شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ساهم/ ي في صياغة المستقبل!
في حديث هامشيّ عن شجر الليمون والتضحية وأشياء حتميّة مثلها

في حديث هامشيّ عن شجر الليمون والتضحية وأشياء حتميّة مثلها

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مدونة نحن والتنوّع

الخميس 4 يناير 202411:02 ص

لطالما أتقنتِ فنّ الاختزال. تتحفّظين، تقتضبين في إظهار انفعالاتك، ولوجهك تلك الخاصية التي تدعم هذا أكثر. لوجه كل إنسان، في حالة الاسترخاء التام، طابع ما. لاحظي مثلاً كيف توحي بعض الوجوه بالغرور، بعضها بالطيبة، اللؤم، الودّ، الحكمة، البله، القرف، الهمّ أو الإرهاق، لكنّ وجهك حالة مختلفة، فهو رديف للحياد. في دنيا الملامح المنحازة، عند إضافة طبعك في الاختصار التّعبيري إلى ملامح بهذا الحياد، تنتج هالة جليدية تضمِر خلفها براكين من العوالم المتفجّرة ما وراء ملامحك.

عند سؤالك عن رأيك بمدينتك الجديدة قبل ثلاثة أعوام، أجبتني بأنّ الأماكن كلها متفقة ضمنياً على إبقاء مسافة من الشكّ بينك وبينها. مزاجها أصفر كما ابتساماتها في استقبالك، تجاملك أحياناً بدفء طقسها، وتجافيك بدرجات الحرارة السالبة، حذراً من أن تتعلقي بها، في أحيان أخرى. إن هذا سوء الظن بعينه، فلو حازت الأماكن على مقدار ضئيل من البصيرة، لفهمتْ كم أن علاقتك بالمكان معطوبة، وكم شائكة هي نزعة الرحيل في داخلك. وقتها ما كانتْ لتتكبد عناء محاولة تنفيرك منها.

تمرّين أنت بالمدن طاعةً لما تتطلبه الحياة منك، لكنك تحافظين، احتراماً لتوجّسها من غريبة مثلك، على حيادك، فتبقين المسافة بينك وبين أهلها. لم تشتهي يوماً اقتناء تذكارات منها ولم تحرّك فيك شيئاً أبراج أو جسور أو أضواء. في كل مرة زرت بلداً انتهيتِ إلى لزومك الشوارع الحجرية الأعتق والأضيق فيها طيلة مدة بقائك، وكأنما تتحايلين بهذا على حنين الطفلة فيكِ إلى الشام القديمة. لا تنكري! في داخلك شخصيّة رومانسيّة تأبى الزوال.

اسمك قد انتقاك، وعندنا نحن الأكراد، أسماؤنا هوياتنا، هي صرخة أهالينا في ثورة الحق بالاعتراف والوجود، وهي تسبق صرختنا الأولى عند ولادتنا

"السّماء بنفس اللّونِ في كلِّ مكان" هو اسم معزوفة لـكيهان كلهور، يلمع لحنها في أذنك بإلحاح أينما توجهتِ، يذكّرك برفعِ بصرك، كي تختلسي صوراً للسماء بكاميرتك، علّك تلتمسين ألفةً في المكان. الصورة، اليقين أن عينيك لا تغشّانك، وأنه حقاً لا دخان ناتج عن قصف عشوائيّ أو إشارات استغاثة تختلج في الهواء.

"عزيزي كيهان، إن السماء ليست بنفس اللون في كل مكان، فسماء دمشق الأخيرة كانت تئنّ بعدما اغتصبتها غيمة قبيحة من الدخان والغبار الناتج عن قصف البساتين، وهي الصورة الأكثر حضوراً في ذاكرتي عنها. كيف لها إذن أن تشبه السماء هنا في شيء!"... تتمتمين بسخريتك المعهودة، ونضحك سوياً بشفاه ترتجف.

جدران غرفتك الحالية بيضاء مجرّدة، لكنّني أحب حبل الأضواء المعلق في سقفها. اعترفتِ لي أنه هديّة من صديقك. صديقك الذي فرشتِ شحوبك أمامه، من دخل حياتك بخفّةِ لحن. قلبه كان شبّاكاً مفتوحاً ووجهه يشبه ورق الخريف في ألوانه. في غرفته تغنّي الجدران، ياما غنّت لك بحنان، وقد كان كريماً بطبعه، يخلّف ضوءاً أينما حلّ، لهذا فرش سقف غرفتك بسماء تحضر نجومها، تهدهد من أجلك كلما صابتكِ وِحشة الأبيضِ، ثمّ رحل.

