شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ساهم/ ي في صياغة المستقبل!
على طريق اللؤلؤ والنفط… رياض نجيب الريّس في

على طريق اللؤلؤ والنفط… رياض نجيب الريّس في "الجانب الآخر للتاريخ"

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

رود تريب نحن والتاريخ

الأربعاء 17 يناير 202412:20 م

لكل رحلة حكاية جديرة بأن تُحفظ للآتي من الأيام. وقد أدرك الصحافي اللبناني رياض الريّس أهميّة تسجيل ملاحظاته وحكاياته، فالعمل الصحافي لا يخلو من متعة اختبار المخاطر، والقدرة على تطويع الظروف، وتجربة الحضور في قلب الحدث، لذا يفصح في مقدمة كتابه "الجانب الآخر للتاريخ" (557 صفحةً)، عن أنّه أراد أن يعيد ما عاشه وكتبه عن "عالم لن يتعرّف إليه اليوم مَن لم يسافر على طرقاته أمس"، وأن يروي أسفار صحافي على طرق العالم خلال نصف قرن؛ حيث "نكهة الاكتشاف ورهبة المغامرة".

نفهم من ملاحظته حين يميّز كتاب أسفاره بأنها أسفار صحافي في الحاضر، وليست رحلةً في الماضي، وأنّ الرحلة في جغرافية الأمكنة غير مفكوكة الارتباط عن تاريخها، بغية فهم حاضرها. ويشدّد على قارتي آسيا وإفريقيا، موضّحاً أنّه لا يمكننا تفسير ما يقع اليوم من أحداث في هاتين القارّتين ما لم نربطه مباشرةً بالتاريخ. لا يعني ذلك أنه لم يدوّن أسفاره إلى القارة الأوروبيّة، تحت عنوان: "طريق الغزاة والحرّيّة"، وإلى الهند الصينيّة، وحدود الصين، واضعاً عنواناً لها: "طريق الحرائق والحرير"؛ أو إلى مدن آسيا الوسطى والأندلس تحت مسمّى: "طريق المدائن والأساطير"؛ ولم يغفل القرن الإفريقي وشرق إفريقيا في "طريق التوابل والرقيق"؛ إنّما ما كان يشغل الكاتب العربي الزائر في القارتين المذكورتين، أنه لا بدّ له من أن يسبح "في بحرين: بحر العرب وبحر الإسلام" على حدّ تعبيره.

أسفار بين السياسة والسياحة

كانت مهمّة هذا الصحافي التنقّل من "لا مكان إلى كلّ مكان"؛ ويصدق القول حين يصف تنقلاته بين مدن تاريخيّة وأخرى خرافيّة، ووقوفه في ساحات ثورات مجهضة، ومروره بثكنات شهدت انقلابات فاشلةً؛ حيث "الرؤيا بالعين المجرّدة تفوق أيّة رؤيا"، والدول في دفتره وزّعها على مدن، خاصّةً في المناطق الملتهبة المنقسمة بحكم الواقع إلى مناطق نفوذ.

يفصح الصحافي اللبناني رياض الريّس في مقدمة كتابه "الجانب الآخر للتاريخ" عن أنّه أراد أن يعيد ما عاشه وكتبه عن "عالم لن يتعرّف إليه اليوم مَن لم يسافر على طرقاته أمس"، وأن يروي أسفار صحافي على طرق العالم خلال نصف قرن؛ حيث "نكهة الاكتشاف ورهبة المغامرة"

وقارئ تلك الصفحات سيتماهى مع كاتبها في التنقّل بين حديث صحافي في شؤون البلاد والعلاقات بين المدن في البلد الواحد، وبين انطباعات سائح عن مكان ما وساكنيه. ولعلّه سيتوقّف أمام بقاع من العالم العربي انغلق التاريخ عليها ونسيها الزمان، مثل مدن "حضرموت" في جنوب شبه الجزيرة العربيّة، وأخرى جمعت الأصالة والحداثة، ويعني "البحرين" قبل أن تصبح مملكةً في استقلالها عن بريطانيا، مروراً بمدن يمنيّة؛ وكان ذلك في ستّينيات القرن الماضي.

