آلاف من أحفاد آل البيت ومزاراتهم في إيران... كيف أتوا؟ وكيف يزدادون؟

الأربعاء 15 يونيو 202204:15 م

في السابعة من عمري وبرفقة أفراد الأسرة، قادنا والدي إلى زيارة مرقد الإمام علي الرضا، أحد أهم المزارات المقدسة في إيران، بل أهمّها، قاطعين بذلك مسافة تمتد إلی 1600 كيلومتر راكبين عبر الحافلة من الأهواز. كثرة الزوّار الذين يتبركون بضريحه حالت دون زيارتنا، فقرّر الوالد علی أن يسلم أطفاله الأربعة إلی بَوّاب المزار، ويرفع كلّ  واحد منهم علی كتفيه مهما بلغ الأمر من صعوبة وسط تلك الزحمة، بغية الوصول لضريحه الذي تفوح منه رائحة زكية وزهور ملونة ويعلوه الذهب، وثمة قطعة قماش خضراء واقعة علی القبر ونقود لا تعدّ ولا تحصی، فلا زيارة تُقبل من أطفاله إلا بعد لمس الضريح وتقبيله والدعاء علی طريقة الكبار.

يتعلق الإيرانيون مثل غيرهم من شعوب المنطقة بمزارات الأولياء الصالحين، حيث تنتشر الأضرحة في أرجاء البلاد، ويقصدها الناس بغية التبرك وطلب الحاجة ورفع البلايا وتيسير الأمور وتحقيق الأمنيات، إذ تروی عن هذه القبور الكرامات وأفعال خارقة للعادة توصف بالمعجزات لا تختلف عن ما يُنسب للأنبياء.

تقول مؤسسة الأوقاف والشؤون الخيرية الإيرانية إن هناك 8167 ألف ضريح داخل البلاد؛ منهم النبي والولي والإمام والصحابي والعالم والشاعر والحاكم والسيّد، والأخير هو لقب يطلق علی أحفاد آل البيت وأئمة الشيعة الاثني عشر من ذكور وإناث، ويطلق عليهم في إيران "إمامْزاده" ما تعني ابن/ة الإمام.

 هجرة آل البيت إلی بلاد فارس

تكاد لا تخلو زاوية في إيران من الـ"إمامزادة"، فهذه المزارات منتشرة في أماكن كثيرة جداً من أوساط المدن إلى قمم التلال والجبال، وأخرى علی شواطئ البحار وضفاف الأنهار، وبعضها تحت الأرض؛ عالم متنوع من العناوين والألقاب لتشكل خريطة من مبان فاخرة وراقية مزينة بأجود أنواع البلاط والحجر والفضة وحتی الذهب.

تكاد لا تخلو زاوية في إيران من الـ"إمامزادة"، فهذه المزارات منتشرة في أماكن كثيرة جداً من أوساط المدن إلى قمم التلال والجبال، وأخرى علی شواطئ البحار وضفاف الأنهار، وبعضها تحت الأرض

دخل ذرية آل البيت بلاد فارس في مراحل متعددة من تاريخ الإسلام، أبرزها بعد واقعة كربلاء وقتل الإمام الحسين بن علي علی ید أعوان حكومة يزيد بن معاوية، حيث هرب بعض من بني هاشم نحو الأراضي الإيرانية، أما الفترة البارزة الأخری فكانت عند تولي الإمام علي الرضا ثامن أئمة الشيعة، ولايةَ العهد للخليفة العباسي المأمون، في مدينة مرْو عاصمة الخلافة الواقعة في إقليم خُراسان، شرقي إيران.

ويحظی أحفاد الأئمة الأحياء منهم والأموات والذين يحملون لقب "السیّد" بمكانة مرموقة لدی عموم الناس، وخاصة البسطاء منهم، تصل هذه المكانة حدّ التبرك بهم وبقبورهم، وطلب الدعوات منهم.

نموّ الأضرحة بنسبة سبعة أضعاف خلال أربعين سنة

زادت من ترسيخ هذه المعتقدات وثباتها والإيمان بها حكومة الصفويين قبل خمسمائة عام، عندما اتخذوا المذهب الشيعي مذهباً رسمياً للبلاد، إذ عملت الحكومة علی تشييد المراقد والقبب والمآذن والمنارات وتقديم النذورات ووقف الأراضي والأموال لصالحها. وروّج رجال الدين لمناقب وحسنات وثواب هذه الأعمال وزيارتها، مما دفع الجماهير بتقديم ممتلكاتهم للأضرحة وطلب البركة وشفاء المرضی وقضاء الأمنيات منها.

وهكذا برزت عبارة "الناس علی دين ملوكهم" في إيران. ومنذ ذلك الوقت إلى اليوم الذي مازال مذهب البلاد فيه هو المذهب الشيعي، تولي السلطات اهتمامها بهذه المزارات. أما خلال فترة نظام الجمهورية الإسلامية منذ 1979، فشهد تشييد الأضرحة نمواً غير مسبوق بلغ سبعة أضعاف مما كان عليه في فترة النظام السابق (البَهلَوي) وفق الإحصائيات المنتشرة في المواقع الإيرانية. فما كان معلناً عنه في تلك الحقبة الزمنية وجود 1500 مرقد، لكن هذا العدد يتجاوز اليوم 8 آلاف، حيث شيدت الحكومة وبعض من المحسنين والخيّرين مراقد لبعض من القبور التي كانت مهجورة قبل الثورة.