ما زالتْ أحلامكِ وكوابيسك تحدث في بيتكم الأول، بيت أمنياتك التي استحالت حسرات. في إحدى المرات رأيت نفسك واقفةً أمام المجلى في مطبخكم الضيق، تسحبين من صدرك، كما يُسحب سلك شائك، أفعى سوداء نحيلة جداً، جلدها تغطيه إبر صغيرة. تدمين يديك بينما رئتاك تتقطعان في الداخل من حركة السحب، إلا أنك لا تتوقفين، وحين تنتهين من مهمتك وأنفاسك تكاد تخبو، سرعان ما تتسلّل الأفعى مجدداً لتخترق جلدك ولحمك، ثم قفصك الصدري، حتى تستقرّ ما بين رئتيك. تلك الأفعى، مسّ يطلق عليه الطبيب النفسي اسم القلق.

في سبتمبر الماضي اجتزتِ خطّ ربع القرن، لكنّ اغترابك أكبر سناً منك بكثير، هو في عمر أجدادك. تشتمين الـ "ربع قرن" الزفت التي كنت تسمعينها سابقاً من الأكبر منك سناً. تقولين لي إنك، وبشكل رسميّ من سبتمبر، صار زمن الثورة من عمرك أطول من النّصف. اثنتا عشر عاماً ونصف عشتيها مع حدث الثورة واندلاع الحرب، اثنتا عشر عاماً ونصف قبلها من التمرين المتواصل على كتمان المعنى الحقيقي لاسمك، وتكرار كذبة أنه اسم لزهرة باللغة الكردية.

قد كان أهمّ درس لك في سنوات تعليمك الإلزامي هو أن أزمة الهوية تتربّص بالأقلية التي تنتمين إليها، وبالتالي فهي ستكون أزمتك حتماً. إن اسمك قد انتقاك، وعندنا نحن الأكراد، أسماؤنا هوياتنا، هي صرخة أهالينا في ثورة الحق بالاعتراف والوجود، وهي تسبق صرختنا الأولى عند ولادتنا. اسمك، إرثك من جراح شعبك الأول ونصيبك من صلابتهم، هو الميثاق الملزِم بشراكتك في ثورتهم.

إن الثورة فكرة والفكرة لا تموت! يموت أصحابها فقط إذن، هم وأطفال الحيّ يقتلون في نومهم على السطوح برصاصها الطائش المرتد، أو بصواريخها وقنابلها الذكية التي لا تفرّق بين لحم وحجر. تشعرين بالإعياء حينما تفكرين بأن فكرةً قد تتطلب تضحية أكثر من نصف مليون روح في حمّام دم طويل، ثم لا تتحقق، كما وقع في البلاد.

تشعلين فتيلة النقاش بسؤالك المعتاد عن معقولية شعورك بالخزي لتزعزع إيمانك بالفكرة… الفكرة التي انتهكت طفولتك وأنهتها دون حقّ. الفكرة الأشبه بالإنسان. الإنسان، الثورة البيولوجية، الفكرية، الأخلاقية، دوناً عن باقي الكائنات. الإنسان، أكثر الكائنات الحيّة فتكاً بما حوله ما إن تجرّد من أخلاقه.

كنتِ يافعة في بداية الأمر، لم تعايشيها إلّا من خلف الشاشة، بعد هذا لم تصيحي من منبرك في المهجر توعيةً بها، لم تكتبي منشورات عنها ولم توزعي اللايكات على منشورات من نوّه إليها، لم تشاركي صوراً تبكين فيها ضحاياها ولم تعلقي أعلامها على جدران غرفتك، لم تغني باسمها، ولم تميلي حتى بخصرك لأجلها.

لكن من أنت ومن أنا لنناقش الثورة/الفكرة أصلاً؟ تعلمين أن التوتر والخلاف الذي يتكرّر حول الفكرة وتحولاتها ومآلاتها صار ترفاً ما عاد بالإمكان تحمل تكلفته، فالخسارة أكبر مما كنا نملك بأية حال، وها نحن ما زلنا نقف تحت الصفر بين أنقاض الحربِ الناتجة عنها.

أهدتك العائلة في يوم عيد ميلادك شجيرة ليمون صغيرة، زرعتيها مكان قلبك، يتناوب على سقايتها أنت وكل من يحبك

لا لوم عليك، فأنت لم تختاري أن يحتل الخوف قلبك في المقام الأول، وقد ابتلعتِ من الألم أكثر من حصّتك في سكوت وتسليم، مع هذا أشاركك الحقيقة المرّة أنه في زمننا لا اعتراف بتضامن وآلام لا يجهر بها.

دعينا مِمّا لا حوْل لنا فيه! إنّ حديثاً بهذا الاضطرابِ يشعرك بالغثيان، وأنا أيضاً. حديث هامشيّ في واقع يختنق بالأحداث الهامشية، كاحتراق ورد المانوليا بأشعة الشمس كل ربيع. أنت لم تشهدي احتراق بتلات المانوليا في الربيع المنصرم، تقصدتِ تجنبها لأنك لم تكوني لتحتملي عبثية الألم الذي تعرّض نفسها له دون ندم، لم تكوني لتحتملي تضحية عقيمة منها كما في كل عام.