البحرين... وكان تشرين الثاني/نوفمبر من العام 1966

ما يدهش في وصف العراقة المتوثّبة بخطى متسارعة نحو المستقبل، قوله إنّ الناس ما عادوا ينتظرون استفاقة الزمن، بل قرّروا أن يوقظوه. ولا يعود الفضل في هذه اليقظة إلى النفط -وقود العصر- فحسب، إنما إلى ثروة المليون نخلة، وإلى العلم منذ دخول أول مدرسة في الخليج إلى البحرين. وإذ إنها أقدم دول الخليج في النفط والأسرع في الإفادة من مزاياه، كانت فيها المدارس، والمستشفيات، والطرق، والسيارات "أكثر من الناس فيها".

بين "المحرق" و"المنامة" جسر بين الجزيرتين أنسى صاحبنا الطرق المعبّدة، ولعلّ المقصود "جسر الشيخ حمد". أشبعت المنامة نَهمه إلى الراحة والصُحف، وأخبار العالم. كانت فائرة الحركة في شوارعها القديمة الضيّقة، وأسواقها العامرة، وكورنيشها البحري المنفتح على حدود ينسى معها مَن عاش في عالم مغلق، الضيقَ والاختناق. في ذلك الوقت كانت الأسواق والمقاهي مكتظّةً بالإنكليزيّات ذوات "الميني جوب". ويخبرنا بأنّه رأى هذه التنانير القصيرة في البحرين أكثر مما رأى منها في بيروت.

حين وصل إلى البحرين، كان الغطّاسون صيّادو اللؤلؤ قد قلّ عددهم؛ لمزاحمة اللؤلؤ الاصطناعي من اليابان. وكانوا في انتظار الموسم المقبل لصيد اللؤلؤ مع موجات المحار القادمة من الشواطئ البعيدة، في بداية الربيع. مراكب الصيّادين مراكب نخيل مجوّفة ذات أشرعة وقناديل زيت صغيرة معلّقة؛ وشباكهم تحمل أندر أسماك العالم. حين نزل في البحرين كان رياض الريّس هارباً من رعب الجنوب العربي، من محميّات بريطانيّة غشيتها النيران في عَدن، ولم يكن مطلبه سوى الهدوء والصحُف وأمان مفتوح على بحر جديد.

يخمّن الريّس أنّه أوّل من أجرى حديثاً صحافيّاً مع مسؤول بحريني تعليقاً على أحداث تلك المرحلة القلقة. قابل الشيخ محمد بن مبارك آل خليفة، وكان وقتذاك مدير دائرة الإعلام في حكومة البحرين (قبل الاستقلال)، وحمل معه انطباعات من عدن عن نوايا بريطانية بنقل قاعدتها العسكريّة إلى البحرين. فأنكر الشيخ ذلك، وأوضح طبيعة العلاقة بين الدولتين -بوصف دولته دولةً مستقلةً- بأنها قديمة وتتطوّر مع الزمن، وهي دفاعيّة وخارجيّة فحسب. وتحدّث عن الجو السياسي الخالي من التوتّر برغم وجود تيّارات حزبيّة بين الطلبة والأساتذة.

هذا الرجل الذي أصبح وزيراً للخارجيّة بعد الاستقلال في العام 1971، يحلو له أن يسمّي نفسه "بيروتياً" للسنوات الطويلة التي أمضاها في العاصمة اللبنانيّة، وهو يدرس في الجامعة الأمريكيّة. ويفصح عن عدم خشيته من خطر الهجرة الإيرانيّة، أو من الادّعاء بأنّ البحرين جزء من إيران، مستنداً في إجابته عن تساؤلات الصحافي، إلى منطق سياسي تاريخي لدحض منطق القوّة ذاك. فثمة تاريخ من الغزوات عاشته بلاده: من البرتغال والهند وإيران (في القرن السابع عشر) إلى بريطانيا؛ "وهذا لا يجعلها جزءاً من أيّ بلد من بلاد الغزاة". ويؤكّد دأب آل خليفة في الحفاظ على عروبة البحرين. ويلتقط رياض صورةً لبقايا القلعة البرتغاليّة بحجارتها الطينيّة (من القرن السادس عشر) على طرف البحر؛ والتي اتخذتها الحامية البحرينيّة من حرس السواحل مقرّاً لها. وليس بعيداً منها يربض جامع بناه الخليفة الأمويّ عمر بن عبد العزيز في المنامة.

