شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ساهم/ ي في صياغة المستقبل!
الفصل بين الجنسين في الكنائس المصرية… هل يتناقض مع الإيمان المسيحي؟

الفصل بين الجنسين في الكنائس المصرية… هل يتناقض مع الإيمان المسيحي؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!
Read in English:

Gender Segregation in Egyptian Churches

نحو الكنيسة اتجهت سارة برفقة يوسف، شقيقها الأصغر، لحضور قداس الأحد. تشابكت أيديهما، وما أن وصلا إلى الفناء الخارجي حتى ابتعدا، واتجهت سارة نحو الدرج في الجهة اليسرى، بينما اتجه يوسف نحو الدرج الأيمن الذي يقع أمام الباب الداخلي. وفي الكنيسة، جلس الصبي على المقاعد التي في الجهة اليمنى، بينما تأخرت الشابة لثوانٍ وهي تفتح حقيبتها باحثةً عن غطاء الرأس، ثم اتجهت نحو المقاعد الواقعة على الجهة اليسرى، ووسط الصلاة شردت الفتاة متسائلةً عن سبب جلوسها بعيداً عن شقيقها، ولماذا هذا الفصل خلال وقت العبادة؟

هكذا هو حال الكنائس في مصر والكثير من دول المهجر؛ يتم الفصل بين النساء والرجال حيث تتخذ النساء الجانب الأيسر ويخصص الجانب الآخر للرجال، وهو ما لا يتفق مع روح المسيحية التي لا ترى الاختلاط بالنساء مصدراً للشهوة، بينما يرى الإنجيل أن الخطيئة مصدرها القلب: "وإن كلَّ من نظر إلى امرأة ليشتهيها فقد زنا بها في قلبه" (مت 5: 28). فيما يؤكد الباحثون ورجال الدين المسيحي أن هذا الإجراء غير متسق مع العقيدة، ولكنه يتوافق مع الثقافة الشعبية السائدة، ويتمّ لكيلا تواجه الكنيسة انتقادات مجتمعيةً!

تصميم الكنائس

لا توجد أدلة في تصميم الكنائس على تخصيص مكان للنساء، ولكن في كنائسنا في فلسطين، وهي أقدم الكنائس القبطية، يوجد تخصيص دور ثانٍ للنساء، هذا بحسب زكريا بشير، الباحث في التراث القبطي، الذي ينوّه بأن الكتب الأثرية لم تشِر إلى بداية هذه التفرقة. ويضيف بشير إلى رصيف22: "الثابت أنه مع مطلع المسيحية لم يتم الفصل بين الرجال والنساء، فالكثيرات منهن كن مبشرات وشماسات، وهي الرتبة الأولى في الكهنوت التي لم تعد تسمح الكنيسة المصرية بها للنساء.

في الكنائس المصرية يتم الفصل بين النساء والرجال، حيث تتخذ النساء الجانب الأيسر ويخصص الجانب الآخر للرجال، وهو ما لا يتفق مع روح المسيحية التي لا ترى الاختلاط بالنساء مصدراً للشهوة 

وتشير بعض المباني من القرن السابع، على الشروع في هذا الإجراء بتصميم الكنائس مثل كنيسة الشهيدة بربارة في مصر القديمة جنوب القاهرة، والتي خصصت مقصورةً في الأعلى للنساء، ولكن لا نعلم ما إذا كان السبب هو إبعاد النساء عن الرجال وقت الصلاة، أم لصغر حجم الكنيسة وتوفير مساحة، أو للاتساق مع السائد آنذاك. وفي الوقت عينه، هناك كنيسة أبي سرجة في المنطقة نفسها في المقصورة العلوية، وفيها مذبح "موضع إقامة الصلاة" في منتصف صحن الكنيسة، ما يعني أن الفصل غير مقصود، وأنها كنيسة أخرى، وليست مكاناً مخصصاً للنساء فحسب، ما يفيد بأن هدف فكرة المقصورة العلوية لم يكن فصل النساء عن الرجال، وقد تكون لحماية النساء من الاضطهاد الوثني.

ولكن الدلالات الأكثر وضوحاً تعود إلى القرن العاشر مع انتشار المساجد وغياب تخصيص أحدها للنساء، باستثناء جامع البنات في العتبة وسط القاهرة، وترجع قصته لرجل لم ينجب سوى بنات وأقام المسجد نذراً حتى يزوجهن.