كم تمقتين تمجيد التضحية وحتميّتها! اشرحي لي إذن، كيف لمفردة قربان ألا تفارق لسانك في محادثة من تحبّين؟

تقيسين عمرك أنت بأساليب مختلفة في ذات الوقت، إحداها هي نسبةً لعدد سنوات الحرب وأخرى هي نسبةً لعمرك حين قمت بتشكيل أول رجل ثلج مع إخوتك (لأنها وللمرة الأولى في حياتك أثلجت ليومين متتاليين في دمشق)، أو مثلاً آخر مرّة ارتشفت فيها رحيق زهرة ياسمين قطفتيها من "حديقة البناية بالشام". في هذه الأيام تحسبين أنك لم تكبري في العام الماضي سوى بعدد نوبات الهلع التي تجاوزتيها لوحدك، بالإضافة إلى عدد المرات التي بكى أحدنا فيها لعجزه عن ردعِ النوبة عنك.

احتفلنا البارحة مع العائلة برأس السنة، أحكمنا إغلاق الأبواب والشبابيك ورفعنا صوت الأغاني عالياً حتى لا نستذكر الحرب على أصوات الألعاب النارية. رقص الصغار وشرب الكبار نخب الصحّة ومرور شبه العام على نجاتك من حادث سير جسيم. وقعت الحادثة بعد عدة أيام من رأس السنة الماضي، لمّا كنتِ على طريقك لاستلام بريد طال انتظاره. شرد قلبك من الاندفاع بينما كنت تقودين، فاتخذت المخرج الخاطئ، ولم تستعيدي تركيزك سوى بعد أن كنت في منتصف الطريق السريع، تتجهين عكس المسار المحدّد. جيش من العربات كان متجهاً إليك بأقصى سرعة وقد شلّ جسدك من هول المشهد. تلك اللحظة الممتدة بين دخول المسار الخاطئ وبين التفكير بما ينبغي فعله للنجاة، لحظة دامت عليك أكثر من سنتين بقليل، لم يحصل فيها لا اصطدام ولا نجاح في التحرك. علقتِ في زمن مترهل كأنك تعيشين إحدى كوابيسك التي تسقطين فيها من مكان شاهق العلوّ، تواصلين السقوط طويلاً، دون أن ترتطمي بالقاع.

لا لوم عليك، فأنت لم تختاري أن يحتل الخوف قلبك في المقام الأول، وقد ابتلعتِ من الألم أكثر من حصّتك في سكوت وتسليم

تلك اللحظات التي يتسنى لنا فيها مشاهدة الألم المسرع باتجاهنا، تمحي بمباغتتها وكثافتها كل خوف عرفناه من قبلها. إن تجاوزناها ونحن أحياء، نجونا من سطوة الزمن وتخلّصنا من لوثة الوهم، وإن كنا أكثر حظاً بقليل لتصالحنا مع من نحن عليه بكامل حطامنا.

تتذكرين شيئاً واحداً مما حصل: ظهرت أنا وأخريات من صديقاتك، فتحنا الباب وركضنا بك معنا حتى أدركنا الجانب الآخر من الطريق. في الواقع لم يكن أحد منا هناك، جِئنا إلى المستشفى بعد أن تمّ إعلامنا بالواقعة، لكنك تؤمنين أننا نحن من أنقذك، وأنا أصدّق بك.

أقنعك حبّنا أخيراً بلا جدوى حيادك العاطفي وباستحقاقك إفلات ما يتخبّط داخلك من هواجس. من حينها أذنتِ لشلالات دمعك بالانسكاب، غسلت بها رواسب أوجاع كادت تحول روحك لأرض بور.

إنّ التعرض للصدمات يبهت أصواتنا، وقد تحتاج علاجاً مكثفاً حتى تستعيد ألقها، لكنك منذ تمكّنت أخيراً من الكشف عن كدماتك حتى تداويها، والتصريح عن خيباتك ثمّ التخلّي عنها براحة ضمير، عاد صوتك إليك رحباً.

بعد الحادثة تبرعتِ بقلبك الصغير لإحدى الدراسات التي تعنى بفهم آلية عمل مركز الذاكرة في القلوب، ووقّعتِ عقداً تحملين أنتِ فيه المسؤولية في حال تم مسح الذاكرة عنه تماماً. بعد مرور عدة أشهر، أهدتك العائلة في يوم عيد ميلادك شجيرة ليمون صغيرة، زرعتيها مكان قلبك، يتناوب على سقايتها أنت وكل من يحبك.

قربان الليمون وعطره!

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

بالوصول إلى الذين لا يتفقون/ ن معنا، تكمن قوّتنا الفعليّة

مبدأ التحرر من الأفكار التقليدية، يرتكز على إشراك الجميع في عملية صنع التغيير. وما من طريقةٍ أفضل لنشر هذه القيم غير أن نُظهر للناس كيف بإمكان الاحترام والتسامح والحرية والانفتاح، تحسين حياتهم/ نّ.

من هنا ينبثق رصيف22، من منبع المهمّات الصعبة وعدم المساومة على قيمنا.

Website by WhiteBeard