دروب بين تعز وصنعاء وعدن (1966 و1967)... وأمين الريحاني

في تعز، تلك "المدينة المعلّقة على مدارج جبلين مزروعين قاتاً، والعاصمة الدبلوماسيّة لليمن منذ الإمام إلى ما بعد الثورة"، تذكّر الريّس، أمين الريحاني، فيلسوف الفريكة، في زيارته اليمن عام 1922، وكتابه "ملوك العرب" عن رحلته إلى شبه الجزيرة العربيّة. وإذ بين الرجلين "نصف قرن من الجمود، وكأنّ الزمن لا يتحرّك". وكانت في ما مضى تغطي جبل "صبر" أشجار البنّ، أما اليوم فعادة "التخزين" التي تعلن انتهاء وقت العمل ظهراً، فالغداء، ومن ثمّ مضغ القات، هي التي لفتت نظر صاحبنا، ناقلاً عن وزير الاقتصاد اليمني محمد سعيد العطار، قوله إنّ اليمن يضيّع 3 مليارات ساعة عمل في السنة الواحدة من جرّاء القات. لكنّ ما يلفت أيضاً هي حركة البناء التي تشغل الجميع، خاصةً المغتربين منهم.

أدهشته صنعاء، ولم يخفِ إعجابه بها حين كتب قائلاً: "كأنّها مدينة أسطوريّة لا يمكن أن تشاهدها إلا في رسوم الكتب القديمة المجنّحة. كانت أجمل المدن. كانت تستأهل طول السفر. كانت تستحقّ الانتصار في الحرب". المدينة وسط سهل محاط بأربعة جبال شاهقة، وقد انهار سورها الذي كان يفصلها عن الأرض الخضراء المحيطة بها، وتهدّمت أبوابها ليبقى الباب الوحيد لها هو الباب الحجري. أكملت الثورة اليمنية (1962) عامها الخامس. يصف أقدم المشاريع الصينيّة في البلاد، الطريق المعبّد بين الحديدة وصنعاء (1960)، وكان معجزةً في البناء، ينتهي بمعبد ومظلّة صينيّة (على نسق "الباغودا")، تحيةً للمهندس تشانغ تشي شوان الذي قضى في حادث قبيل إتمام المشروع. فضلاً عن مصنع النسيج تزيّن جدران قاعاته صور ماو تسي تونغ؛ حيث وجدت المرأة اليمنيّة دوراً بارزاً للعمل.

حديث الوحدة اليمنيّة سيطول، كما يسجّل الريّس، فالشمال مشغول بجمهوريّته وملكيّته، والجنوب مشغول بجبهته القوميّة وجبهة التحرير... والانفجار الجديد على الأبواب. ويحزن للفراغ الذي وجده في عدن، والحزن في الوجوه القليلة التي صادفها، في زمن حرج من الإرهاب والصراع على القوّة، وترقّب الاستقلال، وإغلاق قناة السويس التي حرمت مرفأ عدن من السفن. ويعود بنا إلى 128 سنةً خلت، عندما أعلنها الكابتن هاينز، باسم الملكة فكتوريا، جزءاً من الإمبراطورية البريطانية. وكانت بريطانيا خاتمة سلسلة المستعمرين من رومان وفرس وبرتغاليين وأتراك، تركوا قلاعاً متهدّمة شاهدةً على اندحارهم.

حضرموت... والسلطان الذي أغرقته الثورة وسبقه الغد

في وادي حضرموت، تتردّد أسماء مدن وقرى، نحو: سَيؤون، وتريم، والمكلا، وشيبام، وغُراف؛ والمهرة التي تحدّ مثلث حضرموت شرقاً. هو وادٍ "يمتدّ كنهر كبير بين ضفّتين من الجبال العالية المتقاربة". سيؤون في وسطه، تناساها التاريخ. وفي الجنوب تريم الكثيريّة، وإلى الشمال شيبام القعيطيّة، "كأنهما مدينتان خرافيّتان" وسط واحات النخيل، وناطحات سحاب من الطين. ما يلفت في سيؤون، النظافة والألوان والهندسة المحليّة، وتجارة بيع الصور الرائجة: "صور مجموعة من السلاطين ضاعت أسماؤهم في بطون التاريخ... ومعها صور لعبد الناصر وأيوب خان، وشاه إيران وفرح ديبا والملكة إليزابيت".