أيضاً في كتاب "مصباح الظلمة" للقس برسوم بن كبر، في القرن الـ14، والذي يتناول فيه دورة البخور، يقول: "يتجه القس نحو الشمال جهة النسوان ثم اليمين جهة الرجال"، وهنا أوضح دليل مكتوب بالنص عن الفصل. ولكن بعض الكنائس المصرية في المهجر تدمج في العبادات بين النساء والرجال منذ التسعينيات حتى تتوافق مع المجتمعات التي تعيش فيها، بينما في مصر لم يحدث أي تغيير سوى في أكاليل "الزيجات" بالدمج.

واتفقت معه حنان ميخائيل، وهي مفتشة في وزارة الآثار، مضيفةً أن دير الأنبا شنودة (الدير الأبيض في سوهاج في صعيد مصر)، ودير الأنبا بيجول الأحمر في سوهاج يرجع تاريخهما إلى القرن الرابع الميلادي، وهما ديرا رهبان سُمح للرجال فيهما بحضور الصلوات في الطابق الأول وللنساء في الثاني، ولكن لا يوجد دليل على تلك التقسيمة. وتشير حنان إلى رصيف22 إلى أنه في بداية المسيحية كان عدد المنتمين إليها قليل ولم تكن هناك مقاعد، واكتفوا بفرش الأرض وبناء "مصاطب" ملاصقة للجدران خُصصت لكبار السن، ومع زيادة أعداد المنضمّين إلى المسيحية، ظهرت فكرة الفصل، كنوع من التنظيم.

ويرى الدكتور نصيف فهمي، رئيس قسم الاجتماع في معهد الدراسات القبطية للطائفة الأرثوذكسية، أن الكنيسة جزء من المجتمع الذي تنتمي إليه، ففي الريف والأحياء الشعبية لا يوجد اختلاط بين النساء والرجال في المناسبات الاجتماعية، لذلك يجدون راحتهم في هذا الفصل، بينما في الأحياء الراقية تشارك الأسرة بكافة أفرادها في المكان نفسه مع الاحتفاظ بالتقسيم في العزاء والمآتم. ومؤخراً بدأت تسمح الكنيسة بالاختلاط في الأكاليل.

معاناة الأبناء

تنتقل حيرة الشرقيين المقيمين في الغرب، من الحياة العامة للكنيسة القبطية التي تسعى إلى الحفاظ على هويتها وتقاليدها، فهي ترى في الاحتفاظ بمكان للنساء، بعيداً عن الرجال، أوقات العبادة، أمراً ضرورياً حتى يشعر المصلّون في غربتهم بأنهم ما زالوا في وطنهم الأم ولحمايتهم من الحرية الغربية.

يرى رايت ديفيد (67 عاماً، مصري مقيم في النمسا منذ نحو 40 عاماً وهو مترجم في وزارة الداخلية النمساوية)، أن فكرة الفصل لا تمت إلى المسيحية بصلة، يب ترجع إلى الفكر العنصري وأصولية الكنيسة، بينما عند الأبناء المولودين لأبوين مصريين يظل الأمر مقبولاً ومع اختلاطهم بمجتمعهم المتحرر يكتشفون زيف الأفكار وانطوائيتها ويهجرونها باحثين عن طوائف أخرى. أما أبناء الزواج المختلط فتحاصرهم تساؤلات واستنكارات، كما تحرص الزوجة غير المصرية على الجلوس بجوار زوجها وأبنائها. ويضيف لرصيف22: "المثير للدهشة أن الكنيسة نفسها تسمح بالاختلاط للضيوف الأجانب وتمنعه عن أبنائها!".

في بعض المناطق قرر أسقفها التخلصَ من تلك العادة، وبدأ بالأنشطة المرتبطة بالناشئين والشباب مثل "مدارس الأحد"، ومنع الفصل بين الجنسين حتى في الرحلات، ثم اتجه نحو الصلوات والعبادة، وبدأ بالسماح بمجاورة الرجال والنساء في أثناء القداسات وغيرها من الطقوس. تلك القرارات اتخذها الأنبا دانيال، أسقف المعادي في جنوب القاهرة.

