شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ادعم/ ي الصحافة الحرّة!
تقديس الموتى... من الشيعة والأئمة إلى السيدات الفرنسيات وفيكتور نوار

تقديس الموتى... من الشيعة والأئمة إلى السيدات الفرنسيات وفيكتور نوار

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

لطالما احترم الناس ذكرى موتاهم وخلّدوها بشكل أو بآخر، لكن هناك موتى يتمتعون باهتمام أكبر قياساً إلى سائر الموتى العاديين. فعلى سبيل المثال، الشيعة الاثنا عشرية يكنون احتراماً لا بل تقديساً خاصاً لأئمتهم، فتارةً يقدمون أضاحي ونذورات مختلفةً في مناسبات خاصة لهم، وتارةً أخرى يزورون مقاماتهم وأضرحتهم للتبرك والتشفّع عبر تقبيل الأضرحة الحديدية الذهبية تلك والتشبث بها.

وكما الحال عند الشيعة، هناك مقبرة في فرنسا تُسمّى "بير لاشيز"، تُدفن فيها شخصيات معروفة وفيها أعلام الفن والأدب والسياسية من فرنسا وجميع أنحاء العالم، ومن بين هذه المدافن يوجد قبر يحظى باهتمام أكبر عن سائر القبور، خاصةً من قبل السيدات الفرنسيات، هو قبر الصحافي الفرنسي فيكتور نوار. لكن ما هو القاسم المشترك بين تقديس الأئمة وذريتهم لدى الشيعة وقبر نوار لدى السيدات الفرنسيات؟

التقديس لدى الشيعة الاثني عشرية

قضية التقديس عند الشيعة الاثني عشرية، تبدأ من "المعصومين"، وهو لقب يُطلَق على أربعة عشر معصوماً في عقيدة الشيعة، هم الرسول الأكرم محمد وابنته السيدة فاطمة الزهراء والأئمة الاثنا عشر من نسل الإمام الأول علي بن أبي طالب والسيدة فاطمة، إذ يعتقد الشيعة بأنهم مكلّفون من الله بنشر تعاليم الإسلام، لذلك عصمهم الله من الذنوب والمعاصي، صغائرها وكبائرها، فلا يمكن أن يرتكبوا شيئاً من ذلك.

كما الحال عند الشيعة، هناك مقبرة في فرنسا تُسمّى "بير لاشيز"، تُدفن فيها شخصيات معروفة وفيها أعلام الفن والأدب والسياسية من فرنسا وجميع أنحاء العالم، ومن بين هذه المدافن هو قبر الصحافي الفرنسي فيكتور نوار

لم يقتصر موضوع التقديس على المعصومين الـ14، إذ بات الشيعة يحترمون ويقدسون نوعاً ما، كل من ينحدر من ذرية الأئمة المعصومين، حتى أصبحوا يقدّسون الأماكن والتربة وتقريباً كل شيء يرتبط بالأئمة، فعلى سبيل المثال: هناك أماكن مرّ بها الإمام الثامن علي بن موسى الرضا، في أثناء عبوره مدناً وقرى في إيران، ولغاية يومنا هذا يقدس الإيرانيون/ ات والشيعة هذه الأماكن ويزورونها للتبرك والتشفّع.

كما يعدّون التربة التي دُفن فيها هؤلاء المعصومون، مقدسةً كتربة مدن النجف وكربلاء في العراق، ومشهد في شمال شرق إيران، لذا يصنعون من ترابها ما يصلّون عليه ويقبّلونه تبرّكاً بالإمام المدفون في تلك الديار.

وبمرور الزمان وازدياد المناهج والمذاهب الشيعية، توسعت هذه المقدسات أيضاً، وأصبح الشيعة يقدسون كل شخص ينتمي إلى هؤلاء الأئمة المعصومين، من الذين هاجروا إلى إيران أو مرّوا منها لأسباب مختلفة، ومنهم من توفوا فيها، ولذلك تم بناء أضرحة ومقامات لهم في مختلف المدن والقرى الإيرانية، وتُعرف هذه الأماكن بمقامات أولاد الأئمة أو "إمام زاده" بالفارسية.

أولاد الأئمة وذريتهم في إيران

يعتقد الشيعة أن أولاد الأئمة هؤلاء لديهم قدرة خاصة، ولديهم معجزات منها شفاء المرضى، ويوجد العديد منهم في إيران وحتى في العراق، ويُعدّ السادات الموسويون والحسنيون من ذرية الأئمة في إيران. وقد ذكر مؤرخو الشيعة أسباباً عدة للهجرة الواسعة لأبناء أئمة الشيعة إلى إيران، أهمها:

1- الأمن الموجود في إيران بعد القرن الثاني الهجري، لبُعدها عن بغداد ودمشق.

2- شعبيتهم في صفوف الشعب الإيراني خاصةً في المناطق الشيعية، إذ كانت لديهم بيئة مناسبة لتعزيز ونشر المذهب الشيعي والفقه والقضايا الدينية.

3- تجنيد قوات للانتفاضة الزيدية العلوية.

مزارات شيعية

أدى وجود ذرية الأئمة والأماكن الدينية الأخرى في بعض الأحيان إلى إنشاء أو توسيع المدن أو القرى المحيطة بها، إلى درجة أن أسماء هذه المدن أو القرى قد تغيّرت وصارت تُعرف باسم الإمام أو ذريته هناك، وأبرز هذه المدن مدينة مشهد التي تغير اسمها من "سناباد" إلى اسمها الحالي "مشهد"، والذي يعني المكان الذي شهد وفاة أو شهادة علي بن موسى الرضا، كما أصبحت مدينة قم مهمةً وتوسعت، وذلك بعدما دُفنت أخت الإمام الثامن الرضا فيها وابنة الإمام السابع موسى الكاظم، السيدة فاطمة المعصومة.