وبين الطقوس والعادات والمراسم التي تقام في هذه المزارات لإحياء ذكری أصحاب القبور أو لطلب الحاجات، راجت الكثیر من الخرافات وتبدلت بمرور الزمان لتصبح جزءاً من الثقافة العامة لا يحق لأحد المساس بها. كما شيدت بعض المزارات علی قبور "السادة" من بني هاشم لمطامع مالية. حيث بادرت مؤسسة الأوقاف والشؤون الخيرية بهدم بعض من هذه المراقد خلال السنوات الماضية.

تشييد المزارات تبذير أم ثقافة دينية؟

أراضٍ قيمة وبساتين شاسعة ومحلات تجارية متعددة وملايين الدولارات هي الثروة الطائلة للأضرحة. تأتي معظمها من هدایا الناس ونذوراتهم ومن أضخمها، مزار ثامن أئمة الشيعة الإمام علي الرضا المدفون في شمال شرقي إيران بمدينة مشهد، والذي يبلغ مليون متر مربع، وتختص به مؤسسة اقتصادية ضخمة تعمل في كافة الأصعدة من الأمور الثقافية حتى امتلاك المصانع.

حكومياً، تحدد السلطات ميزانية سنوية لمؤسسة الأوقاف والشؤون الخيرية لتولّيها الأضرحة، كما أن النشاط الاقتصادي التابع للمزارات معفي من دفع الضرائب.

يعتبر ناشطون في مجال الدراسات الدينية أن زيادة المزارات جاء استغلالاً لمشاعر الناس لهدف مادي، وهو علامة علی وجود الاعتقاد بالخرافات في المجتمع الإيراني، وقد جاء مخططاً من الدولة لتسليع الدين

ورغم الدعاية التي تروج لها السلفية في التنديد بجواز بناء القبب علی القبور، وبثّ الشبهات بين صفوف الشيعة عن فلسفة وجوب هذه المزارات كونها تعتبر شركاً، يبقی غالبية الشعب الإيراني متمسكاً بثقافته القديمة. ولكن العامل الاقتصادي استطاع بمفرده أن يهزّ ثقافة الشعب ومعتقداته، إذ زادت حدة الانتقادات خلال السنوات الأخيرة حول لزوم هذا التبذير والإسراف في تشييد المقابر وتوسعتها لتضم باحات وأروقة تتزين بأفضل الأحجار الكريمة والذهب والفضة.

مقبرة الخميني في طهران وخليفة بن زايد في أبوظبي

يطالب بعض رواد منصات التواصل الاجتماعي بصرف هذه الأموال علی الفقراء والمساكين بدل المساجد والمراقد، بينما ثمة من يردّ علی أن هذه الأمور تأتي لتعظيم شعائر الله التي أمر الله بها المسلمين في القرآن.

وبعد الانتقادات التي طالت مقبرة مؤسس نظام الجمهورية الإسلامية آية الله الخميني في طهران مقارنة بقبر الشيخ خليفة بن زايد الذي توفي في أيار/مايو المنصرم بأبوظبي، ردّ وزير الاتصالات الإيراني السابق محمد جواد جَهرُمي، في مقال يؤكد فيه أن بناء المزارات لتكريم الأموات کان ضمن الثقافة الإيرانية ما قبل الإسلام، والدليل علی ذلك مقبرة "كوروش الکبیر" أبرز ملوك الإمبراطورية الفارسية.

ويكمل جهرمي أن الرؤية الشيعية تری في تشييد المزارات موقعاً للتقرب إلی الله، فمزار الخميني يجب أن يقارن بجامع الشيخ زاید، وليس بقبر الشيخ خليفة، ویشير ردّ الوزیر إلی الآية القرآنية من سورة النور "فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ".


ويعتبر ناشطون في مجال الدراسات الدينية أن زيادة المزارات جاء استغلالاً لمشاعر الناس بهدف ماديّ، وهو علامة علی وجود الاعتقاد بالخرافات في المجتمع الإيراني، وقد جاء مخططاً من الدولة لتسليع الدين.

وعن مشروع التقديس المتواصل في نظام الثورة الإسلامية الإيرانية، يعتقد الباحث في شأن مناسك الشيعة، محسن حسام مَظاهري، بأنه يتم اليوم في إيران تشييد المزارات علی قبور شهداء الحرب العراقية الإيرانية أو شهداء إيران في مواجهة داعش في العراق أو سوريا والتبرك بهم كأوليآء الله الصالحين، كما يتم الترويج لقداسة تربة الجبهة الأمامية في حرب الخليج الأول في محافظة خوزستان المحاذية للعراق، ویزورها ملایین الإیرانیین علی نفقة الحكومة للتبرك بهم، وفق تعبيره.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard