جئنا لننبهر بجمال الغزاة... رحلة أعيان اليمن إلى إسطنبول

الاثنين 6 ديسمبر 202105:48 م

عندما دانت كثير من البلاد العربية للعثمانيين، امتد نفوذهم حتى شمل بلاد اليمن، واستشرى فيها الفساد من قبِل الولاة والأمراء العثمانيين، مما أشعل الثورات في عدة أماكن، وأعلن الإمام اليمني آنذاك، يحيى بن محمد حميد الدين، الجهاد ضد الأتراك، فلم يكن أمام السلطان عبد الحميد الثاني سوى تغيير الوالي فيضي باشا، وإرسال حسين تحسين باشا بدلاً عنه. بعدها، طلب السلطان عبد الحميد، وفداً من كبار علماء اليمن وأعيانها للسفر إلى تركيا عام 1907 للتباحث فيما يصلح أحوال بلادهم.

تلك الرحلة كُتِب لها أن تعيش قروناً لأن أحد أفرادها كان هاوياً للتدوين، وهو محمد بن حسين بن علي بن الحسين بن يحيى غمضان الكبسي، فدّون كل مراحلها بإيجاز شديد.

كادت يوميات محمد بن الحسين غمضان أن تندثر، لولا أن أعادها مركز ارتياد الآفاق، ودار السويدي للنشر والتوزيع، إلى النور مُجدداً عام 2006، في كتاب بعنوان "رحلة أعيان اليمن"، بتحقيق وتقديم عبد الله محمد الحبشي، وحسني محمد ذياب.

غمضا الكبسي

ولد محمد بن حسين بن علي بن الحسين بن يحيى بن أحمد، الملقب بغضمان، عام 1277هـ. أخذ العلم عن والده، وعن رئيس العلماء السيد أحمد بن محمد الكبسي، والسيد زيد بن أحمد الكبسي، والقاضي محمد بن أحمد العراسي، وغيرهم من علماء اليمن في القرن الرابع عشر الهجري.

يروي مُحققا كتاب "رحلة أعيان اليمن" أن غضان درس الفقه، وتولى خلال أيام الحكم العثماني لليمن نظارة الأوقاف، وبقي في منصبه حتى عام 1325هـ.

عُيّن قاضياً لأول مرة في ذمار، ثم في ريمه، وفي سنة 1343هـ، عُيّن حاكماً للواء الحديدة، ثم لحكومة سنجان، وتوفي في شهر ذي القعدة من عام 1358هـ، وحينها رثاه القاضي عبد الكريم بن أحمد مطهر بأبيات شعر، قال فيها: "هي المنايا إذا جاءت فعقبان/تصيد والصيد أحباب وخلان/يا حادث الدهر قد أوجعت أفئدة/وصِلتَ صَولةِ قرن وهو غضبان/وجئت بالمعضل المبكي فما رقأت/منا العيون وهذا الدمع غدران/ والطرف ما زاره غمض الجفون على كرب/وبقد مات طرف الفضل غمضان".

انتخاب وفد الأعيان للسفر

تم انتخاب الوفد اليمني للسفر إلى إسطنبول، فوقع الاختيار على "ذوات معلومين من مركز الولاية"، بحسب تعبير غمضان الكبسي، والذين وصل عددهم نحو ثلاثين رجلاً أو يزيد، من بينهم الكبسي، الذي آثر تدوين الرحلة منذ مهدها وصولاً لما رآه هناك في إسطنبول.

ما إن وصل الرحالة غمضان الكبسي برفقة الوفد إلى إسطنبول، أو كما أسماها "دار السعادة"، حتى بهرته أضواؤها، وشكلها الحضاري

لم يُطل غمضان الكبسي في وصف كواليس الرحلة قبل الوصول إلى إسطنبول، كونه يقسم كتابته في شكل عناوين فرعية، تحت كل منها بضعة أسطر شارحة، يعيبها كثرة الألفاظ الغريبة، التي لولا الهوامش التي أعدّها مقدّما الكتاب ودار نشر السويدي ما كان القراء ليفهموا شيئاً، واختلط عليهم الكثير مما ورد بالكتاب.

يقول غمضان في بدايات الرحلة، إن الوفد توجه في البداية من صنعاء عن طريق "متنة"، و"مناخة" إلى الحديدة للاستعداد للذهاب إلى تركيا عن طريق البحر، يوم 6 من شهر ربيع الآخر 1325 هـ/1907م، وبعد أيام أقلّهم المركب البخاري إلى عاصمة الخلافة العثمانية، حيث توجه أولاً إلى السويس، وكانت الرحلة سهلة مواتية، كما يصفها، وتمر بهم السفينة من ميناء إلى ميناء، حتى وصولوا إلى موضع يسمى "شنق" فمكثوا برهة قبل أن يصلهم تجار من اليهود للبيع والشراء، ويشتري الوفد منهم بعض الأقمشة.

الانبهار بدولة الغزاة!