وبحسب بعض الإحصائيات المنشورة، بلغ عدد المقابر والمقامات في إيران قبل انتصار الثورة الإسلامية 1،500 مقام، وازدادت بعد انتصار الثورة، أي خلال 30 عاماً من حكم الإسلاميين إيران وبحلول عام 2011، إلى 10،500 مقام، ولكن نحو 8،000 فقط من هؤلاء الأشخاص المدفونين لديهم وثائق وأنساب، تؤكد أنهم من سلالة الأئمة المعصومين.

تقديس السيدات الفرنسيات لقبر الصحافي

مثلما يقدس الشيعة هذه الأضرحة، هناك ثقافات وأديان تقدس أشياء وأماكن وأشخاصاً أيضاً، فعلى سبيل المثال: الهندوس يقدّسون البقرة وكل ما يخصها، والبوذيون يقدّسون تمثال بوذا، والسنة الشافعيين في مصر يقدّسون أضرحة اولياء الله الصالحيين، منها مقام السيدة زينب بنت الإمام علي بن أبي طالب ومقام الإمام الحسين، وفي أوروبا كذلك يوجد أشخاص يقدّسون أشياء عجيبةً، فالسيدات الفرنسيات يقدّسن تمثال الصحافي الفرنسي فيكتور نوار، الذي نصب على قبره، لكن من هو نوار وكيف أصبح تمثاله مقدساً؟

يعتقد الشيعة أن أولاد الأئمة هؤلاء لديهم قدرة خاصة، ولديهم معجزات منها شفاء المرضى، ويوجد العديد منهم في إيران وحتى في العراق، ويُعدّ السادات الموسويون والحسنيون من ذرية الأئمة في إيران

كان فيكتور نوار صحافياً سياسياً في القرن التاسع عشر، أطلق عليه بيير بونابرت النار في مبارزة ثنائية حدثت بينهما عام 1870، وبعد موته أصبح فيكتور رمزاً للظلم السياسي، ومن هذا المنطلق حضر جنازته الآلاف من الناس، واحتجوا على مقتله وكذلك على الظلم الذي كان سائداً في تلك الأيام في فرنسا.

بعد سنوات قليلة من وفاته، تم نقل رفات هذا الصحافي إلى مقبرة "بيرلاشيز" المشهورة في باريس، ونُصب على قبره تمثال تذكاري، نحته النّحات الفرنسي جول دالو، وهذا التمثال عبارة عن شاب وسيم، تم تصميمه وصنعه ليشبه تماماً فيكتور نوير لحظة وفاته، إذ كان يمسك بقبعته لحظتها، وهذا التمثال شبيه لنوار إلى درجة أنه نُحت بالتفاصيل الدقيقة، وعلى ما يبدو فإن قضيب نوار لحظة وفاته كان منتصباً، ودالو لم يخطئ هذا الأمر أيضاً، ونحت هذه الحالة لتكون واضحةً تماماً في التمثال.

تمثال فيكتور نوار

يُعدّ قبر فيكتور نوار أحد القبور التذكارية الأكثر شعبيةً في مقبرة "بيرلاشيز"، ولكن ليس بسبب رمزيته السياسية، بل لاعتقاد ساد على مر السنين بين الناس بأن هذا القبر رمز للخصوبة، كما أن هناك قصةً تُروى بين الناس، هي أنه إذا كانت أي شابة تريد العثور على حبيب وسيم، فعليها تقبيل هذا التمثال التذكاري من فمه، وإذا كانت ترغب سيدة ما في الحمل، فعليها أن تلمس قضيبه المنتصب.

وبحسب هذا الاعتقاد، فإن اللون الأخضر لبعض أجزاء هذا التمثال التذكاري قد فُقد بسبب لمسه من قبل العديد من الزوار وانكشف لونه البرونزي، كما يقال إنه تم تركيب حاجز زجاجي حول هذا القبر، ولكن تمت إزالته بسبب معارضة النساء واحتجاجهن.

يتوسل الناس بالأشياء الما ورائية لتحقيق أمنياتهم، فالبعض يدخل إلى هذا الأمر عن طريق الدين أو المذهب، وآخرون يدخلونه على أساس الروحانيات أو المعتقدات والأساطير، فهذه طبيعة الإنسان الذي يتوسل بكل شيء بغية تحقيق أمنياته وآماله.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

لا سلطان على الإنسان إلّا عقله

أُنزِلت الأديان رحمةً للعالمين، لكن هل كنّا نعلم أنّها ستُستعمل لمآرب متطرّفة لا تُشبه غايتها السامية؟ هل كنّا نعلم أنّها ستُستخدم ضدّنا، وعلينا، لتصبح خنجراً في الخاصرة، ليس بإمكاننا انتشاله كي لا يتفاقم نزفنا؟

بالإيمان الصوري، والتدين وجاهيّاً، والذكورية الصفيقة، والقداسة الموزعة "غبّ الطلب"؛ استعملت السلطات الدين، وسلّحته ضدّنا في العالم العربي، لتفريقنا، والسيطرة علينا وقمعنا.

"هذا ممنوعٌ وهذا مسموحٌ وذاك مرغوب، هذا حرامٌ وهذا حلال". لكن في رصيف22، شعارنا الوحيد هو "لا للعيش وفق تفسيرات الآخرين". 

Website by WhiteBeard