وبحسب دكتور سينيوت شنودة، المفكر العلماني وعضو لجنة تطوير مدارس الأحد، فإن العقيدة المسيحية لم ترد فيها فكرة إبعاد النساء عن الرجال في العبادة، بل إنهن شاركن في التبشير، حتى أن بعض الألحان القبطية التي تتردد في الصلوات تقول: "تعالوا يا تلميذات الرب"، كما توجد "حنا" النبية "وفيبي" المبشّرة والشماسة والقديسة "فرونيا"، التي جالت أوروبا وعلّمتهم النظافة الشخصية والعناية بالشعر، وهو ما يؤكد أنهن لم يغطّين شعرهن في الكنائس. ويشير الدكتور سينيوت لرصيف22 إلى أنه منذ القرن الثامن وحتى مطلع القرن العشرين لم يكن للنساء تواجد في الحياة الاجتماعية، وكنّ في عزلة، ولدينا في تصميم المنازل القديمة المشربيات لحجب النساء عن عيون المارة. وهكذا كانت الكنائس فلم تذهب النساء للصلوات، وكان قد خُصّص لهن ما يسمى ببيت السيدات، وهو عبارة عن مقصورة مستقلة.

ويضيف شنودة: "خلال عملي كباحث لم أقرأ يوماً نصاً يشير إلى فصل النساء عن الرجال في العقيدة، ولا حتى في أقوال القديسين، بينما ما يتردد من أقوال منسوبة غير حقيقية، ولا يوجد دليل على صحتها. ولكن ظهور فكرة الفصل واستمرارها مرتبطان بثقافة المجتمع، وحتى الوقت الحالي تقام المناسبات (زواج أو عزاء) بفصل الرجال عن النساء حتى في بعض الأحياء الراقية. ولا أرى حلاً سوى في المواجهة والتغيير، ففي الكنيسة التي أتردد عليها في المعادي، لا يوجد فصل، حتى أن الأسقف شدد على منع الفصل، سواءً في الصلوات أو أنشطة مدارس الأحد، وكذلك في بعض كنائس مصر الجديدة أصبحت الأسرة تجلس بجوار بعضها بعضاً في أثناء القداسات، إلا أن بعض القساوسة في معظم أحياء مصر متمسكون بالأفكار المحافظة. تلك الثقافة التي ارتبطت بفكرة الخوف على النساء من الاحتكاك بالحياة واستمرت مع دخول الإسلام إلى مصر على مدار الحكم العثماني، حتى جاء محمد علي الذي سعى إلى نهضة الدولة والتعليم ومن خلفه إسماعيل باشا، حاملاً الفكر الأوروبي وتحرير المرأة، حتى وصلنا إلى حفلات أم كلثوم وخطب الرئيس الراحل جمال عبد الناصر حيث نشاهد النساء جالسات جنباً إلى جنب الرجال بالأزياء العصرية".

المرأة تساوي الرجل في المسيحية

تولد معاناة الأبناء والأجيال الأصغر التي انغمست بشكل أكبر في مجتمع الهجرة عبر التعليم والعمل ليجدوا فجوةً بين ثقافة البلد التي ينتمون إليه ونظرتهم إلى المرأة وبين كنيستهم التي تتبع أفكاراً تميل نحو الأصولية وحجب النساء بعيداً عن أعين الرجال، بينما هم مختلطون بكل حرية في الحياة، ما يدفع بعضهم للابتعاد عن الكنائس أو البحث عن طوائف محلية للانتماء إليها.

ظهرت هجرة المسيحيين المصريين إلى الدول الغربية مع ظهور الجماعات الإسلامية في ستينيات القرن الماضي، وخلال فترة حكم الرئيس السادات، وانتشار ظاهرة العنف واستهدافهم حتى نشأ مصطلح "أقباط المهجر"، واتجهت أنظارهم نحو الولايات المتحدة الأمريكية وكندا وأستراليا، وبدأت الكنيسة المصرية بإنشاء كنائس لها لرعاية أبنائها في الخارج. ومع عام 1952، بدأ رجال الأعمال في السفر والاستقرار في الخارج ونقل أنشطتهم التجارية.