ما إن وصل الرحالة غمضان الكبسي برفقة الوفد إلى إسطنبول، أو كما أسماها "دار السعادة"، حتى بهرته أضواؤها، وشكلها الحضاري، فيصل انبهاره للدرجة التي يصف فيها دار الضيافة التي نزلوا بها، بقوله: "جعلوا لكل واحد منّا تك (مكان خاص للاستراحة) على حدته وجميع محتاجاته من الفراش وآلات الشرب والقناديل".

زار الكبسي ورفاقه من أعيان اليمن "دار المصورين"، والتي تعني المتحف العسكري، والتي فيها "صور العساكر الإنجليز الذين أفناهم السلطان محمود رحمه الله (يقصد السلطان محمود الأول الذي حكم سنة 1730 وتوفي سنة 1754)، فرأيناهم قائمين بذواتهم التي كأنهم على قيد الحياة باقية صورهم بدهان الزئبق، وكل ثلاثة أربعة مشعولين بما كانوا فيه أيام حياتهم، بعضهم ماسك السيف، وبعضهم بالخناجر، وبعضهم يضرب بالآلات الملاهي، وبعد أن تفرجنا عليهم وعلى تلك العجائب التي تهيل العقول، رجعنا إلى دار الضيافة".

اهتمام الوفد بزيارة معالم إسطنبول كاد أن يقضي على الهدف الرئيسي من الرحلة، وهو التباحث في شأن اليمن المشتعل بالثورة الرافضة لفساد الولاة والأمراء العثمانيين

ثم زاروا موضعاً يسمى "ظلة بعجه"، الذي شاهدوا فيه أنواع العجائب من المفروشات والقناديل المصنوعة من البلور والفضة وجميع المصورات في جدران هذا الموضع وهي مطلية بالذهب.

تكتمل دهشة الوفد ممثلة في كاتب الرحلة، بل يبلغ التعجب لديه منتهاه، عندما يقف على مستحدثات العصر من مصانع ومستشفيات ومساجد وحديقة الحيوان، وفي جميعها لا تخلو سطور تدوينه من انبهار تام.

الغرض من الرحلة... أخيراً!

اهتمام الوفد بزيارة معالم إسطنبول كاد أن يقضي على الهدف الرئيسي من الرحلة، وهو التباحث في شأن اليمن المشتعل بالثورة الرافضة لفساد الولاة والأمراء العثمانيين، لكن آن لغمضان الكبسي أخيراً أن يتحدث عن اليمن في نهاية الرحلة، حين قال: "وصل إلينا الفريق ثابت باشا، والفريق هادي باشا، وبلّغانا سلام حضرة الملك، وقالا: قد بلّغنا الملك جميع أحوال اليمن، وما بقي لزوم عليكم بعرضها"!

"مقصدنا من جلبكم من اليمن إلى هنا، أخذ تفصيلات عن أحوال هنالك، وبيان حُسن نياتنا الشاهانية لكم عن قرب"

الغريب أن الوفد لم يهتم بعرض ما جاءوا من أجله على السلطان العثماني، واكتفوا بما بُلّغوا به، رغم تبطينه بالتهديد، حين كلّفوهم بنصيحة الإمام الثائر في اليمن يحيى بن محمد حميد الدين، بالعدول عن قرار الجهاد الذي رفع لواءه قبل رحلة الوفد ببضعة أشهر، وكل ما فعله الوفد هو الرضوخ للفرمان العثماني، بقولهم: "سنبذل النصيحة"، ثم أخذوا "الإكراميات والنياشين، والهدايا والفرمانات"، بحسب تأكيد مدون رحلة الأعيان!

خطاب السلطان أم شراء الأعيان؟!

قبل ساعات من الرحيل، أتى الوفد أحد رجال السلطان محملاً بخطاب منه، يقول فيه: "مقصدنا من جلبكم من اليمن إلى هنا، أخذ تفصيلات عن أحوال هنالك، وبيان حُسن نياتنا الشاهانية لكم عن قرب، وبهذه الوسيلة أن نُظهر التفاتنا بحق تبعتنا الصادقة، فالبعض من أهل اليمن سلكوا طريق الشقاوة (يقصد يحيى بن محمد حميد الدين ومن معه من المجاهدين) ومن هذه الأخبار التي تأتي أتأثّر، وأتكدّر، وفي الواقع الذاهبون بهذه الطريق في حركتهم خروج وعصيان فتأديبهم يلزم على الوجه الشرعي والقانوني"!

ولم ينسَ السلطان في خطابه الإشارة إلى شرائه إياهم، بقوله: "النياشين التي أعطيت لكم، لأجل التذكار عن سياحتكم وعزيمتكم (...) وأعطيت لكل منكم ميدالية اللياقة الفضية، وأيضاً رُتّب وابور مخصوص لعودتكم، وإن شاء الله تصلون اليمن بالصحة والعافية، وتكون منكم التفهّمات حسب أملنا، انتهى.".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard