاستبدال هذا السلوك دون أن تدرك سببه.

لا يمكن إنكار نجاح تطبيق تجربة القرود على المجتمع السوري، وجدارة هذه التجربة في بثّ الرعب في نفوس السوريين، جرّب أن تتلفظ باسم عملة أجنبية مثلاً، سيلجم فمك كل من في المجلس، جرّب أن تتطاول على المقدسات أو أن تنتقد سياسة حكومية ما، ستجد أن رفاقك المتضرّرين مثلك وأكثر من كل ما سبق هم من يحولون إسكاتك، فنحن وعبر سنوات طويلة من القمع والعقوبات الجماعية تروّضنا جيداً جداً على إجهاض محاولات التعبير، وارتضاء الظلم مادام ليس موجهاً لنا بشكل فردي شخصي مباشر، ونحن مبتكرو مثل "حط راسك بين الرؤوس وقول يا قطاع الرؤوس".

منذ مدة ليست بالبعيدة، قرأت خبر اعتقال رجل طيب بسجلّ وطني "ناصع" في الشمال، والسبب أن رقم هاتفه كان في جهات اتصال شخص ثبتت عليه تهمة "خيانة وطنهم". الرجل يعمل صياد سمك، ولا ناقة له ولا جمل بالأوطان والخيانات، سوى أن من وُصف بالخائن قد طلب منه أكلة سمك طازجة من النهر الذي يصيد منه، قيل إن الرجل خرج من المعتقل يتلوّى كحنكليس، وقيل إن قائمة جهات الاتصال التي غابت بأكملها في بطن الحوت احتوت أرقام رجل دين وسبّاك وراعي غنم، كانت تهمتهم المُحكمة أن الخائن قد تواصل معهم في أمور لا تتعدى حدود وظائفهم. الرجال الأربعة كانوا عبرة لكل من سكن شمال النهر وجنوبه.

في السياق عينه، أتذكّر أنني منذ حوالي السنتين شاهدت مقطع فيديو لعلمية اعتقال في مدينة سورية، كما اتضح لي من لهجة السكان: توقفت فجأة سيارة كبيرة، نزل منها ثلاثة رجال، ألقوا القبض على شاب يسير بشكل طبيعي، عقدوا يديه خلف ظهره، أخذوا هاتفه وأغراضه، ثم قذفوه في مؤخرة السيارة وصعدوا إلى جانبه.

لم يستغرق الأمر عشرين ثانية! لم تكن هنالك أي دلالات تشير إلى هوية المعتقل والمعتقلين أو الجهة التي ينتمون إليها، قد يكون هذا الشاب مجرماً حقاً ومتفلتاً من يد العدالة، أو قد يكون قد تعرّض توّاً للاختطاف، ولكن الغريب أن أحداً في الشارع لم يعترض على الطريقة التي اعتُقل بها، أو سأل عن هوية المعتقلين الذين لم يقوموا بالتعريف عن أنفسهم كما في الأفلام الأجنبية: "الشرطة الفيدرالية، أنت موقوف"، لأننا جميعاً نعرف أن السائل أو المعترض ستكون له عقوبة الجاني عينها حتى لو لم يقترف ذنبه. الأدق رقبة كان أقوال المارة التي ملأت هواء الشارع: " أكيد عملتو كبيرة". أظننا قد تفوقنا على القردة.

بشكل عام، وليس في المشهد السوري فقط، أصبح العقاب الجماعي وسيلة لفرض السلطة الدينية أو السياسية، فأنا كسورية مثلاً كنت ضحية العديد من العقوبات الجماعية الاقتصادية والاجتماعية دون أن أشارك في اقتراف الذنب، أليس حرماني من دخول العديد من البلدان عقوبة على رصاص لم أطلقه شخصياً؟ أليس عيشي في الذل والغلاء عقاباً على حرب لم أشارك بها؟ ألن يتشفّى بي جيش السلفيين إذا ما وقعت في يده لمجرد أنني ابنة الساحل؟ إذا ما تأملنا قليلاً في حياتنا سنجد أن كل الأثمان التي ندفعها هي جزاء أخطاء لم نرتكبها، أما أخطاؤنا الحقيقية، فلسنا من يدفع ثمنها.

ثمة من نصّب نفسه متحدثاً باسم الجميع عنوة، فضاع صوت: "بس أنا ما عملت شي"، بين أصوات القنابل والموت

غزة محرقة جماعية

لا يمكن استثناء ما يحدث في غزة من مشهد العقاب الجماعي، وقد يكون هذا الكلام بالنسبة للبعض وهناً لعزيمة الأمة، ولكن إذا ما نظرنا قليلاً إلى آلاف البيوت المتهدمة والجثث المتفحمة، والتي رغم كل شيء يمد أصحابها أصابعهم بإشارات النصر، سنجد في العمق تحت الركام أسراً تبكي، عوائل كانت جلّ أحلامها بيوتاً دافئة وروائح طبيخ تفوح منها، وشجارات سطحية بين الأخوة على "ريموت" التلفزيون أو بسبب ضغط الدراسة.

بين هذا الركام رجل سقف أمنياته بيت نظيف وزوجة باسمة وطاولة يضع عليها موزاً اشتراه، وتحت هذا الركام امرأة كانت تفكر في اتباع حمية غذائية وحجز موعد لطلاء أظافرها، وأطفال يقرّرون نوع الحلوى الذي سينفقون لأجله "خرجية" الغد. هنا وهناك كان يوجد أناس جلّ أحلامهم أن تكون حياتهم بعيدة عن القضايا العميقة والوطنيات ونصرة الأديان والحق والباطل، وأن يكونوا في حياة مسطحة خارج معادلة النصر والهزيمة، خارج فاتورة المبادئ التي لم يرغبوا بشرائها، لكن ثمة من نصّب نفسه متحدثاً باسم الجميع عنوة، فضاع صوت: "بس أنا ما عملت شي"، بين أصوات القنابل والموت.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

منبر الشجعان والشجاعات

تكثُر التابوهات التي حُيِّدت جانباً في عالمنا العربي، ومُنعنا طويلاً من تناولها. هذا الواقع هو الذي جعل أصوات كثرٍ منّا، تتهاوى على حافّة اليأس.

هنا تأتي مهمّة رصيف22، التّي نحملها في قلوبنا ونأخذها على عاتقنا، وهي التشكيك في المفاهيم المتهالكة، وإبراز التناقضات التي تكمن في صلبها، ومشاركة تجارب الشجعان والشجاعات، وتخبّطاتهم/ نّ، ورحلة سعيهم/ نّ إلى تغيير النمط السائد والفاسد أحياناً.

علّنا نجعل الملايين يرون عوالمهم/ نّ ونضالاتهم/ نّ وحيواتهم/ نّ، تنبض في صميم أعمالنا، ويشعرون بأنّنا منبرٌ لصوتهم/ نّ المسموع، برغم أنف الذين يحاولون قمعه.

Website by WhiteBeard