كانت مهمّة هذا الصحافي التنقّل من "لا مكان إلى كلّ مكان"؛ ويصدق القول حين يصف تنقلاته بين مدن تاريخيّة وأخرى خرافيّة، ووقوفه في ساحات ثورات مجهضة، ومروره بثكنات شهدت انقلابات فاشلةً

في بحث الصحافي في التاريخ، يعود إلى تأسيس الدولة الكثيريّة، والخلافات التي قسمت الدولة بين قعيطي وكثيري، والعلاقات التجاريّة والسياسيّة القديمة مع النظام في حيدر أباد الهنديّة، بوصفها وطنهم الثاني. فميل الحضارمة نحو اليمن ضعيف؛ إذ كان اتصالهم بالشرق الأقصى والهند والهند الصينيّة وإفريقيا الشرقية أقوى، فضلاً عن هجراتهم إلى بلاد الحجاز؛ فاكتسبوا عادات وطبائع مختلفةً تميّزهم. تاريخهم تاريخ هجرات وتجارة؛ لتدخل السياسة وتفسد: "وأصبح يهمّ الحضارمة التجّار أن يؤمّنوا مصالحهم ويرضوا الدول التي لهم تجارة فيها... فإذا أغضبوا السعوديّة يا ويلهم. وإذا أغضبوا إندونيسيا يا ويلهم، وإذا أغضبوا سنغفورة والملايو، فيا ويلهم أيضاً. إذاً، ليمشوا على الحبل بمهارة". لعلّ هذه الوضعيّة في إقامة التوازن السياسي-الاقتصادي تشبه وضعيّة اللبناني اليوم في الحفاظ على علاقاته ومصالحه شرقاً وغرباً.

وممّا يدعو للتأمّل، غنى جبال المهرة بالنفط، ما يفسّر حرص بريطانيا عليها. وغناها باللهجات والتنوّع الإثني. ثمة من يقول إنّ قبائل مهريّةً نزحت من الشاطئ السوري، ولغتها سريانية؛ وقبائل أخرى تعود أصولها إلى شرق إفريقيا، ولغتها أمهرية حبشية. ورأي آخر يقول إنّ لغة أهلها حميرية قديمة، يتخلّلها الكثير من المفردات العربيّة. أما تريم، مدينة الحدائق المسوّرة في "جو أرستوقراطي" بعيد عن التجارة والأسواق في المكلا، فتبهج فيها احتفالية صيد الغزلان بأهازيج الصيادين وإطلاق الرصاص ويدعو للعجب عدد المساجد الموازي لعدد أيام السنة، بوصفها نذوراً على أرواح الأغنياء: "كل يوم من أيام السنة له مسجد"؛ مع الرجاء بالبدء ببناء المدارس والمستشفيات.

من يعرف سلطان الدولة القعيطيّة قبل الاستقلال؟ قد يكون لقاء الصحافي به حين كان في سن الثامنة عشرة، وحيازة صورته الوحيدة التي ضمّها إلى مجموعة صور الكتاب علامتين على وجوده. وقد التقاه بعد زمن (1997) في لندن. القصر السلطاني يذكّر ببيت من البيوت الدمشقيّة العتيقة، أو الهنديّة المتداعية، على حد تعبير الريّس. ومرفأ المكلا يشبه "مرافئ القراصنة في القرن الثامن عشر". السلطان غالب بن عوض القعيطي ذو الملامح الهنديّة، بخليط ملابس متعدّدة الثقافات، الخجول والمستمع إلى إذاعة "صوت العرب"، والمحب لعبد الناصر -تماماً كحال الحضارمة-، طموحه أن يدرس في جامعة أوكسفورد، وأمله أن يغيّر من حال شعبه في سعيه إلى تأمين حياة كريمة له؛ فيكون سيداً على مقدراته وخيراته. لكنّ رياح الثورة لم تمهله، وجرفته إلى بلاد بعيدة.

وكانت مدن، ورحلات... وكانت أيّام.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

‎من يكتب تاريخنا؟

من يسيطر على ماضيه، هو الذي يقود الحاضر ويشكّل المستقبل. لبرهةٍ زمنيّة تمتد كتثاؤبٍ طويل، لم نكن نكتب تاريخنا بأيدينا، بل تمّت كتابته على يد من تغلّب علينا. تاريخٌ مُشوّه، حيك على قياس الحكّام والسّلطة.

وهنا يأتي دور رصيف22، لعكس الضرر الجسيم الذي أُلحق بثقافاتنا وذاكرتنا الجماعية، واسترجاع حقّنا المشروع في كتابة مستقبلنا ومستقبل منطقتنا العربية جمعاء.

Website by WhiteBeard