تسمح الكنيسة البروتستانتية المصرية بصلاة النساء بجوار الرجال في أثناء القداسات وتعدّها باقي الطوائف عاداتٍ غربيةً غير متسقة مع الكنيسة الشرقية المحافظة، ويشعر أبناء الطوائف الأخرى بدهشة وصدمة حينما يشاركونهم صلواتهم

أما أشرف أمين المقيم في كندا والمسؤول عن خدمة شباب وشابات مدارس الأحد، فيرى أن كنيسته التي تسمح بالاختلاط يعاني فيها بعض المصريين من الصدمة الحضارية نفسها، حينما يجدون الرجال والنساء يتشاركون في الصلوات؛ فالبعض تمسّك بالعادات المصرية والآخرون تقبلوا فكرة الحرية واندمجوا، وثمة فريق ثالث بين هذا وذاك.

يقول أشرف: "الناس لا تدرك أنها مجرد عادة وليست عقيدةً. ويلفت لرصيف، إلى أنه كثيراً ما أضحّي بخدمة الشموسية حتى أشارك أسرتي في القداس بجوار زوجتي وأبنائي لأننا نستمتع معاً، وإلغاء هذا يقلل من ترابط العائلات ويخلق فروقات ونُشعر البنات بأنهن أقل، لذلك نبعدهم عن الرجال. كما أن فكرة الفرق بين المرأة والرجل غير موجودة في عقيدتنا بل وافدة من مجتمع غير مسيحي، بينما الإنجيل كرّم السيدة مريم ورفعها عن البشر والملائكة، حتى فكرة التركيز على ملابس النساء لحفظ الرجال وافدة علينا وغير منطقية برغم تطرق بعض القساوسة والأساقفة إليها لكن الكثيرين رفضوها، خاصةً أنه غير عادل وغير إنساني أن أجبر إنساناً على طريقة ملابس معينة حتى لا يثيرني".

ثقافة المجتمع

تسمح الكنيسة البروتستانتية المصرية بصلاة النساء بجوار الرجال في أثناء القداسات، وتعدّها باقي الطوائف عاداتٍ غربيةً غير متسقة مع الكنيسة الشرقية المحافظة، ويشعر أبناء الطوائف الأخرى بدهشة وصدمة حينما يشاركونهم صلواتهم.

يقول القس رفعت فكري، رئيس مجلس الحوار والعلاقات المسكونية في سينودوس النيل الإنجيلي، إن الطائفة الإنجيلية لم تحدد يوماً موضعاً للنساء في أثناء العبادة في الكنيسة، ولكن في السابق كانت كنائس الصعيد في الجنوب تحافظ النساء فيها على التقاليد ويجلسن في مكان بعيد عن الرجال، ولكن بمرور الوقت اندثرت هذه العادة لأننا ببساطة أسرة واحدة وأبناء في المسيح، لافتاً لرصيف22 إلى أننا لم نواجه يوماً أي انتقادات مجتمعية بسبب الخلط، والكنيسة يجب أن تتبع الثقافة المسيحية وتفرضها على المجتمع وليس العكس لأن لها دوراً تنويرياً في مواجهة ظلام المجتمع.

من جهته، يقول القس متى بديع، رئيس لجنة العقيدة، إن طرق العبادة قبل المسيحية كانت تتم في المنازل والمقابر، كما أن العائلات في الماضي لم تسمح لنسائها بالظهور أمام الرجال حتى من خلف النوافذ. ويشير لنا إلى أن "المسألة تعتمد على الثقافة المجتمعية التي تعزل النساء عن الحياة، حتى مع دخول الإسلام لمصر، صمموا مصلّى خاصاً بالسيدات في المساجد. كما أن الأمر قد يناله انتقادٌ في حال سُمح بهذا الخلط. أيضاً كنائسنا في المهجر انتقلت ومعها الفكر نفسه حتى وإن كان هذا مفروضاً عليهم، تجد الرجال يتجهون نحو اليمين والنساء نحو اليسار، وفقاً لما عاشوا به في مصر. حتى أبناؤهم اعتادوا أن الكنيسة مختلفة عن مجتمعهم وتقبّلوا الأمر، وقد يختلف هذا مع الكنائس التي تُبنى حديثاً ويتم الاختلاط فيها بشكل تلقائي".

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

ثورتنا على الموروث القديم

الإعلام التقليديّ محكومٌ بالعادات الرثّة والأعراف الاجتماعيّة القامعة للحريّات، لكنّ اطمئنّ/ ي، فنحن في رصيف22 نقف مع كلّ إنسانٍ حتى يتمتع بحقوقه كاملةً.

Website by WhiteBeard